; المجتمع التربوي (العدد 1409) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1409)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1409

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 18-يوليو-2000

الوحي.. من تكليم الرسول إلى الإيحاء بالجوارح

وحي الله تعالى إلى الأرض يوم الحساب العظيم يكشف ما وقع من أفعال جميع البشر

الوحي في اللغة هو الإعلام في خفاء، كما قال ابن منظور، ولذلك صار الإلهام وحيًا.

وفي الشرع: قال الأنباري إنه سمي وحيًا لأن الملك أسره عن الخلق، وخص به النبي الذي بعثه الله إليهم وهو إلقاء الكلام أو المعنى في نفس الرسول بخفاء وسرعة، ويأتي الوحي على خمس صور:

 الأولى: الإلقاء في روع النبي، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الروح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب».

الثانية: تكليم الله بدون واسطة كما كلم الله موسى تكليمًا.  

الثالثة: الرؤيا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (سورة الصافات: 102). 

الرابعة: الوحي بواسطة ملك وهو جبريل -عليه السلام- وقد يكون غير ذلك في أحوال قليلة. 

الخامسة: يكون الوحي بالإيحاء بالجوارح وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في جوابه للحارث بقوله: «أحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول».

وكان جبريل يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وكان دحية يُضرب به المثل في حسن الصورة.

لقد كان الوحي يأتي للرسول مرة في صورة ملائكية، وفي هذه الحالة تعتري الرسول الكريم شدة منشؤها تقريب الطبيعة البشرية إلى ملاءمة الطبيعة الملائكية، ومرة يأتيه الوحي بواسطة جبريل -عليه السلام- على شكل رجل يراه جلساء الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمعونه.

تقول كتب التفسير: إن أول وحي نزل على القلم، ففي الحديث عنه صلي الله عليه وسلم: «إن أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما يكون -أو ما هو كائن- من عمل أو رزق أو أثر أو أجل فكتب ذلك إلى يوم القيامة، وذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (سورة القلم: 1)، ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ثم خلق العقل وقال: «وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولا نقصنك فيمن أبغضت».

لم يقتصر الوحي على الأنبياء والرسل، فقد أوحى الله تعالى إلى الجن وأوحى إلى أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (سورة القصص: 7) كما أوحى الله إلى الحواريين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (سورة المائدة: 111). 

وأوحى إلى النحل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (سورة النحل: 68). 

ثم انقطع الوحي بوفاة الرسول صلي الله عليه وسلم وأحزن ذلك أبا بكر وعمر حينما زارا أم أيمن فبكت فقالا لها: «ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله»، فقالت: والله ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ولكن أبكي لأن الوحي انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان (رواه مسلم). 

لقد أخبرنا الله تعالى في محكم التنزيل أنه سوف يوحي إلى الأرض يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا  وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (سورة الزلزلة: 1-8). 

إننا نفهم من هذه السورة العظيمة أن الله تعالى سيوحي للأرض، ويأمرها بأن تخرج ما في طنها من أموات ومعادن فيستنكر الإنسان ما يحدث لها بعد أن كانت ساكنة فيقول الإنسان: ما لها يومئذ تحدث بما فعله الفاعلون على ظهرها يكون موقف الحساب العظيم الذي يرجع بعده الناس أصنافًا وأنواعًا، فيُساق أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة.

وحينذاك تبدأ حياة الخلود.

                                                                        أحمد علي الأحمد

محمد.. رجل في العاشرة 

في هذه السنين الطويلة العجاف التي نحياها، يجد المرء نفسه عاجزًا وهو يصارع أمواج الوهن والمهانة- عن تذكر ما يبعث الرضا في النفس أو الأمل في الروح، أو ما يسترد الأحلام من منافيها البعيدة، إلا ما يجيء من مبشرات ووعود بشرت، ووعدت بها هذه الأمة على لسان رسولها الكريم صلي الله عليه وسلم الذي قال -كما جاء في الحديث- «الخير في أمتي إلى أن تقوم الساعة».

ينهض بارق من هنا وشعاع من هناك يطلان كما يطل الغريب -وطوبى للغرباء- فيكشفان لنا مساحة ما خسرناه، وتخوم ما فقدناه في رحلة التيه الطويلة.

 من وسط الظلمة ينبثق النور، بُشريات تزفها إلينا شموع تتوقد في أرجاء الأرض لشبان من الطراز الأول باعوا الدنيا، واشتروا الآخرة، وفتيات عزلاوات إلا من إيمانهن يتحدين في معارك غير متكافئة أشرس آلات الإلحاد ليحافظن على رمز انتمائهن وعفافهن.

بالأمس «أطفال» أبطال الحجارة، واليوم بطل آخر، صغير مثلهم بأرض غير بعيدة عن الأرض التي أزهرت بها حجارتهم، في موقف غير بعيد عن موقفهم شجاعة وجسارة عانى في لحظة ما لا يعانيه الكبار في كل حياتهم في لحظة يشيب لهولها أصلب الرجال كبر الصغير ابن العاشرة، تعملق قبل غروب الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر من عام ١٤٢٠هـ استطال حتى تخطى جيل الأحزان ليتألق في صورة من أروع الصور التي تمثل قمة لا تضاهى من قمم الصبر والإيمان، وتعالى على جراحه بجرأة نادرة في زمن كتب فيه على هذه الأمة أن تتعلم من صغارها. 

ذلكم «الطفل» الرجل هو «محمد بن هيكل» من آل المعجل في الذؤابة من «الأشاجعة» وهم فرع لقبيلة «عنزة» ذات التاريخ المشرف الطويل. 

حادث مروِّع

روى لي الرواة أن فتى الفتيان «محمدًا» عاد مع أسرته من الأردن إلى بلادهم المملكة العربية السعودية، وقبل وصولهم إلى «تبوك» إذ بالسيارة التي تقلهم تتعرض لحادث مروع، يصحو محمد من الصدمة ليجد نفسه وأفراد أسرته بين صريع، وجريح يتحامل على جراحه وآلام الكسور المبرحة ليتفقد أهله يجد أعز الناس إليه -أمه وأباه- في استقبال الزائر الذي سيزور الناس جميعًا، في لحظة لا توصف -قبل رحيلهما- إلى الرفيق الأعلى. 

يقف محمد لا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلًا، عامرًا قلبه بالإيمان، طافحًا بالثقة بوعد الله، يدنو من الحبيبين لا لينتحب أو ينوح، بل ليذكرهما بأداء الشهادة: «تشهد يا أبي» ... «تشهدي يا أمي».

لقنهما ابن العاشرة الشهادة، وتأتيه: «أشهد ألا إله لا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله».

يطمئن قلب الفتى، ويتفرغ للعناية بأشقائه وشقيقاته، فيشهد رحيل سنة من أشقائه وشقيقاته، أي ابتلاء وأي صبر؟! يشمخ محمد إيمانه وصبره في عصر خارت فيه العزائم، ضعفت فيه النفوس، فيعمد في تلك اللحظة التي ذهل لها حلماء الرجال إلى جمع ما تناثر في أنحاء المكان من أوراق، وجوازات سفر، بوعي نادر، رباطة جأش لا مثيل لها، واحتساب مدهش فريد.

 عبق من الماضي المجيد لهذه الأمة ينشره هذا لفتى في أفاقنا وينثره في أرضنا بإيمانه وصلابته شموخه، فلا ندري بمن نشيد بالفتى الصابر المحتسب أم بالبيت الذي ربى هذا الشبل، أم المدرسة العظيمة، مدرسة الإيمان والصبر، والاحتساب التي ما انفكت تخرج لهذه الأمة من يضيء لها الدرب كلما حل الظلام.

اللهم ثبت محمدًا ومن بقي من أفراد أسرته على الإيمان وأفرغ عليهم من رحمتك ما يغسل الأحزان واجزهم بما تجزي به عبادك الصابرين.

أحمد ملحم الجرباء - الرياض

اكتحال القلوب.. بمعاني الوفاء

اذكر جميل أخيك عليك.. مهما صغر أو ساءت الظروف

رحيق الحب يملأ صدور المتحابين في الله تعالى، ويظل منغرسًا في أعماق القلوب شريطة أن يعطيه حقه من عرفه حق المعرفة، ويمشي في ركابه إن هو استطاع أن يحمل أمانة الوفاء الخالد الذي لن يحمل أثقاله إلا من سار في طور الحياة الساكنة الهادئة المليئة بمثوى الذكريات التي تعاد على المسامع بين فترة وأخرى.

جاء رجل من بني سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما».

 إنه الوفاء الإسلامي الموصل إلى إكرام الصداقة أو بمعنى أخص: إكرام مضامين الأخوة الإسلامية التي تجمع القلوب المتحابة والمتآلفة في الله تعالى ذلك الوفاء المتمثل في صورة واضحة المعالم تكشف عن عمق المحبة التي تجمع بين الأخ وصاحب الوفاء النبيل. 

قد يستغرب البعض لماذا يحتاج المؤمن للاكتحال بومضات الوفاء الطاهرة؟

لأنه عندما يتوثب المؤمن لأخيه فيرتبط به الارتباط الأخوي الرفيع ينقله ذلك إلى مراتب الطهر والإيمان المتعمق في النفوس، وهنا -بلا أدنى شك- سيحتاج إلى ذرات الوفاء التي تذكر بسلسلة مترابطة من المواقف الحياتية الأخوية الرصينة التي استطاعت أخوة الدين أن تخطها بأناملها الرقيقة، فالوفاء هو الموصل لاستمرار الأخوة بالثوابت نفسها التي تم غرسها وبالمنهاج نفسه الذي تم السير عليه، أما إن غاب الوفاء وذهبت علاماته مع أدراج الرياح، أو وضع في طي النسيان، فلا أعتقد أن هذه الأخوة ستستمر في العطاء، أو ستستمر العلاقات في الإنتاج الدعوي ما دامت لا تحمل بين جنبيها دلائل الوفاء، وما دام الأخ لا يحمل الوفاء في قلبه، بل تنزلق نفسه لطعن صاحب الجميل في ظهره!.

كن وفيًّا: إن الإنسان في هذه الحياة يحتاج أشد الحاجة إلى من يبره، ويعطيه حقه، ويفي بوعوده، ذلك أنه جبل على حب الخير، وحاجة روحه إلى مستلزمات القوت الإيماني الذي لن يأتي بدون مقتضيات المحبة والأخوة في الله تعالى، وبالتالي فإنه يحز في النفس عندما ترى من يضرب جميل زمان مضى بجدران الحياة القاسية، فلا يلتفت لخير مضى على يد أحباب له في الله، بل نسي أو تناسى ذلك الخير، ومشى في طريقه بعد أن حقق ما يتمناه، فلم يعد بحاجة لتلك اليد الحانية التي مدت له لتعطيه خيرًا استحقه أو تصف له الدواء الناجع في حياة البشر، أو ترشده للمواطن السعيدة الخالية في تفاهات العيش.. تلك اليد التي كانت تفجر في نفسه ينابيع الخير، وتشد من أزره، وتدفعه لبذل المزيد من الخير وسط إطار مشاعل الهدى، وتحقيق النجاح الشخصي في أطوار العمل الدعوي.. إنه لم يعد يأبه بكل ذلك فلم يعد دقيق الملامح، بل اعتراه عارض من عوارض الدهر، وأصبح يبتسم ويسير دون أن يلتفت لصرخات التوجيه والإرشاد، بل غاص في أغوار نفسه زاعمًا أنه حقق ذاته!

 هيهات.. لن يحقق ذاته ما دامت ذرات الوفاء ماتت في قلبه، وما دامت شخصيته سارت في منحى تحقيق الرغبات الشخصية بعيدًا عن الارتباطات الأخوية الأخرى التي قد تعيده بحالة أو بأخرى إلى حوزة الوفاء.

نحن بحاجة ماسة لذكر جميل من كانت له بصمات مؤثرة على نفوسنا، وبخاصة في إطار الأخوة الربانية في الله التي لا تقبل بأي حالة من الأحوال أن تهد أركانها، أو تخدش من خلال تصرفات أو كلمات غير عاقلة تنطلق من بعض الأفواه.

نحن بحاجة لرد الجميل والوفاء لتلك القلوب والأيادي الحانية لأنها هي التي سنسير معها حتى الرمق الأخير من حياتنا، وهي التي ستعطينا المزيد من الجرعات الإيمانية ما دمنا نتذوق معها حلاوة الوفاء ونتمثل معها معانيه العطرة.

الوفاء كلمة لن نستطيع أن نوفيها حقها، والأمر عقب ذلك يجب أن يعالج مرات ومرات في إطار القلوب الغافلة.

جعلنا الله وإياكم من الموفين لإخوانهم إن شاء الله.

بدر علي قمبر- البحرين

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 244

100

الثلاثاء 08-أبريل-1975

حراس العقيدة وحماة الإسلام

نشر في العدد 323

92

الثلاثاء 02-نوفمبر-1976

بريد القراء (323)

نشر في العدد 359

99

الثلاثاء 19-يوليو-1977

الأسرة (359)