العنوان طرائق الدعوة
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989
مشاهدات 74
نشر في العدد 909
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 21-مارس-1989
مما لا يحتاج إلى بيان أن اليقظة الإسلامية قد دبت في كل مكان والذين نفروا لخدمة هذا الدين كثيرون منهم من آثر أن يعمل منفردًا، ومنهم من فضل العمل في ظل تكتل معين من أوعية النشاط الإسلامي الكثيرة جماعات منظمة كانت أو مؤسسات خيرية شعبية أو حكومية، والذين يعملون بصورة فردية لا يحصيهم ولا يحصى طرائقهم في العمل عد، والذين يعملون كتكتلات متعددون كثيرون، فكل عامل للإسلام له قناعاته الخاصة ويرى في منهجه الكمال، وقد يظن أن جميع العاملين غيره مخطئون، وقد يتمادى فيتصور أنهم ضالون، وكلهم على خير لأن طرائقهم تلتقي كلها في المبدأ والغاية:
مبدؤها من الكتاب والسنة، وغايتها رد هذه الأمة إلى دينها، ولكن تباينت الوسائل، وتعددت الطرق. فكل داع يختار لدعوته طريقًا، يصل مبدؤها لغايتها، تجتمع على اختلافها في شوارع كبرى وتتفرع عنها جواد وسبل (۱).
فمنها طريق الدعوة إلى الله بإصلاح الملك أو الحاكم، يجعله الداعي قصده، ويبلغ في إصلاحه جهده، كما فعل «السرهندي» في الهند حين رأى الإمبراطور أكبر، يكفر ويحمل الناس على الكفر، ويحاول أن يمحو الإسلام من تلك البلاد ومن نفوس أهلها، وكان الجيش معه، والزعماء يؤازرونه، والحكم له، والمال تحت يده، والشعب عاجزًا ضعيفًا لا يستطيع أن يأمره بمعروف ولا ينهاه عن منكر فجعل يتصل بأسرته وحاشيته لعله يستخلص واحدًا منهم للإسلام، وماذا يعمل هو وتلامذته، حتى أخرج الله تعالى من صلب هذا الحاكم المرتد الكافر، ملكًا من أفضل ملوك الإسلام، ومن أعدلهم وأنقاهم، وأشدهم حزمًا وأكثرهم صلاحًا وهو «الملك عالم كير أورانك زیب» صاحب الفتاوى الهندية «العالمكيرية».
وهذا الطريق قصير المدى، عاجل النفع، سريع الثمرة، ولكن ثمرته تبقى ما بقي هذا الحاكم الصالح، فإن زال زالت.
وقد حدث هذا بالفعل قبل قرون حينما امتحن الإمام أحمد على يد المأمون والمعتصم والواثق ثم نصر الحق وظهرت السنة على يد المتوكل.
ومنها طريق الدعوة الشعبية التي يحميها الحاكم، ويؤيدها بسلطانه و يرد عنها الأذى بسيفه كما فعل المجدد محمد بن عبد الوهاب في نجد، حين وجه دعوته إلى الشعب وحماها ونصرها الحاكم محمد بن سعود فضمن لها النصر والاستمرار.
ومنها طريق الدعوة الشعبية التي تحميها الثورة المسلحة كما فعل أحمد بن عرفان الشهيد في الهند، حين جند أتباعه وحمل أمامهم راية الجهاد وأقام دولة تحكم بالكتاب والسنة شمال الهند أوشكت أن تعيدها كلها للإسلام، فأثار الإنجليز بمكرهم عليها رجال القبائل القوية المسلحة فقضوا على دولتهم المسلمة من جهلهم بأيديهم بدلًا من الانتصار لها!
وكما فعلت السنوسية والشيخ عمر المختار في برقة وطرابلس وعز الدين القسام في فلسطين الذي استحيا من الله أن يقرئ تلاميذه أحكام الجهاد وأن يكون فرضًا على المسلمين جميعًا إذا احتل العدو الكافر أرضًا إسلامية، ثم يذهب إلى داره يأكل الرز واللحم، ويشرب الشاي، وينام مطمئنًا إلا أنه قام بكل ما يوجبه الإسلام على الرجل المسلم، بل باشر الجهاد معهم بعد أن تدرب مع تلاميذه حتى سقط شهيدًا وخلف أثرًا لا تمحوه الأيام فهو أول من سن لنا في فلسطين طريق الجهاد.
وهكذا يفعل المجاهدون في أفغانستان منذ عشر سنوات فنصرهم الله ومكن لهم في الأرض. ومنها:
الدعوة ببث الأفكار وعرض الحقائق على أفراد الناس في المجالس والمجامع والطرق وفي كل مكان بالأسلوب المناسب، والتعبير الموافق لما تقتضيه الحال من غير جدل أو اشتباك مع مخالف كما فعل جمال الدين الأفغاني، وطاهر الجزائري ومحمد إقبال ومالك بن نبي.
ومنها: الدعوة إلى الله، بالتعليم وتأليف الكتب العلمية ونشر القديم النافع منها كما فعل ولي الله الدهلوي في الهند، ومحمد عبده ورشيد رضا في مصر، وعبد الحميد بن باديس في الجزائر.
ومنها: الدعوة عن طريق الصحف والمجلات والمقالات والبحوث كما فعل محب الدين الخطيب في مصر صاحب المطبعة والمكتبة السلفية في مجلة الفتح، وكما فعل كاتب الإسلام الأول شکیب أرسلان وأحمد تيمور باشا، ومحمد نصيف، وعبد العزيز الميمني.
ومنها الدعوة وتبليغ الإسلام عن طريق السياحة في البلاد كما تفعل جماعات التبليغ يبذلون من أوقاتهم ساعة في الأسبوع، أو يومًا في الشهر، أو شهرًا في السنة أو أربعة أشهر في العمر، لا يسألون المعونة من أحد ويبلغون الدعوة في أقاصي الأرض بين عامة الناس.
ومنها الدعوة إلى تصحيح عقائد الناس وأعمالهم وتنقية الفكر الإسلامي مما علق به من شوائب التصوف الانهزامي وأفعاله الشنيعة كالتوسل المحظور والطواف حول القبور، أو شطحات الفلسفة وعلم الكلام، مع العناية بالحديث الشريف وإحياء الفكر السلفي الاتباعي مثل سلفية ابن تيمية وابن القيم والقاسمي وبهجة البيطار وأحمد شاكر.
ومنها الدعوة إلى إحياء لغة القرآن، وإشاعة العربية كجهود مصطفى صادق الرافعي ومحمود شاكر ومنها الدعوة عن طريق المؤسسات وتوظيف الطاقات الصالحة للعمل الخيري العام لخدمة الإسلام بالتعليم والعلاج وإطعام الفقراء والإغاثة في النكبات كالهيئات والروابط العالمية.
ومنها الانضواء تحت لواء الحركات الإسلامية الواسعة الشاملة «التربية والعلم والجهاد» مثل الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في القارة الهندية والحركة الإسلامية في تركيا وغيرها.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.(سورة البقرة:148)
(١) انظر المسلمون العدد العاشر سنة ١٣٧٥هـ لعلي الطنطاوي.