; النفط أم تحقيق السلام وراء تعيين المبعوث الأمريكي في السودان؟ | مجلة المجتمع

العنوان النفط أم تحقيق السلام وراء تعيين المبعوث الأمريكي في السودان؟

الكاتب السيد الشامي

تاريخ النشر السبت 20-أكتوبر-2001

مشاهدات 50

نشر في العدد 1473

نشر في الصفحة 42

السبت 20-أكتوبر-2001

  • الإيقاد أصبحت ذات طابع دولي يعكس المصالح الغربية التي تتناقض مع صالح دول المنطقة. 

  • عمقت التدخل الدولي في الشأن السوداني.. واحتكرت الأزمة السودانية حتى لم تعد تقبل تدخل مصر أو ليبيا.

ماذا وراء تعيين مبعوث أمريكي للسلام في السودان؟ وهل هناك مبادرة أمريكية جديدة بخصوص السودان؟ وما الخطوط العامة لهذه المبادرة؟ وهل تمثل خطورة على الطرح المصري والليبي بخصوص المسألة السودانية؟، وهل يقف المبعوث الأمريكي موقف الحياد أم تحركه المصالح الأمريكية وجماعات الضغط التي تدفع في اتجاه اتخاذ سياسات متشددة تجاه السودان؟ 

يمكن القول إن السياسة الأمريكية تجاه السودان تحركها العديد من الدوافع والأسباب، لعل من أهمها التخوف الأمريكي من تحول السودان إلى بؤرة لانطلاق حركات إسلامية في الجوار الأفريقي، والتي تعتبرها الولايات المتحدة دول مواجهة وحليفة في الوقت ذاته، كما أن المصالح الأمريكية في السودان باتت مهددة -كما يقول المراقبون- بعد وجود منافسين فرنسيين وكنديين، خصوصًا في مجال استخراج النفط، ولعل هذا أهم سبب لتعيين المبعوث الأمريكي. 

ورغم إعلان الخارجية الأمريكية عن أهداف تعيين المبعوث -والتي تتمثل في وقف أعمال القتل من خلال التوصل إلى سلام عادل وشامل ومساعدة المواطنين المتضررين من الحرب والجفاف، ووضع نهاية لما أسماه بمساندة الإرهاب الدولي، وهو الأمر الذي حاول السودان التخلص منه بتقديم بعض المعلومات الاستخبارية للولايات المتحدة بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن فقد لاقى تعيين المبعوث الأمريكي ردود فعل متباينة، حيث رأى وزير الخارجية السوداني أن هذه الخطوة تتوقف أهميتها على مدى الحيادية والشفافية التي يتحلى بها المبعوث وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه بعد اتهام بوش للسودان بتشجيع الرق والعبودية، وتحميله مسؤولية تدهور الأوضاع فضلًا عن تأييد بوش لمبادرة الإيقاد، وهو ما يعني تجاهل المبادرة المصرية -الليبية التي كانت محل تقدير الأوساط السودانية. 

ورغم ترحيب حزب الأمة بالخطوة، فقد عارضها الحزب الاتحادي ورآها تقويضًا للمبادرة المصرية -الليبية، والتفافًا حولها، أما وزيرا الخارجية المصري والليبي، فقد قللا من أهمية المبادرة الأمريكية، وأكدا أن المبادرة المصرية -الليبية هي المبادرة المطروحة. 

فماذا يمثل إذن تعيين المبعوث الأمريكي للسودان؟ يمكن القول: إن إدارة بوش تسير في اتجاه الإدارات الأمريكية السابقة التي عملت دائمًا على الانحياز الأمريكي الواضح لحركة التمرد الجنوبية. ويقول المراقبون: إن السياسة الجديدة تعتمد برنامج مساعدات تصل تكلفته إلى نحو ٣٠ مليون دولار يخصص نصفها للمساعدات الإنسانية في الشمال والباقي المشاريع تنمية الجنوب. 

لماذا يؤيد الأمريكان الإيقاد؟ 

جرت محاولات عدة لتسوية المشكلة السودانية، ومن تلك المحاولات الوساطة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر في الفترة من (۱۹۸۹ - ۱۹۹۱م)، ولكنها لم تنجح ولم تتقدم كثيرًا وأعقبتها الوساطة التي رعاها الرئيس النيجيري إبراهيم بابا نجيدا في الفترة من (۱۹۹۱ - ۱۹۹۳م)، واقترحت نيجيريا على السودان تطبيق التجربة النيجيرية دولة علمانية ونظام فيدرالي، ولكنها هي الأخرى لم تحرز أي نتائج، وكانت المحاولة الثالثة محاولة الإيقاد في الفترة من ۱۹۹٤م وحتى الآن، ولم تحقق أي تقدم، حيث تعاني هذه المنظمة التي تضم ست دول هي (أثيوبيا -السودان -إريتريا -أوغندا -كينيا -جيبوتي) من ضعف هيكلي أما طروحاتها، فتتراوح بين السودان العلماني الموحد، أو حق تقرير المصير، وقد نشأت الإيقاد عام ١٩٨٦م كمنظمة حكومية للجفاف والتصحر ثم تطورت في عام ١٩٩٥م إلى منظمة للتنمية وأوكل إليها متابعة ملف الصومال وجنوب السودان، وحتى الآن لم تحقق أي نجاح في الملفين، ويغلب عليها ما يمكن أن نسميه (صراع التوجهات والأدوار)، حيث تسعى أغلب دولها: إريتريا، وأوغندا، وأثيوبيا، وكينيا لأن تلعب دورًا إقليميًا على مستوى منطقة القرن الأفريقي وعلى الرغم من أنها منظمة إقليمية، إلا أن الدول المانحة، وخصوصًا الولايات المتحدة، وإيطاليا وهولندا والدنمارك، والنرويج، واليابان وغيرها رأت أن تقوم بإحياء دورها من خارجها فتوسعت الإيقاد إلى ما أطلق عليه (شركاء الإيقاد)، ويحاول هؤلاء الشركاء وضع أجندة تعكس الرؤية الأوروبية الأمريكية، ومن ثم أصبحت الإيقاد ذات طابع دولي يعكس المصالح الغربية والأمريكية التي تتناقض مع مصالح دول المنطقة، ويمول الشركاء المنظمة بأكثر من نصف ميزانيتها، وهو ما يؤثر في النهاية على مقرراتها، ويجعلها ذات طابع دولي أكثر منه أفريقيًا. 

موقف دول الإيقاد 

عمقت الإيقاد من التدخل الدولي في الشأن السوداني، خاصة بعد توسع المنظمة، بما ساعدها على احتكار التدخل في الأزمة السودانية. وقد تطور هذا الدور بصورة أكبر بعد أن ساءت علاقات السودان بكل من إريتريا وأثيوبيا وأوغندا، وكان قبول السودان في الأساس لوساطة الإيقاد يستند إلى التوازن القائم داخلها، حيث كانت أثيوبيا وإريتريا متحالفتين مع السودان، بينما كانت كينيا وأوغندا تدعمان التمرد، وكان من شأن استمرار هذا التوازن أن يحصر نفوذ وفاعلية المنظمة في الإطار المقبول سودانيًا، لكن توتر علاقات السودان مع جيرانها غير المعادلة، حيث توحدت المنظمة على خطة تتجه نحو فرض حل أقرب إلى مطالب حركة التمرد منه إلى مطالب الحكومة وفي الوقت نفسه، حصلت على دعم أمريكي ودولي لزيادة الضغط العسكري والسياسي على الخرطوم، حيث بادرت أثيوبيا في عام ١٩٩٥م بمطالبة مجالس الأمن بفرض عقوبات على السودان بحجة عدم تسليمه المشتبه فيهم في محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا في يونيو ۱۹۹٥م، وقد دعمت مصر هذا التوجه الأثيوبي في أول الأمر، لكنها تحفظت على مطلب فرض حظر على بيع الأسلحة للسودان لأن ذلك كان يعني عمليًا فصل الجنوب، وكان هذا مصدر أول خلاف بين مصر ودول الإيقاد. 

وفي نهاية عام ١٩٩٦م وبداية عام ١٩٩٧م تدخلت ثلاث دول من الإيقاد تدعمها تنزانيا بصورة مباشرة في النزاع المسلح في السودان حيث شاركت قوات من أوغندا وإريتريا وأثيوبيا في حملة عسكرية شنتها المعارضة بغرض تشديد الضغط العسكري على الخرطوم. 

وعلى الصعيد الإقليمي، عارضت دول الإيقاد أي جهود للوساطة من طرف إقليمي أو دولي، وفي هذا السياق، أكدت إريتريا في ضرورة عدم توسيع مبادرة الإيقاد لتشمل المعارضة الشمالية لاعتبارات تتعلق بطرفي النزاع: الحكومة والجنوبيين، ورأت أن تصوير المبادرة المصرية -الليبية، كما لو كانت مبادرة عربية في مقابل الإيقاد الأفريقية، سيأتي بنتائج معاكسة في إشارة ضمنية للتحفظ على المبادرة المصرية الليبية، وهو الموقف الأمريكي نفسه وموقف الحركة الشعبية التي تقود التمرد في السودان. 

كما تحفظت دول الإيقاد على اللقاءات السرية التي رتبتها النرويج في عام ١٩٩٤م. وعارضت مجهودات سويسرا وغيرها كما رفضت مساعي جنوب إفريقيا لكسر الجمود عام ۱۹۹۷م. من هذا المنطلق، يرى البعض أن وساطة الإيقاد تحولت عمليًا إلى وصاية دولية على السودان لا يحق لغير دول الإيقاد التدخل في شؤونه!! 

وكانت الإمارات العربية أول من التفت إلى خطورة هذا الوضع وما يعنيه من تغييب الدور العربي في المساعي الرامية لحل الأزمة السودانية، ولهذا تقدم رئيس دولة الإمارات في عام ۱۹۹٨م بمبادرة لرأب الصدع بين الحكومة والمعارضة الشمالية، ولقيت المبادرة ترحيبًا من الحكومة وبعض أطراف المعارضة، ولكنها لم تتقدم بسبب ما بدا أنه تحفظات مصرية ودولية وتمنع من بعض أطراف المعارضة، وتتميز المبادرة الإماراتية عن المصرية والليبية بأنها ركزت على المعارضة الشمالية، وبالتالي تجنبت الاعتراض عليها لعدم تعارضها مع مبادرة الإيقاد كما تجنبت المعوقات التي يمكن أن تضعها حركة التمرد. 

مخاطر على الدور المصري 

لماذا ترفض الولايات المتحدة المبادرة المصرية الليبية وتقف بقوة خلف الإيقاد يمكن فهم الموقف الأمريكي في ظل اعتبارات عدة منها: أن الإدارة الأمريكية لا تود نجاح أي أدوار إقليمية في المنطقة يمكن أن تحقق نجاحًا في حل أزمات يهدد دورها في المنطقة ويهز صورتها، وفي سبيل ذلك عينت الإدارة الأمريكية هاري جونستون مبعوثًا للسودان على خلفية تعاطف الكونجرس مع فريق الجنوبيين واستعداده لمدهم بالسلاح، ويوجد تيار داخل الكونجرس يرى أن سيطرة الحكومة على الجنوب سيترتب عليها تبعات جسيمة على الولايات المتحدة، باعتبار أن السودان سيلعب دورًا جوهريًا ومهمًا في إفريقيا بعد إكمال سيطرته على الجنوب، وهو ما جعل هذا الفريق يدعو الإدارة الأمريكية لأن تضع الجنوب على صدر لائحة أولويات المصالح القومية الأمريكية في الخارج التي تجب عليها حمايتها والمحافظة عليها. غير أن واشنطن ليست متمسكة بالمبادرة الأفريقية لأنها مدعاة حقيقية لإحلال السلام ولكن لأنها القناة الوحيدة التي يمكنها من خلالها وعبر النفوذ الذي تتمتع به في دول منطقة شرق ووسط أفريقيا- أن تفصل الجنوب السوداني ليكون عازلًا بين أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وتدفق الإسلام القادم من شمال السودان وهو هدف تلتقي فيه الاستراتيجية الأمريكية مع وجهات نظر عدد كبير من قادة الدول الأفريقية السمراء التي تتمتع كنائسها بنفوذ كبير على أنظمة الحكم فيها. 

وتتبنى الولايات المتحدة موقفًا تجاه السودان جوهره اعتبار السودان دولة راعية للإرهاب وأن سياسة حكومته تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان، كما تدعي أنها عامل عدم استقرار في القرن الأفريقي والبحيرات العظمى «منطقة المصالح الأمريكية»، وتتقاطع المواقف السودانية مع سياسة أمريكية جديدة تجاه أفريقيا تبلورت في مارس ١٩٩٦م قوامها السعي لتشكيل كتلة أفريقية تمتد من القرن الأفريقي شرقًا إلى السنغال غربًا، يكون لها السيطرة على منطقة البحيرات العظمى والتحكم في مصادر المياه. وتهدف تلك السياسة إلى تحقيق هدفين أساسيين: 

١ - إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في وسط أفريقيا. 

٢- محاربة وعزل نظام الحكم في السودان. وتعمل الولايات المتحدة على تحقيق هذه الأهداف عبر أداتين رئيستين. 

  1. خلق ودعم بعض القادة الأفارقة الجدد الذين يعملون بشكل أو بآخر على تحقيق المصالح الأمريكية وفي هذا السياق جاء اجتماع الرئيس كلينتون في عنتيبي بأوغندا في أثناء جولته الأفريقية عام ١٩٩٦م والذي شمل زعماء ست دول هي: أوغندا ورواندا وأثيوبيا والكونغو الديموقراطية وكينيا وتنزانيا . 

  2. طرح مشروع القرن الأفريقي الكبير الذي يضم إلى جانب دول القرن التقليدية أوغندا والكونغو الديموقراطية ورواندا وبورندي وجنوب السودان (بعد فصله، ويرمي هذا المشروع إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات التعدين والنفط الأمريكية، وقد أطلق كلينتون مبادرة القرن الأفريقي الكبير في عام ١٩٩٥م، وتحاول المبادرة ربط التطورات في السودان بتفاعلات شرق أفريقيا والقرن الأفريقي بعيدًا عن الإطار العربي، وتهتم بخلق هوية مختلفة للمنطقة، وتسعى الولايات المتحدة إلى تسليح حلفائها، وهو ما تم بالفعل من خلال صندوق التعليم العسكري والتدريبي (IMET). ويشير المراقبون إلى أن الجهود الأمريكية أرادت أن ترد على الدبلوماسية المصرية التي استطاعت من جهة احتواء الخلافات مع حكومة الخرطوم، ومن جهة أخرى الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مع كل فصائل المعارضة بما فيها حركة قرنق. 

وتكشف تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن خطة الاستفراد بالسودان بعيدًا عن مصر التي تمثل عمقه الاستراتيجي. ويرى البعض أن التحركات الأمريكية نحو كينيا تمثل إعلانًا للحرب على الامتداد المصري الطبيعي في أفريقيا، وهو ما يجب على القاهرة دون شك أن تواجهه بتكثيف جهودها للحفاظ على وحدة السودان ترابًا وشعبًا ومياهًا. 

وعلى أي حال فإن الموقف الأمريكي الرافض للمبادرة المصرية الليبية والداعم للإيقاد لا يعكس فقط تجاوزًا وتحفظًا على الدور المصري الليبي بقدر ما يعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي ترى أن السودان ينتمي إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وعليه أن يحصر علاقاته في جواره الأفريقي الجنوبي، ومن ثم فلا دور لجيرانه في الشمال، وخصوصًا مصر.

الكلام بالألوان:

  • الخطة الأمريكية للسودان تستبعد الدور المصري وتحركات واشنطن نحو كينيا تمثل إعلانًا للحرب على الامتداد المصري في إفريقيا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

324

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7