; المجتمع التربوي (العدد 1455) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1455)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001

مشاهدات 101

نشر في العدد 1455

نشر في الصفحة 54

السبت 16-يونيو-2001

زراعة الأمل

لمياء أحمد عبد الدايم

m_qub@hotmail.com

الأمل كلمة ثقلها ثقل الجبال في ميزان الحياة، لا يعرف حقيقتها إلا من عاش بين أشواك اليأس، وذاق وخزانه الجارحة أحيانًا والقاتلة أحيانًا أخرى، فهي كلمة تعني الكثير، وتحمل بين طيات معانيها الوجود من عدمه، فالوجود يعني الحياة والحركة، وعدم الوجود يشير إلى الموت وإن كان موتًا غير مألوف.

يتحدث اليوم علماء الطب البشري عن عمليات زراعة الأعضاء البشرية، معتبرين أنها من أهم وأدق العمليات الجراحية، وإذا ما وصلت الحالة إلى زراعة القلب، فإن الأمر يعني حياة أو موتًا، وفي مثل هذه العملية تكمن دقة الخطر وحساسية التنفيذ.

ولكن مع هذا كله، فإن عملية جراحية تسمى زراعة الأمل في القلب تتصدر حقيقة رأس قائمة أدق وأخطر عمليات الزراعة في الوجود البشري.

فالإنسان وبحكم تركيبته النفسية والعضوية أكثر ما يتأثر في حياته من الجراح النفسية، فهي مصدر الألم الأول الذي يغلب عليه طابع الحدة والدوام، وقد يستمر ما استمرت حياة الإنسان نفسه، أما عن الآلام الحسية، فهي سهلة الاحتواء موقتة التأثير.

 ومن الجدير بالذكر أن المراد بالأمل ليس هو الأحلام الخداعة، ولا الآمال البراقة، بل هو عبارة عن طاقة جبارة كامنة تبعث في الإنسان حب العمل، والتفاني للوصول إلى الهدف.

ويشدد القرآن الكريم على من تلوح له أمانيه بدخول الجنة دون عمل.

فيقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: 123-124)

ويقول الله -عز وجل- أيضًا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112)

ويقول الشاعر:

ولا تكن عبد المني، فالمني

 رؤوس أموال المفاليس

الإنسان عبر مراحل نموه المختلفة يمر ولا شك عبر محطات من اليأس والإحباط والقنوط، وبحسب حجم المحطة، وقوة مقاومة الإنسان لها، يتشكل في النهاية دافع جديد قد يحيي القلب، ويبعث فيه النشاط والحركة من جديد حينًا، وقد يميت القلب فتخبت الحركة، ويشل الجسد حينًا آخر.

وإذا كان الأمر من الأهمية بمكان إلى هذا الحد. فإننا في أمس الحاجة إلى أطباء قريبين سلاحهم وتخصصهم زراعة الأمل، فإن فاتت محطة، وانتصر فيها اليأس، فإن هذا يعني أن جسدًا قد مات أو تعطل على الأقل، وإذا ازدادت نسبة انتشار المرض وأصبح وباء مستشريًا، فإن مصيبة قد وقعت، وإن حضارة مبناها قد تعطل أو وقف.

 الرسول محمد ﷺ كان ويحكم تربيته الإلهية بارعًا ماهرًا في زراعة الأمل، وكأنه قضى سنوات طويله في البحث والدراسة في هذا التخصص.

لقد أثبت واقع حياة العصبة المسلمة الأولى في قريش أن من زراعة الأمل الذي ملكه الرسول ﷺ كان له أبلغ الأثر في الحفاظ على شعلة الإسلام الأولى مشتعلة مضيئة، في حين كانت كتل جبلية هائلة من الجن والإنس تعمل على إطفائها وإخفاء وميضها.

فها هو ﷺ يمر بآل ياسر، وهم يرزحون تحت وابل التعذيب والتنكيل لا لشيء إلا لأنهم شهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يملك من العدة أو العتاد ما يمكن أن يساعدهم به، ولكنه -وفي حقيقة الأمر- كان يملك شيئًا أكبر من هذه، وأقوى من ذاك كان يملك سلاح زراعة الأمل، فما كان من شأنه إلا زرع أمل في قلوبهم، فقال: اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، نعم لقد كان أملًا عظيم المنزلة، رفيع المستوى، أحيا قلوبًا جعلها تنظر إلى وحشية المعاملة، وآلام التعذيب نظرة استخفاف واحتقار، هذا هو الأمل الذي شكل عنوانًا للصبر والتحدي، ورمزًا من رموز انتصار الحق على الباطل.

 ولما شكا خباب بن الأرت إلى النبي ﷺ ما يلقى من أذى المشركين حاملًا بين جوانحه التبرم والضيق، وكأنه كان يشعر ألا نهاية لهذا الظلام فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن عاد إلى زراعة الأمل، فضرب له مثلًا بما لقيه المؤمنون في الأزمنة الماضية، ثم طرد عن قلبه اليأس، وزرع فيه الأمل الخصب، حين أخبره أن الله سيتم هذا الأمر، حتى يسير الراكب من أقصى الجزيرة إلى أقصاها، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.

 إن من شدة إدراك النبي الكريم محمدًا ﷺ الفاعلية سلاح زراعة الأمل، فقد استخدمه حتى مع أعدائه، فمن منا لا يذكر قصة هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة، وقد رصدت قريش من الجوائز الشيء الكثير لمن يأتي به حيًا أو ميتًا، الأمر الذي شجع سراقة بن مالك على اللحاق بالنبي ﷺ حتى وصل واقترب من ركبه ﷺ وإذا بالنبي ﷺ يزرع أملًا جديدًا في قلب مشرك، يعادي كلمة التوحيد، فوعده بسواري كسرى إن هو أسلم وكف ورجع، وقد كان من الأمر ما كان وتحقق الأمل فألبسه إياهما عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-وقال له: أرفع يديك وقل الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيًا من بني مدلج.

أساليب متنوعة لزراعة الأمل

ومن هنا نرى أن الرسول ﷺ استخدم الأساليب المتنوعة لزراعة الأمل من المقارنة بمن يبعث حالهم على إزالة حالة الكآبة وترسيخ فكرة لست وحدك في الميدان إلى التأكيد على أن المستقبل يحمل في طياته البشري والخير، إلى المضي قدمًا في تحقيق الهدف الأسمى.

 إن الإسلام وهو آخر الرسالات السماوية، إنما ينبت أسسه وقواعده على زراعة الأمل، فهو دين الله الخالد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 الخنساء الشاعرة العربية المعروفة، مات أخوها صخر وهي في الجاهلية قبل أن تنطق شفتاها بكلمة التوحيد، فبكت عليه بكاء مرًا جعلها تفقد البصر، وفي المقابل عندما استقر الإيمان بالله وباليوم الآخر في قلبها، فإن أملًا جياشًا تغلغل في صدرها وتربع على قلبها، حتى إذا ما جاءها نبأ استشهاد أولادها الأربعة دفعة واحدة في معركة القادسية، حمدت الله -عز وجل- ودعته أن: يجمع بينها وبينهم في مستقر رحمته، فلم تذرف دمعًا ولم تشق جيبًا، ولم تلطم خدًا.

ويضرب لنا القرآن الكريم مثلًا رائعًا حول موضوع زراعة الأمل وهو يروي لنا قصة أمل سيدنا يعقوب-عليه السلام-بلقاء نجله المفقود يوسف-عليه السلام حتى ضح الأبناء وأهل البيت فقالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (يوسف: 85)

فأجابهم والأمل يلوح بين عينيه قائلًا: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87) ولا يسع ابن الجوزي، وهو رائد في هذا المجال إلا أن يقول: من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف.

ومن هنا كان واجبنا أن نزيل ذلك الستار الأسود الذي يغطي أعين القانطين لنعيد لهم الثقة بالغد، فحياة الفرد من غير شعاع الأمل، أضيق من حلقة الخاتم، بل من سم الخياط وقديما قال الشاعر:

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

وحياة المجتمع بدون الأمل حياة جامدة ميتة لا روح فيها ولا حراك، فلولا الأمل ما بني بان بنيانًا، ولا غرس غارس غرسًا، ولا تقدم العلم خطوة إلى الأمام، وأخيرًا نقول: لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة، وإن مع العسر يسرًا، وإن بعد الليل فجرًا، وإن دوام الحال من المحال «الوقت في حياة المسلم د يوسف القرضاوي، ص ٣٩- ٤٠».

اللهم أيقظنا من نومة الغفلة

كان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل.

قال عبد الله بن مسعود: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه من أجلي، ولم يزد فيه عملي.

قال الحسن -رحمه الله-: من علامات إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا ينفعه خذلانًا من الله عز وجل.

- قال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يشغلك عن الله تعالى أحد فافعل.

- قال الحسن: الدنيا ثلاثة أيام «أما أمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدًا فلعلك لا تدركه، فاليوم لك فاعمل فيه».

- قال أحد الحكماء: عجبت ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه، ويشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة.

 إذن: فاتق الله سبحانه، ولا تذهب وقتك فيما لا ينفع فيكون عليك حسرة وندامة، واعمل للآخرة لأنها هي الباقية، ولا تعمل للفانية، فإنك مفارقها.

أخي الحبيب: إن استطعت فأعد ساعة من عمرك لتسبح تسبيحة واحدة؟

هيهات.. فاللهم أيقظنا من نومة الغفلة.

الشيخ عبد الله الوابل. مفتي الجنوب

كان الشيخ عبد الله بن يوسف الوابل-يرحمه الله-قدوة لطلبة العلم والمثقفين، بل وعامة أهالي منطقة عسير، كان يعمل بهمة ونشاط لا يعرف الكلل، ولا الإجازات إلا النادر، وما لابد منه.

كان -يرحمه الله- كلية شرعية يتخرج على يديه القضاة والعلماء والدعاة والمثقفون في حلق الذكر المنعقدة في مسجده، وفي دار العلوم الشرعية.

وإلى جانب هذا، كان يعمل رئيسًا للمحكمة الشرعية بأبها بما فيها من المسؤوليات والمهام فكان يتقي الله تعالى في الدماء والأعراض والأموال، ويقضي بالحق، بالإضافة إلى قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كان يتجول في الأسواق والأماكن العامة لنصيحة الناس، وإرشادهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

جامعة تتحرك: كما كان يقوم بتدريس القرآن الكريم وتحفيظه، وكان لي شرف الحضور بين يديه لهذا الغرض بعد صلاتي المغرب والصبح، ضمن أعداد كثيرة من طلاب العلم.

ذلك كان -يرحمه الله تعالى- يقوم بمسؤوليات الإفتاء فهو بحق يلقب بمفتي الجنوب.. يسأله الناس عما يعترضهم أو يحتاجون إليه في المواريث والطلاق والزكاة والصيام والحج وجميع الأحكام الشرعية، وقد كان الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -يرحمه الله تعالى- يشاوره في بعض الأمور والقضايا والأحكام، فهو بحق جامعة كانت تتحرك في كل مكان في المحكمة والسوق والمسجد والمنزل والمدرسة الشرعية التي يقيم بها الوافدون من خارج مدينة أبها لطلب العلم وحفظ القرآن الكريم.

وهكذا كان دابه عبادة وتلاوة وتسبيحًا وتهليلًا وتدريسًا، حتى أضناه المرض، فنقل إلى المستشفى التخصصي بالرياض، ومكث به فترة حتى وافاه الأجل عن عمر ناهز التسعين عامًا، صبيحة يوم الخميس الموافق ٢٣/٢/١٤٢٢هـ.

وصلي عليه بعد صلاة العصر بمسجد الراجحي بالرياض، كما صلي عليه صلاة الغائب في العديد من مساجد المملكة عقب صلاة الجمعة وقد حضر جنازته، والصلاة عليه، ودفنه خلق كثير، وجمع غفير.

رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في دار كرامته، ومستقر رحمته وخلف على الأمة الإسلامية فيه بخير الخلف على منهج السلف وأحسن عزاء أهله وذويه ومحبيه، وطلابه، وألهمهم الصبر والسلوان والدعاء له بالمغفرة والرضوان ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)

شايع بن محمد البشري

مدير مدرسة متقاعد-أبها

صديقي تي في!

بقلم: د. نجيب عبد الله الرفاعي

للصحبة والصداقة نور كبير في تشكيل خريطة الإنسان الأخلاقية وبهذا يدعونا الرسول ﷺ إلى أن نخالط الصديق الصالح، فهو القائل: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» فحامل المسك إما أن بحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ربحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة، وتقول الحكمة المشهورة: «الصاحب ساحب» فإن كان صالحًا سحب صاحبة للخير، وإن كان سيئًا فاسدًا خبيثًا سحب صاحبة إلى مواقع السوء، وقد أحسن الشاعر في قوله:

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه

                فكل قرين بالمقارن يقتدي

الكثير من الناس يعتقد أن الصديق المشار إليه سابقًا يجب أن يكون إنسانًا يحدثنا ونحدثه، يجالسنا ونجالسه، ألا ترى معي صديق هذا الزمان الجديد الملقب «تي في» أعني به التلفاز، أنه أصبح صديقًا مؤثرًا لا يتأثر، ألا ينطبق عليه ما سبق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1445

75

السبت 07-أبريل-2001

المجتمع التربوي.. عدد 1445

نشر في العدد 1577

94

السبت 15-نوفمبر-2003

بريد القراء.. العدد 1577