العنوان ضرورة صناعة المرجعية
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1550
نشر في الصفحة 35
السبت 10-مايو-2003
الوحدة أصل ثابت في منظومة القيم الإسلامية، حتى أن بنية العقيدة والشريعة في الإسلام مؤسسة على الواحدية، فالإله واحد، والنبي واحد، والكتاب المقدس واحد، والقبلة واحدة، ومعظم المفاهيم المتداولة في فضاء الفكر الإسلامي تصدر عن روح جماعية، وشبكة العمل العام بقاعدتها العريضة تتمحور حول نقطة المركز «الإمام».
وبطبيعة الحال، حتى تشارك الأمة في صناعة القرار، يتداخل مع قاعدة الإمامة في المراكز آلية ثابتة؛ لاستخلاص الرأي الموحد المنبثق عن إطار عقلي بشري متزن، مستند إلى قواعد شرعية ثابتة بعيدًا عن الرغبات والأهواء الفردية وحتى الجماعية، وتعبر عن ذلك مؤسسة الشورى ببنيتها الإسلامية الخاصة، وبأهم دوائرها المسماة في الفكر الإسلامي بـ «أهل الحل والعقد».
ولا يعني بالضرورة أن يكون العقل المسلم في ضوء ذلك جمعيًا بالكلية، وتختفي في تركيبته مساحة التعددية، بل على العكس هناك هوامش واسعة للتعددية، ويؤيد ذلك المساحة الواسعة التي تتمدد عليها النصوص ظنية الدلالة، التي تحتاج لإعمال العقل لاستنتاج الأحكام بالأداة العقلية البشرية، ومع ذلك فإن هوية الأمة في تكويناتها الأساسية دينيًا وتاريخيًا، تميل نحو الإطار الجماعي في العمل بتنويعاته المختلفة اجتماعيًا وسياسيًا، ومن باب أولى على صعيد شعائري، ولا ضير في ذلك فلكل أمة شخصية متميزة، وهذه الخاصية سمة من تكوينات شخصية أمتنا الإسلامية.
لم تشهد الأمة تبعثرًا وتشرذمًا في كيانها وحتى في مكونات هويتها، حالة مماثلة للوضع الراهن، امتدادًا من سقوط الخلافة العثمانية منذ بدايات القرن الماضي، وحتى وقتنا الحاضر، والسبب أن القوى الاستعمارية أدركت سر قوة الأمة، فعملت منذ عهود مبكرة على تفتيت مكونات هذا السر. وتعتبر اتفاقية سايكس بيكو، عام ١٩١٦م الضربة الأولى التي جسدت هذه الجهود الطامحة لتفتيت وحدة الأمة آنذاك، وعلى إثرها انشطر جسم الخلافة العثمانية إلى دويلات إقليمية، حملت مشروعًا تحت عنوان الدولة الوطنية، متأثرة بالفكر القومي الأوروبي الذي انتشر بشكل واسع آنذاك.
وعلى امتداد القرن الماضي، وحتى وقتنا الراهن أوصلنا المشروع الوطني إلى حالة غير مسبوقة في التاريخ الإسلامي، انشطرت في مداها الزمني جغرافية الوطن الإسلامي الكبير إلى كيانات متنافرة، وتآكلت خلالها مكونات الهوية، وأصبحت الأمة بلا مشروع جمعي وبلا هوية واضحة الملامح، وترافق مع ذلك زراعة الجسم السرطاني الصهيوني في بقعة من أقدس البقاع الجغرافية للأمة.
خلال تلك الفترة الزمنية التي مازالت مستمرة بامتداداتها، قامت بعض الجهود لملء الفراغ الناتج عن غياب المرجعية العامة للأمة وتنوعت خلفيات تلك المحاولات، فمنها ما انبثق من أساس قومي، وبعضها بني على قاعدة إسلامية، وتجسيد هاتين المحاولتين يتمثل بجامعة الدول العربية التي حاولت أن تبني نظامًا عربيًا إقليميًا يوفر حد القاسم المشترك، الذي من خلاله يمكن أن يتولد الحلم العربي جنينًا ينمو ويتطور مع الزمن، من خلال آليات العمل العربي المشترك، إلا أن السيرة الذاتية للجامعة أعطت نتيجة معاكسة ولم توفر أية إرهاصات لميلاد هذا الحلم، ونتيجة محصلة جهود هذه المنظمة الإقليمية تتفق معظم الجماهير العربية على أنها صفرية، وفي اتجاه مواز عملت منظمة المؤتمر الإسلامي في إطار شكلي مختلف إلا أنها توصلت للنتيجة نفسها.
والمراقب المسلم للحالة العامة للأمة في هذه اللحظة التاريخية تصدمه حالة السيولة الرهيبة التي تنتاب المنطقة العربية والإسلامية، وهو ما يسمى في الأدبيات السياسية الغربية بالفراغ الأمني والسياسي، الذي تعاني منه المنطق ويجري حاليًا استغلاله من قبل القوى الغربية، ويجري بوتائر عالية استثمارًا للفرصة السانحة لهم.
وإزاء هذا الفراغ الخطير ينبغي لنخب الأمة بكافة قواها وتخصصاتها، أن تتجه بشكل جاد وسريع لإنتاج مرجعية من نوع ما لملء هذا الفراغ، لأنه في حال توفير مرجعية قوية سينتج منه مع السياق الزمني توحيد أو تناغم في لغة الخطاب الفكري والثقافي للأمة، تمهيدًا لإنتاج مشروع ثقافي إسلامي موحد أو متناغم، وما يستتبع ذلك من توحد للخطاب السياسي الذي يصدر عنه قرار الأمة.
والخطاب موجه للنخب الدينية والثقافية وغيرها، وليس للمستوى الرسمي لاعتبارات كثيرة أظنها مدركة، ولا تحتاج لعناء تفسير: أهمها أن أكثر القوى الرسمية في الوقت الراهن مرتهنة أو مقيدة بموازنات سياسية إقليمية واستراتيجية تعتبرها ضرورات لا يمكنها الانفكاك منها.
وقبل أيام مضت قرأت في الشبكة العنكبوتية خبرًا يفيد بنشوء كيان جديد باسم الحملة العالمية لمقاومة العدوان، وهي حملة شعبية تطوعية سلمية مستقلة، والمشاركة فيها كما يتحدث بيانها الأول مفتوحة لجميع أبناء الأمة، وقد وقع على بيانها الأول ٢٢٥ عالمًا وداعية وسياسيًا، وأمل كما يأمل كل مسلم أن تكون هذه الحملة نواة ينبني عليها أو من خلالها جسم المرجعية العامة المبتغاة التي تطمح إليها الأمة.