; على هامش الوحدة الأوروبية | مجلة المجتمع

العنوان على هامش الوحدة الأوروبية

الكاتب حمدى حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1989

مشاهدات 72

نشر في العدد 903

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 07-فبراير-1989

ترى هل سيستطيع السيد «ريغان» أن يقنع كنيسته التي ينتمي إليها بشرعية زواجه الثاني، أم أن الزوجة الثانية ستبقى عشيقة غير شرعية عبر القارات؟

المتطلع إلى الخارطة السياسية الدولية وعلاقة الدول الغرامية سيخرج بانطباع أن السيد ريغان قد خرج من البيت الأبيض وقد أمسك بالسيدة نانسي عن يمينه، والسيدة تاتشر عن يساره.

لقد استطاع بحركات الكاوبوي السياسية التي أتقن عرضها أن يخلب لب السيدة البريطانية، وأن يربط السياسة البريطانية بالعجلة الأمريكية، حتى إن إنجلترا العظمى لتقف على أقدامها -على اعتدادها الإنجليزي بنفسها- لتهز برأسها موافقة ومغتبطة لريغان وهو يتكلم.

ترى هل جاء الأمر صدفة، أم هل وجود النساء في قصور حكم بريطانيا هو الذي الآن عريكتها وأسس قيادها، أم أن هناك لغزًا آخر؟! وهذه القوة الأوروبية المشتركة، المارد الجديد الذي سيظهر قريبًا.. ما شأنه؟ إن هؤلاء الفرنجة تناسوا أحقادهم وخلافاتهم الدينية والمذهبية والعرقية والاقتصادية واللغوية وحتى الطعامية والشرابية والحياتية والتاريخية ليبحثوا في متاهات التاريخ الرهيبة السوداء التي خرجوا منها عن خيوط عنكبوت يلمون بها شملهم ويربطوا أشلاءهم.. يندر أن يجتمع قس نصراني وآخر في بيت واحد ويتفقان حتى على طبيعة المسيح.

بل يجب أن يخرجا منتوفي الذقون وسيوف النزاعات المسيحية التاريخية ما زالت تقطر ولم تجف بعد!

والعنجهية الألمانية ما زالت تجري سعيرًا في الدماء والبطر الإنجليزي والكير الفرنسي ما زالا في أوج التوقد.. ومع هذا قالوا: تعالوا نجتمع على ما اتفقنا عليه.. ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.. يريدون أن يجمعوا حبوبهم تحت قبة واحدة وبيادرهم المبعثرة في سوق واحدة ويأكلوا خبزًا أوروبيًّا واحدًا من لحم المسيح وخمرًا واحدًا من دمه.

الخارطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوروبا وأمريكا القديمة باتت تبهت ألوانها شيئًا فشيئًا وتتوهج خطوط جديدة.. خطوط الخارطة الدينية التي كانت قد قذفت في سلة المهملات العلمانية لتلعب دورها من جديد.. تركيا أوروبية ولكنها ليست من السوق؛ لأنها لا تنسجم وتلك الخارطة التي رسمها القساوسة المحدثون.. وإذا قبلت في تلك السوق فليس إلا لتكون سوق السوق لتصريف البضائع والاستهلاك الرخيص.

ترى لماذا يجمعون حبوبهم من قارات مختلفة في بيدر الكنيسة ونحن نفرق بيدرنا إلى مئة بيدر؟ ونخرج من المسجد بعيدًا عن هذه البيادر «أصلاتك تأمرك» لماذا يجعلون من الحبة قبة ونحن نجعل من القبة ألف قبة بل حتى نوزعها إلى حبوب؟ إلى متى سيظل مقص الطائفية ومقص الجغرافيا ومقص الزعامات الشخصية ومقص المكر يلعب في هذه الأمة كما يريد بعد أن كانت ﴿صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، ترى هل نعي هذه الأسواق الدينية الجديدة التي تقوم، هذه الأسواق السوقية الملامح الدينية الروائح، هل نعي البرويسترويكا -الانفتاح- الروسي على الغرب والبرويستوريكا على أرمينيا التي نكبت بالزلزال في عرين الدب الروسي، ونسوا أنه شرقي وأنه شيوعي وأنه دكتاتوري وأنه المنافس العالمي ونسوا كل قاموس الشتائم الإمبريالي؟ بينما أرسلت بريطانيا العظمى وأمريكا الأعظم طائرة واحدة على متنها كتب تبشيرية على أصح الروايات.. إلى السودان المسلم يوم نكبة الفيضان؟

وهل تكفي المشاعر الإنسانية الحارة لتبرير هذا التناقض في الأريحية والنجدة والكرم المسيحي مع أن السودان كان مستعمرة إنجليزية بل هو صنيعة إنجليزية في كيانه السياسي الحالي (بينما كان دولة واحدة مع مصر قبل الاستعمار)، فلماذا تمطر غيومهم كتبًا سوداء فوق الفيضان المسلم وتمطر خبزًا وعسلًا ولحمًا وخيامًا وذهبًا ودواء فوق الزلزال الأرميني النصراني؟ ترى هل نعي الدرس.. ونبدأ بريسترويكا إسلامية في بلاد الإسلام وتقوم خارطة إسلامية جديدة على أنقاض هذا الخلط الجغرافي العجيب وهذه الأشلاء المريضة وتختفي الكتب الأيديولوجية الكثيرة -الخضراء والحمراء والسوداء- وجميع الألوان التراجيدية المصنوعة والموضوعة.. ويظهر من جديد ذلك الكتاب «هدى للمتقين» ليقود خطانا العاثرة من جديد؟ ولكن متى.. متى يا ترى؟!

________________

- أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؛ معنى الآية.

- هنالك مصطلح روسي آخر يعني الانفتاح حبذا لو تم وضعه هنا مكان البيروستريكا هل هو «جلانويست؟».

الرابط المختصر :