العنوان الانتخابات الألبانية تفرز برلمان الكلاشينكوف
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997
مشاهدات 91
نشر في العدد 1259
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-يوليو-1997
- «رجب ميداني» عالم الفيزياء رئيسًا للجمهورية «وفاتوس نانو» يشكل الحكومة
«بريشا ينزل من فوق حصان السلطة، فمتى يخرج من ميدان السياسة» هكذا علقت صحافة الاشتراكيين في ألبانيا بعد فوزهم الساحق في الانتخابات التي بدأت يوم 29 يونيو ولم تظهر نتائجها النهائية في كتابة هذا التقرير، إذ تبقت هناك دائرة لم تعلن نتيجة الانتخابات فيها، وعاد الاشتراكيون بعد غياب لم يدم طويلًا وبنسبة لم يتصورها أحد لا من اليمين ولا من اليسار... الذين أطاحوا بالشيوعية بالأمس أطيح بهم اليوم على يد أحفاد الشيوعية.... دنيا!
ورغم ما يحث من تغيرات في أوروبا الشرقية التي ترى الدعم الكامل من أوروبا وأمريكا، إلا أن ألبانيا يبدو أنها لن ترى هذا الدعم وربما لأن غالبية شعبها مسلمون وإن لم يعرفوا عن الإسلام شيئًا.
فأثناء كتابة هذا التقرير صدمتنا أنباء عن مصرع العديد من الألبان في مقدونيا علاوة على إصابة العشرات واعتقال المئات من الألبان، يأتي ذلك ضمن حملة تشنها مقدونيا على الألبان التي تدعي أنهم أقلية «رغم أنهم يشكلون حوالي 40% من السكان كثاني أكبر تجمع عرقي في البلاد».
فأوروبا التي تحركت لإنقاذ الأقلية اليونانية في ألبانيا من اضطهاد مزعوم لم تسمع ولم تر ما يحدث من اضطهاد حقيقي للألبان في مقدونيا ولا في كوسوفا.
في مقال سابق عرضنا للتكتلات المتوقعة قبل انتخابات يونيو، لكن اختلافًا حدث في خريطة التوقعات، فعلى جانب الأحزاب اليمينية شكل بريشا تكتلًا سياسيًا أسماه اتحاد اليمين وكان متوقعًا أن تنضم إليه أحزاب «الجمهوري- الملكي- الجبهة الوطنية- المسيحي الديمقراطية- اتحاد الديمقراطي الاشتراكي» لكن الجمهوري والجبهة الوطنية رفضًا التحالف مع بريشا وشكلًا مع حزبين يمينيين أخرين تكتلًا أطلق عليه «اليمين المتحد».
حاول بريشا وبكل قوة أن يجمع أحزاب اليمين إلى صفه، ولكن كان واضحًا أن ضغوطًا مورست على بعضهم من أجل عدم التحالف معه، وإقناعهم بأن بريشا قد انتهى سياسيًا «ربما تكشف الأيام عن اتفاق أو صفقة تم بموجبها السماح للاشتراكيين بالعودة إلى الحكم»، وهم الذين رصوا صفوفهم -تساعدهم الأقلية اليونانية- في مواجهة بريشا الذي صرح بأنه يقبل بنتائج الانتخابات لا لأنها جاءت ببرلمان شرعي، بل «لأنها الطريق الوحيد المفروض علينا».
وقال أنصار الحزب الديمقراطي الخاسر: نعترف بهذا البرلمان من أجل مصالح الوطن العليا... لكننا نقول إنه برلمان الكلاشينكوف.
رغم هذه التكتلات إلا أن تسعة عشر حزبًا خاضوا الانتخابات على أمل الفوز، بخلاف المستقلين الذي كان لهم نصيب الأسد في هذه المعمعة الانتخابية، ولم يقتصر يوم الانتخابات على اختيار مرشحي الأحزاب، بل والاستفتاء على نظام الدولة القادم هل جمهوري أم ملكي.
اتفاقيات ما قبل الانتخابات
نعود إلى الأشهر القليلة السابقة على الانتخابات، حيث وقعت في التاسع من شهر مارس اتفاقية أعطت للأحزاب الحق في المشاركة في حكومة المصالحة الوطنية، وبالتالي أعطت لهذه الأحزاب حق الظهور بوسائل الإعلام المختلفة وحق المشاركة في صناعة القرار واتخاذه والاعتراض، ثم وقعت اتفاقية 9 مايو والتي بموجبها تم الاتفاق على حل لجان الإنقاذ «لم تحل»، وحرية الحركة، والسماح للأحزاب بعمل الدعاية في كل ألبانيا، وتعديل قانون الانتخابات بما يسمح للأحزاب الصغيرة بدخول البرلمان «من خلال تقليل النسبة من 4% إلى 2%»، وتعديل بعض بنود قانون العزل السياسي ليسمح لبعض الساسة بدخول البرلمان «استفاد من ذلك فاتوس نانو رئيس الحزب الاشتراكي وبعض الوزراء في العصر الشيوعي ومن بينهم وزير الداخلية الأسبق» كما تم الاتفاق على تحديد موعد الانتخابات «29 يونيو» وقانون الانتخابات بين الأغلبية المطلقة والنسبية ثم جاءت اتفاقية «سان إيجدنو» في 23 يونيو حيث استدعيت الأحزاب الألبانية الكبرى إلى روما وتحديدًا في هذه الجمعية الكنسية والتي يرأسها أحد المبشرين والذي له ارتباط بأعمال في ألبانيا منذ وقت طويل وتم توقيع اتفاق «سلام اجتماعي» يضمن اعتراف الأحزاب بما ستسفر عنه الانتخابات القادمة وكذلك توزيع لجان البرلمان الأقلية والأغلبية ووثيقة التعايش السلمي بين الأحزاب بعيدًا عن الثأر السياسي.
الجنوب والانتخابات
أهدت لجان الإنقاذ الفوز للاشتراكيين... هكذا علق أنصار الحزب الديمقراطي على دور الجنوب، لقد كان هدفنا الإطاحة ببريشا والمجيء بفاتوس نانو للحكم... هكذا صرح قادة التمرد في تيرانا يوم السبت 12/ 7/ 1997م بعد لقائهم بزعيم الاشتراكيين للتحدث في موضوع رد الأموال، لقد كان الجنوب رأس الحربة التي استخدمتها المعارضة للإطاحة ببريشا، فمن الجنوب بدأ التمرد ومنه انتهى بريشًا أيضًا.
لم يجرؤ واحد من أنصار أو مرشحي الحزب الديمقراطي على الدخول إلى الجنوب، بل وصل الأمر إلى احتجاز كبار مسؤولي الحزب وضربهم وعدم السماح بدخول فلورا لأي شخص كان وحتى بريشا الذي حاول زيارة فلورا، ولكنه المدينة خرجت بالسلاح عن بكرة أبيها مع سماع صوت أزيز أي طيارة تحسبًا لزيارة بريشًا.
لقد احتجز الأمين العام للحزب الديمقراطي في مدينة ساريدة وضرب طلب منه أن يشتم بريشا في الميدان العالم، كما احتجز رئيس الحزب من قبل في لوشينا وأمين الحزب للتنظيم في جيروكاسترا، كل ذلك يوضح كم الكراهية في نفوس الجنوبيين تجاه أي قادم من طرف بريشا وحزبه.
في الوقت الذي تحرك فيه أنصار الحزب الاشتراكي وحلفاؤه بحرية شمالًا وجنوبًا ولم يتعرضوا لمثل ما تعرض له الديمقراطيون، هذا بالإضافة إلى أن حزب حقوق الإنسان «الأقلية اليونانية» والذي تركز اهتمامه في الجنوب، بل وأعلن أنصاره أن الدوائر التي فيها مرشحون لحزبهم محرمة على الآخرين، ولم يخل الأمر بداية ونهاية من التنسيق مع الاشتراكيين الذي أخلوا لهم بعض الدوائر أو رشحوا أمامهم شخصيات ضعيفة.
اليونان والانتخابات
ما زال الكثيرون يعتقدون أن ما حدث في الجنوب من صنع اليونان، وقد أكدت الأحداث الأخيرة في الانتخابات صحة هذا الاعتقاد خصوصًا وأن اليونان قامت بدعم الاشتراكيين من خلال:
1- دعوة فاتوس نانو إلى اليونان ولقاء الجالية الألبانية العاملة هناك في مؤتمر جماهيري لم يخل من شتم بريشا.
2- السماح للعمال الألبان بالعودة إلى ألبانيا للتصويت في الانتخابات مع وضع شروط وضوابط من أهمها التصويت للاشتراكيين والأقلية، ونظير ذلك فالذهاب والعودة مجانًا وضمان العمل بعد العودة وبالفعل فقد خصصت اليونان من خلال جمعية تدعى «الأخوة» ثلاثمائة حافلة وثلاث بواخر لنقل خمسين ألف عامل للتصويت وخصوصًا في الجنوب.
3- قامت القنصلية في جيروكاسترا بمنح أنصار حزب الأقلية تأشيرات لدخول اليونان.
4- أعلن القساوسة اليونانيون تأييدهم لنانو وخطب أحدهم في تجمع للجالية الألبانية في اليونان قائلًا «صوتوا للشيطان، ولكن ليس لبريشا».
حاول بريشا إثارة النعرة الدينية من خلال كشف مخططات اليونانيين ودور الكنيسة الأرثوذوكسية فيما يحدث وقد التقت رغبة بريشا مع رغبة الكنيسة الكاثوليكية التابعة لإيطاليا والتي من خلال جمعياتها التبشيرية المنتشرة في البلاد، وخصوصًا في الشمال قامت بدعم مرشحي الحزب الديمقراطي «فازوا هناك»، كما حاول بريشا استعراض إنجازاتها في مجال حرية العبادة، وبناء المساجد والكنائس في عصره الذي جلب أكثر من مائتي مؤسسة كنسية عالمية أوروبية وأمريكية، لكن ذلك لم يشفع له، وفي محاولة أخيرة منه حاول استغلال تصريح لرئيس الحزب الاشتراكي قال فيه: «سنفوز لنخلص ألبانيا من المسلمين» وحسب تفسيره يعني منظمة المؤتمر الإسلامي!!
ولكن بريشا وفي آخر خطاب استقبل لغة الاستجداء وسط العاصمة تيرانا «والتي أعلنت الحرب على حزبه وأعطت كل المقاعد للاشتراكيين» وقال بريشا في أخر تجمع انتخابي «باسم الله وباسم المسجد والكنيسة والمثقفين سنفوز» ولكنه خسر، أما الاشتراكيون فقد أعلنوا منذ البداية أنهم ضد أي توجه ديني أو شرقي حتى مع منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي تعد عضوية ألبانيا فيها مجمدة من كثرة الضغوط على بريشا من قبل.
والاشتراكيون كانوا يعلمون وهو يعلنون رفضهم لعضوية ألبانيا أن أحد من الشعب «المسلم» لن يهتم ولن تهتم المؤسسة الدينية المفروض أنها تدعو إلى تعاون إسلامي وثيق مع هذه المنظمة الكبيرة، لذلك لم يكن هناك رد فعل سلبي بقدر ما كان إيجابيًا، إذ فهم المواطن الألباني أن ذلك يعني مزيدًا من التوجه نحو الغرب.
أرسلت المنظمة قرابة خمسمائة مراقب دولي، وقد واجه المراقبون صعوبات في التنقل، مما أدى إلى نقلهم عبر البحر إلى مناطق الجنوب، وسدا العجز في المراقبين فقد استعانت المنظمة بمراقبين محليين وصل أجر الواحد 200 دولار يوميًا، كما ساهمت القوة متعددة الجنسيات في حماية المراقبين والصناديق.
وعلى الرغم من وجود مثل هذه القوات التي وصل عددها أكثر من سبعة آلاف إلا أن نتائج الدور الأول لم تعلن إلا قبل يوم من انتخابات الإعادة، وذلك بسبب عدم تمكن هذه القوة من نقل الصناديق إلى تيرانا بسهولة
من الرئيس القادم؟
حسب ترشيحات الحزب الاشتراكي والذي يملك أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان فإن الرئيس القادم هو الأمين العام للحزب الاشتراكي وهو عالم الفيزياء الألباني المعروف البروفيسور «رجب ميداني» وهو من أصل كوسوفي، تلقى تعليمه في فرنسا، وقد انضم إلى الحزب الاشتراكي قبل عام واحد وله الفضل في تحسين سمعة الحزب أمام صفوف المثقفين، وخصوصًا بعد أزمة الحزب في العام الماضي والتي كادت أن تعصف بالحزب بعد صراع بين نانو وهو في السجن ومجموعة الأربعة خارج السجن.
لكن الرئيس القادم لن يتمتع بنفس صلاحيات بريشا، فقد تم الاتفاق على أن تكون ألبانيا جمهورية برلمانية وليست رئاسية، الأمر الذي يرفضه الديمقراطيون، وبعض الأحزاب اليمينية التي ترى أن المرحلة القادمة يجب أن توجه نحو الإصلاح الاقتصادي واستعادة الأمن المفقود في البلاد، أما الحكومة فستشكل من ثلاثة أحزاب هي: الاشتراكي بزعامة نانو «هو مسيحي أرثوذوكسي» الذي سيرأس الوزارة الجديدة، وحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة «أسكندر جينوشي» والمرشح لرئاسة البرلمان، وحزب التحالف الديمقراطي بزعامة «نريتان حسن سيكا» والذ سيتولى الداخلية، وستتشكل الحكومة أساسًا من الاشتراكي وبمشاركة من الحزبين الأخريين بمعدل حقيبتين أو ثلاثة لكل منهما، وسيعطي حزب الأقلية اليونانية حقيقة الثقافة إرضاء لليونان ودورها.
والحكومة القادمة اشتراكية حتى النخاع وحسب مصادر في الحزب الاشتراكي فإن من أول مهامها الخارجية فصل ألبانيا من منظمة المؤتمر الإسلامي، وتحجيم علاقاتها بالعالم العربي والإسلامي، وتوسيع العلاقات مع اليونان والصرب التي رحب فاتوس نانو بالتعاون معها بعد أيام من فوز حزبه.
النتائج الرسمية
الحزب عدد المقاعد
الاشتراكيون «الاشتراكي+ الاشتراكي الديمقراطي» 108
الحزب الديمقراطي 28
الحزب الملكي 4
الأقلية اليونانية 4
التحالف الديمقراطي 2
اليمين المتحد 2
الجمهوري 1
الجبهة الوطنية 1
مستقلون 3
وبقيت دارة لم تسحم حتى الآن وقد جرت انتخاباتها يوم الأحد 13/ 7/ 1997م ولم تعلن حتى الآن وإن كانت المؤشرات تشير إلى احتمال فوز الحزب الجمهوري بالمقعد الباقي، وفي الاستفتاء على عودة النظام الملكي فازت الجمهورية بنسبة 66,7% وحصلت الملكية «التي سافر صاحبها من البلاد» على 33,3%.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل