; عودة إلى مقال سابق: العقل والقلب | مجلة المجتمع

العنوان عودة إلى مقال سابق: العقل والقلب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1979

مشاهدات 85

نشر في العدد 441

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-أبريل-1979

وردنا من قارئ -وما ورد فيه يمثل وجهة نظره- تعليق على موضوع بين الشك واليقين المنشور في العدد 437 بعنوان «العقل والقلب»:

1- كثيرًا ما نرى في كلام بعض الباحثين تفريقًا بين العقل والقلب عند بحثهم في أمور العقيدة، وخفايا النفس الإنسانية، والخاطرات وما إليها من القضايا المعنوية.

وهو أمر غير ذي بال لو اقتصر هذا التفريق بينهما على أمور عادية، أو لا تمت إلى عقيدتنا بصلة، ولكن الأمر على خلاف ذلك، فإنهم يريدون أمرًا هو في صلب عقيدة الإنسان، بل هو أساسها وعليه مرتكزها، ثم يستطردون في هذا التفريق إلى إلغاء العقل وجعله من الأمور الثانوية التي لا قيمة لها في موضوع الإيمان والإسلام وتلقي العقيدة، ويجعلون محل ذلك كله القلب، حتى إن أحدهم يرى أن بإمكان المرء أن يجمع بين متناقضين أحدهما في عقله والآخر في قلبه فيقولون: «إن ثبت في العقل وقام عنده للأدلة التي لا يستطيع نقضها أن محمدًا ليس بنبي مثلًا، ولكن القلب يرفض ذلك رفضًا باتًّا، ويعزو ذلك إلى مغالطات العقل، -وما أكثر ما يكذب العقل على المرء- واطمأن القلب أن محمدًا رسول الله فهو مؤمن».

فالحق أن لا فرق بين العقل والقلب بهذا المعنى، وإنما الفرق بينهما في الجسم وعمل الأعضاء والجوارح، وكتاب الله جل شأنه يخاطب الإنسان العاقل المفكر المتدبر صاحب القلب الواعي المنفتح من غير تفريق بين القلب والعقل. وكذلك لا نجد تفريقًا بينهما في السنة المطهرة، والأحاديث التي قد يُلمح فيها نوع من التفريق غير صحيحة، بل موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- ومن استدل على التفريق بالآية الكريمة ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ﴾ (النحل: 106) فقد جاء بأمر عجيب؛ لأن الآية قصدت أن يقول المسلم المؤمن بعقله وقلبه كلمة الكفر صراحة أو تعريضًا ليضمن السلامة، وهذا القول بلسانه لا يؤاخذ عليه فضلًا من الله ونعمة... وعكسه لو قال كلمة التوحيد حكاية عن غيره، أو غير مؤمن بها فلا تنفعه ومن هذا الباب ما يروى من قوله صلى الله عليه وسلم عن الذي قال في شعره كلمات التوحيد «آمن لسانه وكفر قلبه» ومن جعل اللسان ترجمان العقل فقط دون القلب فلا دليل له.

وكذلك من استشهد بالآية الكريمة ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24) فإنه أمر عجيب منه فالآية ذكرت التدبر والقلب. ولو أننا فرقنا بينهما لكان التدبر للعقل وهو به ألصق ويكون قوله... بعيدًا عن الصواب، بل إن التعبير في كتاب الله أو في السنة الصحيحة المطهرة عن العقل والقلب واحد.

وأنت ترى الكاتب الذي ألمحت إليه آنفًا قد استعمل آية التدبر وأراد به القلب غافلًا عن التناقض الذي وقع فيه.

وعلى من يدعي الفرق بينهما أن يأتينا بالدليل الصحيح الثابت الدال على ذلك من القرآن أو السنة المطهرة من غير تحريف أو تأويل لا تتقبله القواعد المُسلَّمة.

3- وإذا أردنا تضليل الناس بما تُكنّ صدورهم. وبما يخطر في عقولهم. أو بما تتفوه به ألسنتهم مما أباحه الشرع لهم، نكون قد أوقعناهم بالحرج الذي رفعه الله عنهم، وامتن عليهم بهذا الرفع.

4- والعقيدة الصحيحة لا تكون ثابتة في نفس الإنسان إذا لم تكن مستولية على قلبه وعقله- إن سلمنا بالفرق بينهما- وهذا أمر فطري يدركه العالم والجاهل. فالحكم العقلي، والإدراك الشعوري، والتصور الحسي، وتقوى القلوب كلها تنكر أن يكون الإسلام السهل المنسجم مع الفطرة السليمة مقرًا لهذا التسليم المعقد.

5- وليس جمع القلب والعقل بالأمر الوحيد بالإسلام، وإن كان لكل اسم شيء من الاختصاص ولكن الدلالة الإجمالية لهما معًا من غير انفكاك، ومثل ذلك الإيمان والإسلام، فلا يمكن أن يكون مسلم غير مؤمن، ولا مؤمن غير مسلم وإن استشكل بعضهم حديث جبريل عليه السلام عندما جاء يعلمنا أمر ديننا، والحق لا إشكال فيه بل هو كما تقدم من حديث القلب والعقل، وانظر إذا شئت قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب».

* * *

وكان رد صاحب موضوع الشك واليقين ما يلي:

1- ألمح تناقضًا بين الفقرتين 3 و4.

2- ما قول الكاتب في كثير من المستشرقين الذين يقيمون ألف دليل على عظمة الإسلام وقلوبهم تحمل الحقد عليه؟ هل ينفعهم عقلهم؟

وما قوله فيمن يفحم في المناقشات من المسلمين فلا يستطيع أن يقيم دليلًا على صدق ما يقول، ولا أن يرد دليلًا على تكذيبه فيما يقول ومع ذلك فإن قلبه مطمئن بالإيمان لا يتزعزع عنه؟ هل هو كافر بعجزه الفكري أم هو مؤمن باطمئنانه القلبي.

أعتقد أن إنكار وجود هذه الأصناف من الناس هو إنكار للواقع.

المحرر

الرابط المختصر :