; الصراع المسكوت عنه في أحداث أوكرانيا | مجلة المجتمع

العنوان الصراع المسكوت عنه في أحداث أوكرانيا

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2004

مشاهدات 63

نشر في العدد 1629

نشر في الصفحة 17

السبت 04-ديسمبر-2004

في مجرى الأحداث: شعبان عبد الرحمن 

«الصراع» المسكوت عنه في أحداث أوكرانيا

«المشهد» المسكوت عنه في الأحداث المثيرة الدائرة في أوكرانيا أكثر إثارة وإن كانت أحداثه تدور خلف الستار، فالصورة التي يتم بنها إلينا منذ أسابيع من الأراضي الأوكرانية هي صورة الصراع الديمقراطي بين الرئيس كوتشما المنتهية ولايته، ورئيس وزرائه يانوكوفيتش من جانب وهما مواليان لموسكو، وزعيم المعارضة يوتشينكو وهو موال للولايات المتحدة من جانب آخر. المسألة ليست أبدًا خلافًا على نتائج الانتخابات فقط، ولا سعيًا إلى إزالة الرئيس الحالي ورئيس وزراته المتهم بالفساد والإفساد، وإنما صراع مرير بين النفوذ الروسي المتشبث بالهيمنة على الجمهوريات السوفييتية المنفكة، والنفوذ الأمريكي الطامح لالتهام تلك الجمهوريات لتحزيم جمهورية الاتحاد الروسي وخنقها تمهيدًا لتفكيكها وبعثراتها حتى تسقط من مرتبة الدولة العظمي إلى مرتبة دولة منتوفة الريش أو مقصوصة الجناح فينتهي بذلك الخطر الروسي كقوة كبرى على الولايات المتحدة ونفوذها حول العالم.. وفي نفس الوقت تتحول الجمهوريات السوفييتية السابقة بعد انتقالها إجمالاً من حوبة النفوذ الروسي إلى النفوذ الأمريكي.. تتحول إلى قوة ضارية في المعسكر الأمريكي تهدد كل القوى الصاعدة في المنطقة وما حولها .... تهدد القوة الصينية التي تشق طريقها بسرعة مرعبة لواشنطن... وتهدد منطقة آسيا وجنوب شرق آسيا وتهدد المنطقة العربية، وإن كانت ليست في حاجة إلى مزيد من التهديد.. فحالها يرثى له. 

المسألة تحتاج إلى التوقف قليلاً لمزيد من التفاصيل المهمة.....

فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي السابق عام ۱۹۹۱م، كانت الولايات المتحدة مستعدة بمشروع طموح ومدروس جيدًا للتغلغل في كل مفاصل الإمبراطورية المنهارة؛ لفرض الهيمنة الاقتصادية والوجود العسكري عبر اتفاقات ومعاهدات بين واشنطن والدول السوفيتية المنفكة.. بل إن كثيرًا من الاتفاقات والمعاهدات كان يتم بطلب من الدول السوفييتية ذاتها وليس من خلال التدخل الأمريكي المباشر، وهو ما كان يسكت أي احتجاج روسي على التمدد الأمريكي في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق. 

وعبر هذا المشروع الأمرسكي الهادئ الذي تحاشى -ومازال - الصدام المباشر مع موسكو، شاهدنا تدفق عشرات الشركات البترولية الأمريكية إلى منطقة بحر قزوين واحتكارها - عبر اتفاقات مع الدول السوفييتية المتشاطئة عليه - لعمليات التنقيب وضخ نفط هذا البحر، وقد أصبح النفوذ البترولي الأمريكي اليوم شبه مسيطر على ثروة هذا البحر النفطية والمعدنية وهي الثروة التي تأتي في المرتبة التالية لنفط منطقة الخليج.

ثم شاهدنا خلال الحرب الأمريكية على أفغانستان طاجيكستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان توافق لواشنطن - مقابل منح اقتصادية ضخمة - على إقامة قواعد عسكرية دائمة على أراضيها، ولم تستطع روسيا أن تصدر كلمة احتجاج واحدة؛ لأن الرد عليها كان هو أن تلك القواعد لضرب الإرهاب في أفغانستان وقطع الطريق بين إرهاب أفغانستان وإرهاب جمهوريات آسيا الوسطى المتاخمة لها، ثم فوجئت روسيا عام ٢٠٠٢م بموافقة جورجيا على إقامة قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها، والأنكي كان طلب جورجيا من روسيا إنهاء وجودها العسكري على أراضيها لتحل القوات الأمريكية محلها .... وهكذا صارت القواعد العسكرية الأمريكية تحزم روسيا من بعيد وصارت تدق أبواب الكرملين!.

المشروع الأمريكي لم يتوقف بعد، فقد كانت أوكرانيا ومازالت تحتل بندًا مهمًا في ذلك المشروع، وكانت عين واشنطن على طول الخط على أوكرانيا أملاً في احتوائها وضمها إلى معسكرها وطرد النفوذ الروسي منها فأوكرانيا تمتلك أهمية استراتيجية لسببين:

الأول: أنها ثالث قوة نووية في العالم بما تمتلكه من صواريخ وقاذفات نووية.

 الثاني: أنها تمتلك الأسطول البحري السوفييتي السابق بأكمله.

وقد دخلت روسيا مع أوكرانيا في مفاوضات عسيرة لاقتسام الأسطول.. بينما دخلت الولايات المتحدة منذ عام ١٩٩١م في مفاوضات وإغراءات لأوكرانيا لتفكيك ترسانتها النووية البالغ قيمتها ١٢ مليار دولار، وبينما لم تحقق روسيا نجاحاً في مفاوضاتها حول الأسطول يبدو أن واشنطن نجحت في التوصل إلى اتفاق لنزع السلاح النووي مقابل خمسة مليارات كانت أوكرانيا الفقيرة تطالب بها.

ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي السابق – كما قلنا - فواشنطن موجودة في أوكرانيا ـ كغيرها من الدول السوفييتية ـ عبر المفاوضات والمساومات والإغراءات لتصل إلى معاهدات ـ برضى هذه الدول ـ تمكن للنفوذ الأمريكي على حساب النفوذ الروسي. 

وقد كان ظهور زعيم المعارضة يوتشينكو بقاعدته الجماهيرية الثائرة أحد إفرازات ونتائج «اللعب» الأمريكي هناك، ليقوم بالفصل الأخير من المشهد وهو تسلم السلطة في البلاد عبر سيناريو ديمقراطي لا غبار عليه، وبالتالي تدخل واشنطن «مرحبا بها» ... بينما تخرج موسكو غير مأسوف عليها انتظارًا لضربات أخرى... لن تتوقف إلا عند أبواب الكرملين!!.

الرابط المختصر :