العنوان لماذا وفي هذا الوقت يتحرك الحسن الثاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1974
مشاهدات 86
نشر في العدد 217
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-سبتمبر-1974
بينما تظهر على سطح الأحداث..
دراسة عن الصحراء المغربية
في شهر أيار الماضي تحدث الحسن الثاني ملك المغرب عن الصحراء التي تحتلها إسبانيا فقال يبدو أنه علينا أن ننتقل إلى مرحلة جديدة في معالجة قضية الصحراء.
ففي السنوات الماضية حرصنا على حل المشكلة بالطرق السلمية، ولكن أحدًا لم يتجاوب معنا من المسؤولين الأسبان.
وقبل الكلام عن هذا الموضوع لا بد لنا من إلقاء نظرة قريبة على مسرح الأحداث، فنعرف: أولًا ما هي الأراضي التي ما زالت بيد إسبانيا وثانيًا، لماذا يطالب الملك بالصحراء دون غيرها من أراضي المغرب.. وثالثًا، لماذا في هذا الوقت بالذات وقد كانت مطلبًا شعبيًا منذ زمن طويل..
الأراضي المغربية التي ما زالت بيد إسبانيا:
أولًا- في الجنوب: الصحراء المغربية
- الساقية الحمراء ووادي الذهب- ومساحتها ٢٦٦,٠٠٠ كيلومتر مربع، وأهم منتجاتها الفوسفات والحديد.
ثانيًا- في الشمال:
١- الجزر الجعفرية «أو جزر الزعفران، أو حجرة كبدانة» ثلاث جزر تبعد عن الشاطئ المغربي على البحر الأبيض المتوسط بأربعة كيلومترات على مقربة من مصب نهر ملوية- احتلها الأسبان سنة ١٨٤٨ في الفترة التي احتل الفرنسيون فيها الجزائر.
۲- جزيرة بادس- جزيرة في منتصف الطريق البحرية بين سبتة ومليلية، تبعد عن شاطئ البحر المتوسط بنحو ٨٥م طولها ٣٦٠م وعرضها ۱۰۰م ويقابلها على الشاطئ المغربي مدينة بادس التاريخية التي أسست في القرن الأول الهجري والتي لعبت دورًا خطيرًا في تاريخ المغرب قبل أن تندثر.
٣- جزر النكور- ثلاث جزر متقاربة بين بادس ومليلية على بعد ۱۳۰۰م من الشاطئ. طول الكبرى ١٧٥م وعرضها ٧٥م وتتخذها إسبانيا ثكنة عسكرية. أما الأخريات فتقابلهما مدينة الحسيمة على شاطئ المغرب في الأبيض المتوسط. ويقابلها الشاطئ نفسه مكان مدينة النكور، التي هي من أقدم المدن المغربية، أسسها سعيد بن إدريس في القرن الثاني الهجري وقامت بها إمارة بني صالح واتسعت عمارتها إلى أن خربها الفاطميون في الرابع الهجري.
٤- مدينة مليلية- مساحتها حوالي ١٢ كلم ٢ على شاطئ الأبيض المتوسط، احتلها الأسبان سنة ٩٠٢ هجرية. وفي سنة ١١٨٤ هجرية أعد الملك محمد بن عبد الله العلوي العدة لتحريرها فنقل أدوات القتال إلى حدودها ثم حاصرها. وفي فاتح محرم ۱۱۸٥ هجرية، هاجمها الجيش المغربي، ولكن ملك الأسبان أرسل إليه يلومه على خرقه معاهدة الصلح المعقودة بين الملكين، والتي وقع عليها نيابة عن السلطان العلوي كاتبه الغزال وذكره ببنود هذه الاتفاقية وكان رده أن الاتفاقية تشمل البحر لا البر، ولكن ملك الأسبان أدلى بنص الاتفاقية فوجد أنها تشمل البحر والبر وهكذا «بكل إخلاص» أوقف ملك المغرب الحرب، وأمر الجيش بالعودة. ولما كانت عملية إعادة أدوات القتال إلى مراكزها بتطوان و العويرة شاقة ومتعبة للسلطان العلوي فقد طلب ملك الأسبان أن يساعده بنقلها على الأسطول البحري الأسباني، فقام ملك الأسبان بمد المعونة!!
٥- سبتة- على شاطئ الأبيض المتوسط، مساحتها حوالي ۱۹ كيلو متر مربعًا في سنة ۸۱۸ هجرية أدخل إليها البرتغال جيشًا مدربًا و مختبئًا في صناديق البضاعة المستوردة، قام بمهاجمتها واحتلالها. دام احتلال البرتغال لها حوالي ٢٥٠ سنة، ثم تملكها منهم الأسبان سنة ١٠٨٠ هجرية بمقتضى معاهدة لشبونة «بين البرتغال وإسبانيا». وفي عهد سلطان محمد بن عبد الرحمن العلوي «١٢٧٦ه- ٨٥٩ ه»، تقدمت إسبانيا واحتلت مدينة تطوان القريبة من سبتة، ونصبت عليها أحد المتعاونين «المدعو: أبعير».
وقد قاوم المغاربة مقاومة شديدة وانتصروا على الأسبان في موقعة واد رأس. ولكن بدل أن يستفيد المغرب من انتصاره هذا، ومن ظروف إسبانيا الداخلية التي كانت مختلفة إلى أبعد الحدود بسبب قيام ثورة داخلية بها قادها الجنرال أرتيكا : بدل أن يستفيد السلطان العلوي محمد بن عبد الرحمن من هذه الظروف ويتابع تحرير بلاده، عقد معاهدة صلح مع الجنرال الأسباني اودنيل بتاريخ ۲۷ شعبان ١٢٧٦ هجرية «١٨٦٠م» ومن نصوص معاهدة الخزي هذه ما يلي: «حسب ما جاء في كتاب الاستقصاء»:
١- تسليم حدود سبتة إلى الأسبان يتصرفون فيها من دون أي تدخل من الحكومة المغربية.
٢- أن تصفى مسألة حدود مدينة مليلية نهائيا وألا يتعرض أهل الريف «وهم من أشد سكان المغرب وأقدرهم على القتال» لمليلية و لا للجزر التي تحتلها إسبانيا.
٣- أن تسلم الحكومة المغربية لإسبانيا قطعة سانتا كروز.
٤- أن تدفع الحكومة المغربية لإسبانيا عشرين مليون ريال أسباني.
٥- أن تبقى مدينة تطوان رهينة في هذا القدر من المال حتى تؤدى الحكومة المغربية نصفه. والنصف الآخر يؤخذ على أقساط من مداخيل مواني المغرب بحيث يكون لإسبانيا نصف تلك المداخيل والنصف الثاني للمغرب، ويقوم بالإشراف على ذلك موظفون أسبانيون يؤدى المغرب أجورهم إضافة إلى الدين.
٦- أن يسمح للرهبان ببناء كنيسة ودار للتبشير في فاس عاصمة المغرب العلمية والسياسية والدينية ومركز القرويين والتوجيه في شمال أفريقيا إذ ذاك-.
٧- أن يطلق سراح الأسرى.
٨- أن يعقد بين المغرب وإسبانيا اتفاق تجاري.
وبعد أن أخذ الأسبان نصف التعويض خرجوا من تطوان سنة ۱۲۷۸ هجرية، وأدى المغرب النصف الثاني من التعويض مع الفوائد وأجور الموظفين الأسبان فبلغ ما دفع:
۲۰ ملیون ریال أسباني تعويضًا. و٥ ملايين ريال أسباني فوائد وأجور الموظفين.
ومن هذا العرض السريع نتبين أن المعاهدات التي وقعها الحكام المغاربة بشأن سبتة ومليلية هي التي تمنعه من فتح صفحتها خشية من فضح الصفحات المطلوبة والمعاهدات الموقعة بين إسبانيا والحكام المغاربة
أما لماذا وفي هذا الوقت بالذات يتحرك الملك الحسن.. ؟
فلذلك أسباب نجملها فيما يلي:
١- الجيش الذي عاد من القنيطرة في سوريا يريد الملك أن يربطه بهدف وطني محلى.. حتى لا تصبح السلطة هدفه الأقرب.
۲- يريد أن يجمع جميع القوى حوله.. خاصة وهو يواجه معارضة في الداخل وعداء من الخارج.. والأزمات الوطنية تجمع- أحيانًا- الصفوف، ولقد ظهر ذلك منذ الأيام الأولى لهذا الإعلان فقد أعلن كل من حزب الاستقلال وحزب الحركة الشعبية وحزب الحركة الشعبية الديمقراطية وحتى الحزب الشيوعي الذي غير اسمه إلى حزب التحرر والاشتراكية أعلنوا جميعًا موقفهم المؤيد للملك الحسن.
٣- هناك تحرك لإعطاء الصحراء استقلالها- وبالتالي عزلها عن المغرب-.. فتحرك لإحباط هذا المخطط بنفس القدر الذي يحبط فيه محاولة إسبانيا لإجراء استفتاء صوري مزيف لمصلحتها في الصحراء.
٤- يريد في النهاية أن يمسك الراية التي رفعها علال الفاسي طوال حياته كقائد للاستقلال.. وها هو الملك يتبنى هذا الخط في محاولة لاستقطاب جماهير حزب الاستقلال بعد تفريغه من مضمونه.. وهذه النقطة من أهم النقاط.
٥- بعد هذه الأسباب الداخلية.. بقي سبب خارجي واحد وهو اعتقاد الملك أن إسبانيا مستعدة الآن- خاصة بعد انقلاب البرتغال واستقلال مستعمراتها في أنغولا وبيساو وموزمبيق- لإعطاء الصحراء المغربية استقلالها..
الرابط المختصر :