العنوان براءة سيد نصير تتحول إلى مواجهة بين المسلمين واليهود
الكاتب أحمد الكاتب
تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 983
نشر في الصفحة 28
الأحد 05-يناير-1992
·
بعد تبرئة نصير ساد في مدينة نيويورك مناخ معاد للعرب والمسلمين
حيث تم مهاجمة محلاتهم وحرق سياراتهم.
·
عشرات من رسائل التهديد أرسلت إلى محامي الدفاع والمحلفين وخمس
محاولات لاغتيال نصير
جاء قرار المحلفين في قضية سيد نصير المهندس المصري المتهم بقتل الحاخام اليهودي المتطرف (مائير كاهانا) في 5 نوفمبر 1990 مفاجأة حقيقية لكل المتابعين للقضية، لاسيما سيد نصير نفسه الذي كان يشكو طوال فترة احتجازه على ذمة القضية من تحيز أجهزة الأمن والنيابة في نيويورك ضده طوال هذه الفترة.
وقد شغلت قضية مقتل كاهانا حيزًا لدى وسائل الإعلام العالمية طوال
فترة نظرها لاعتبارات عديدة؛ من أهمها أن القتيل مائير كاهانا من أبرز الشخصيات
اليهودية العنصرية المتعصبة ضد العرب والمسلمين، أما المتهم بالقتل فهو شاب مصري
مسلم معروف بتوجهه الإسلامي، وبالتالي فإن القضية خرجت من إطار كونها قضية قتل إلى
قضية صراع بين اليهود والمسلمين في نيويورك، فاليهود سرعان ما شكلوا لجانًا
واستقطبوا بعض المتعصبين واستخدموا وسائل الإعلام الأمريكية والغربية للتأثير على
القضية ومجراها، لاسيما وأن مدينة نيويورك التي كان أحد فنادقها هو مسرح الحادث
تعد معقلًا لليهود في أميركا.
أما المسلمون في أمريكا فقد شكلوا لجنة للدفاع عن سيد نصير واختير أحد
الشباب الإسلاميين ويدعى إبراهيم الجبروني ليكون رئيس اللجنة وهو قريب لنصير، وقد
قام بحملة من أجل جمع التبرعات لنصير من أجل الإنفاق على مصاريف القضية ومتطلبات
الدفاع، وهي مصاريف باهظة على حد تعبيره، إلا أن التجاوب معه اقتصر على التبرعات
الفردية وبعض جمعيات المساجد، ونفى الجبروني مرارًا تلقي لجنة الدفاع عن نصير أي
مساعدات من منظمات عربية أو فلسطينية أو جهات رسمية؛ وبالتالي فإن جوانب الصراع
منذ البداية تفوق اليهود فيها بالإمكانات على المسلمين.
مخاوف من أجهزة الولاية
كانت هناك مخاوف إضافية من أجهزة الحكم المختلفة في ولاية نيويورك حيث
يتركز اليهود في معظمها، وفي اتصال هاتفي مع نصير قبيل الجلسة الأخيرة أكد لنا عمق
النفوذ اليهودي حتى في تشكيل هيئة المحلفين التي نظرت القضية؛ فرئيس المحكمة
العليا في نيويورك روبير ماك كوين يهودي الأصل وهو الذي قرر تعيين القاضي والفين
شليسنجر، كقاضٍ في قضية نصير وهو يهودي أيضًا، كما أن النائب العام روبير مورفان
يهودي، وكذلك أيضًا مساعديه من اليهود، وهذا ما جعل نصير وطاقم الدفاع عنه يشككون
دائمًا في نزاهة المحكمة ويتوقعون أن مجموع التهم التي ألصقت به بما فيها التهمة
الرئيسية المتعلقة بقتل كاهانا سوف تنسب إليه، إلا أن أدلة البراءة ربما كانت أقوى
من الضغط اليهودي.
أدلة براءة نصير
كانت هناك أدلة كثيرة تثبت براءة سيد نصير من مقتل كاهانا وأنه قد
استدرج لمكان الحادث لإلصاق التهمة به، وكان من أهم هذه الأدلة أكثر من خمسين
شاهدًا استمعت إليهم هيئة المحلفين أكدوا أنهم لم يروا نصير يطلق الرصاص باتجاه
كاهانا، وإنما رأوا مسدسًا في يد نصير بعد إطلاق الرصاص على كاهانا؛ ثبت بعد ذلك
أن عياره يخالف عيار المسدس الذي قتل كاهانا بواسطته، كذلك قدم الدفاع رسالة يتوقع
أن تكون من القاتل المجهول يقول فيها: إن كاهانا قد قتل على يد قاتل محترف وإن
نصير بريء.
وهناك أدلة أخرى قدمها الدفاع منها إزالة آثار الدماء من القاعة التي
أطلق فيها الرصاص على كاهانا قبيل قدوم النيابة لرفع الآثار والبصمات، كما أن أحد
الشخصيات المجهولة قد ركب سيارة الإسعاف التي نقلت كاهانا إلى المستشفى مدعيًا أنه
طبيب، ويقال إن هذا الشخص الذي اختفى فور وصول سيارة الإسعاف إلى المستشفى ولم ير
له أثر حتى الآن هو الذي أجهز على كاهانا داخل سيارة الإسعاف وقبيل وصوله إلى
المستشفى.
وهناك دليل آخر قدمه الدفاع يثبت من خلاله أن القاتل يهودي ومن داخل
منظمة كاهانا نفسها حيث أثبت الدفاع وجود اختلاسات مالية ومشكلات داخلية بين
كاهانا وبعض المتطرفين داخل منظمته، اتهموه فيها باختلاس هذه الأموال، وكانوا على
خلاف شديد معه قبيل اغتياله.
ردود الفعل
اتسمت ردود فعل اليهود بعد تبرئة نصير من تهمة اغتيال كاهانا واتهامه
بتهم أخرى أقل خطورة من المقرر أن يتم نظرها في 29 من يناير الجاري بالحدة، فقد
هتفوا داخل قاعة المحكمة بالموت لنصير، كما هدد نجل كاهانا بالموت علنًا لنصير،
وقال في بيان وزعه في القدس عقب صدور الحكم: نتعهد ألا يعيش نصير دون خوف إلى
اليوم الأخير من حياته حتى تتمكن منه العدالة ويحل عليه الانتقام.
وقال الناطق باسم حركة كاخ العنصرية اليهودية المعادية للعرب باروخ
مارزيل: «لقد أثبت هذا الحكم مجددًا عدم وجود عدالة في الولايات المتحدة ومازلنا
نطالب باحترام القانون ولكن سيكون في أي حال يهود ينتفضون ليستقيم الحق ويتم
الانتقام لدم مائير كاهانا».
وفي نفس الوقت ساد مدينة نيويورك مناخ معادٍ للعرب والمسلمين حيث تم
الاعتداء على منازلهم وحرق سياراتهم وشنت الصحف المحلية الصهيونية حملة شديدة على
نصير مؤكدة أنه قاتل كاهانا.
أما على صعيد المسلمين فقد اهتزت قاعة المحكمة في نيويورك بالتكبير
فور سماع الحكم ووصف نصير صدور الحكم بأنه كان مفاجأة سارة، كذلك أعرب محامو
الدفاع عن سعادتهم لصدور هذا الحكم، كما عبر الجميع عن أملهم في تبرئة نصير من
التهم الأخرى التي تتعلق بإحرازه سلاحًا دون ترخيص وأنه أشهر سلاحه في وجه سائق
تاكسي لنقله من مكان الحادث، كما أنه جرح رجلاً في السبعين من عمره حاول اعتراضه
أثناء فراره، ويستعد الدفاع لتفنيد هذه الاتهامات التي يصل مجموع الأحكام فيها ما
بين خمسة أعوام إلى خمسة عشر عامًا، ومن المقرر أن يبدأ نظر القضية في التاسع
والعشرين من يناير الجاري.
مخاوف مستقبلية
مازال اليهود يعتبرون القضية لم تنته ويصرون هم على القصاص من سيد
نصير، وقد أرسلت عشرات التهديدات بالقتل إليه كما حاولوا قتله خمس مرات خلال فترة
اعتقاله في سجنه، وكذلك شنوا حملات بالتهديد ضد هيئة الدفاع والمحلفين، وأكدوا
أنهم سوف يقتصون من نصير وذلك رغم تأكيدات كثيرة مستقلة بأن كاهانا قد قتل بواسطة
متطرفين من داخل منظمته.
وعلى أي الأحوال فإن سيد نصير سيكون في مأزق حقيقي خلال الفترة
القادمة سواء من ناحية مخاوفه من أن يتم اغتياله بواسطة رابطة الدفاع اليهودية
المتطرفة، أو أن يتم التأثير على القاضي بحيث يصدر عليه حكمًا من خلال التهم
الأخرى الموجهة ضده والتي من المقرر النظر فيها في التاسع والعشرين من يناير
الجاري؛ ليظل نصير أكثر تهديدًا وعرضة للخطر داخل السجن، وعليه فإن بقاء سيد نصير
في الولايات المتحدة يعتبر خطرًا عليه وعلى حياته، وإذا كان لم يجد النصرة الكافية
التي كان يأملها طوال فترة محاكمته فليس أقل من أن يجد من يساعده ليعيش مع أسرته
حياة أكثر أمنًا بعيدًا عن أيدي اليهود.