; مذكرات رضا نور | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981

مشاهدات 57

نشر في العدد 536

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 14-يوليو-1981

  • ليس مصطفى كمال إنما نحن الذين وضعنا الميثاق.
  • مصطفى كمال يعترض على ترشيحي.

ظهرت أثناء الاستعداد للانتخابات مشكلة معقدة جدا، مصطفى كمال لا يوافق على شخصي، يريد أن يضع مكاني فتحي المالطي.. كان المتحكم في ولاية قسطموني اثنان هما: كورفريد وهو نائب الوالي، والآخر عثمان بك وهو القائد. كلاهما من رجال مصطفى كمال، أما متصرف سينوب فكان في صفي. وكانت سينوب في ذلك الوقت عبارة عن سنجق «متصرفية» تابع لقسطموني. أخذ كورفريد يهدد المتصرف ويرعبه فخاف المتصرف. لكنه كان يخبرنا بمجرى الأمور خفية، لم يكن يتدخل لا مع أحد ولا ضد أحد، وكان هذا أمرًا حسنًا، يكفينا هذا.

كان في نيتي الالتحاق بمصطفى كمال

كان في سينوب بكباشي قسطموني الأصل، وكان رئيسًا للشعبة العسكرية، وهذا الرجل من أنصار عثمان بك وعمل ضدي بشدة، نويت أن انتقل إلى الأناضول لألتحق بالحركة الشعبية ضد المستعمر، لكني كنت خائفًا، والسبب في هذا أن «علي كمال» وأمثاله من الكتاب والصحافيين كانوا في كتاباتهم يصورون الثورة الشعبية في الأناضول على أنها ثورة يديرها الاتحاديون، ومثل كل شخص آخر، صدقت أنا بدوري هذه الكتابات. قلت لنفسي: ماذا لو قام الاتحاديون بتدبير أمر ضدي؟! ماذا تكون العاقبة إذا قمنا بمساعدة هؤلاء الاتحاديين ثم أتوا إلى السلطة من جديد؟! إن هذا لن يكون إلا حمقًا وجريمة.. ومع ذلك فقد راجعت أخيرًا مصطفى كمال في سيواس، لكني لم أتلق منه أي جواب. معنى هذا أن مصطفى كمال لا يريدني في الأناضول، اتضح هذا في الانتخابات، كان وزير الداخلية في إستانبول وقتها هو الداماد شريف باشا، وكان هذا الرجل مثقفًا وعلى خلق وتربية.. شكوت إليه فكتب إلى المتصرف يقول: دعوا الانتخابات حرة ولا تتدخلوا فيها. وشكوت أيضا إلى دلى حامد متصرف سمسون، وكان على علاقة جيدة بمصطفى كمال لذلك شكوت إليه أيضًا، وقام هذا بدوره بالكتابة إلى مصطفى كمال، لكنه كل هذا لم يجد شيئًا، بذل كل من كورفريد وعثمان كل ما في وسعهما ليبرزا لمصطفي كامل طاعتهما.

 الكماليون يستخدمون قطاع الطرق للفوز في الانتخابات

قطاع الطرق في سينوب كثيرون، وجد رئيس الشعبة العسكرية أنه لا يستطيع عمل شيء في الانتخابات قط، فجمع قطاع الطرق حوله ليستعين بهم بعد أن وعدهم باستصدار عفو عنهم، وفي يوم الانتخابات كنت أسير أمام الجامع الكبير متجهًا إلى منزلي، وإذا بصوت وقع حوافر جياد قادمة من ناحية باب القلعة.. أدرت رأسي فإذا بي أرى قائد الشعبة العسكرية في المقدمة، وخلفه ما يقرب من ثمانين شخصًا، واصلت مسيري، بعدها وصل إلى منزلنا: ديزدار حقي أفندي وهو من الأشراف، وكنت أحبه كثيرًا، جاء مضطربًا مسرعًا ويقول: إن رئيس الشعبة العسكرية قد جمع أشقياء البلد وقطاع الطرق وهجموا على البلد، وسيجري الانتخابات كيفما يشاء، وإلا فستحدث مذبحة. قلت له: يا حقي أفندي: لا تخف ألا تعرف هؤلاء المجرمين؟!

استطعنا جذب قطاع الطرق إلى صفنا ونجحت في الانتخابات

قال لي ديزدار حقي أفندي: «إني أعرف منهم حوالي خمسة عشرة أو عشرين شخصًا. قلت له: حسنًا والأشراف الآخرون ألا يعرفون الآخرين؟ قال: «يعرفون»، قلت له: «إذن فالغلبة لنا. نحن أهل البلد، والمجرمون يسمعون كلامنا أكثر من كلام غيرنا، وعلى الفور يذهب كل منكم ويتصل بمن يعرف من هؤلاء المجرمين شارحًا الوضع بالضبط. أقنعوهم واخدعوهم، وهم يقنعون الآخرين بدورهم وتنتهي المسألة. سمع مني هذا وذهب. وذهبت أنا بدوري إلى داسم بك تحدثنا معًا، مال المجرمون إلينا في ظرف ساعة واحدة. وتخلوا عن رئيس الشعبة العسكرية الذي أسقط في يده. والذنب ذنبه، فلم يكن من أهل التجربة والدراية.. إن الثورة والتمرد والإغارة والحروب وأمثالها إنما تكون بحملة معنوية.. مسكين قائد الشعبة العسكرية فلم يكن على علم بهذا.. وكانت النتيجة أن الأصوات كلها أصبحت في صالحنا، وهكذا أصبحت أنا نائبًا بمجلس الأمة.

مصطفى كمال يستدعيني

مضى على ذلك عدة أيام، وإذا بمصطفى كمال يرسل إلى من سيواس يستدعيني تلغرافيًا لألتحق به في الأناضول، عندنا مثل يقول: «قبل اليد التي لا تستطيع أن تلويها» أما أنا فهل في مقدوري الآن ألا أذهب إليه؟ الحقيقة أنني لم أستطع جوابًا. فربما يكون في الذهاب إليه مخاطرة بحياتي، ومن ثم توجهت إلى إستانبول حيث مجلس الأمة.

المجلس ينبغي أن يكون في أنقرة

تم افتتاح البرلمان، وقبل الافتتاح وصل مصطفى كمال إلى أنقره، وهو في حماية على فؤاد قائد الجيش، وقد نصب نفسه نائبًا برلمانيًا عن أنقرة قال مصطفى كمال: «إن افتتاح المجلس لن يكون في إستانبول وإنما في أنقرة، وكان له بعض حق في هذا. لكن حكومة إسطنبول اعترضت عليه. لم يكن هناك أحد في الأمة ولا في البرلمان يقبل هذا الذي نادى به مصطفى كمال.. كان أمر الافتتاح هذا مسألة شخصية بحتة بالنسبة لمصطفى كمال.. كان يريد أن يجعل المجلس بين مخالبه هو شخصيًا ثم يقول: انتخبوني رئيسًا، وكان سيفرض هذا الانتخاب. وبينما كان الأمر يسير على هذا المنوال إذا به يقرر الذهاب إلى إستانبول، ووصل بالفعل حتى أزمير وإذا بنا كلنا نقع في اضطراب عظيم، إذ إنه كان قد أصبح «نظريا» ممثلًا للحركة الوطنية، وحضوره إلى إسطنبول يعني تسديد ضربة لهذه الحركة. وأخيرًا قالوا له: لا تأت (إلى إسطنبول) لأنك لن تصبح رئيسًا، فوجد مصطفى كمال في ذلك القول سببًا معقولًا، وضرورة لعدم تقدمه وذهابه إلى إسطنبول فتراجع.

السوريون بلاء مبين

تشكلت (في المجلس) لجنة وضعت الميثاق الوطني.. أراد رؤوف ومجدي أن يجعلا سوريا في إطار حدودنا الوطنية، فاعترضت أنا بشدة على هذا. قلت: «إنهم (أي السوريون) ليسوا أتراكًا، دعوهم! لن يصيبنا منهم إلا البلاء المبين». كانا ما زالا يفكران بطريقة إسلامية، وأخيرًا تراجعا، ادعى مصطفى كمال في خطابه المشهور (نطق) أنه هو الذي عمل الميثاق.

 إن من ينظر إلى الميثاق يتصور أن كل كبيرة وصغيرة في تركيا إنما عملها هو، ومن صنعه هو.

ليس مصطفى كمال، وإنما نحن الذين وضعنا الميثاق

إن المجلس (البرلماني) في إسطنبول هو الذي أعد الميثاق الوطني.. إذن كيف يمكن لمصطفى كمال أن يكون هو واضعه؟ إنه يكذب بهذا..

ذات يوم نزلت إلى المحطة وكنت متوجهًا نحو المجلس، قطع الجنود الإنجليز الطرق. وفي المساء علمنا أن الإنجليز أذاعوا بيانًا قالوا فيه: «إننا قمنا باحتلال إسطنبول رسميًّا». وقام الأسطول الإنجليزي بالاقتراب من السواحل في كل الجوانب، ووجه مدافعه إليها، واستولت الوحدات المسلحة على الشوارع وهجموا على كل مجلس الأمة وقبضوا على كل من رؤوف وقره مصطفى.

رؤوف يتمسك باعتقال الإنجليز له!

حكى لي هذا الزملاء الذين كانوا هناك في ذلك اليوم ومنهم زكي نائب منطقة كوموش خانه، أرادوا أن يهربوا رؤوف وقره واصف، وكان هناك إمكان طيب جدًا للهرب، وأعدوا تجربة لهذا الأمر في كل شيء مضبوطًا.. لكن رؤوف رفض أن يهرب! سلم نفسه! إن هذا الشيء ملفت للنظر.. إن سبب هذا يعلمه -بالطبع- رؤوف بنفسه.

مجلس الأمة ينبغي أن يكون حرًا

قلبت هذه المسألة مخي، إن مجلسًا يتلقى ضربة بهذا الشكل لا يمكن أن يعتبره أحد مجلسًا.. تنعدم حيثيته.. لا يمكنه أن يؤدي عمله. إن مجلسًا كهذا ينبغي أن يلغى. كما أني فكرت في أن يحدث غدًا أو بعد غد، أن يدفع هذا المجلس إلى التوقيع على شيء تحت تهديد حراب البنادق.. لابد من إغلاق هذا المجلس، لكن إغلاقه كلية ليس بالأمر الجيد، فقد يصبح إجراء انتخاب مرة أخرى، أمر صعب، في هذه الحالة ينبغي تعطيل المجلس وتسريح أعضائه مؤقتًا، ولابد بالضرورة من الارتماء بين مخالب مصطفى كمال، لا حيلة أخرى، إن الوطن مفضل على كل شيء، والشيء الممكن عمله الآن هو الآتي: يجب أن ندفع الزملاء النواب إلى اتخاذ قرار بالاتفاق بتعطيل المجلس مؤقتًا. وفي نفس الوقت نفسه لابد من إرسال مذكرة احتجاج إلى كل المجالس البرلمانية في العالم تندد بالضربة التي وجهها الإنجليز إلى مجلسنا التشريعي وإظهار هذا الأمر بأنه جريمة ضد الحرية.

 اقتنعت أغلبية النواب بذلك.. لم يكن هناك غير اثنين اعترضا، على شكري والآخر حلمي الطونالي.. أما حلمي فإني أعرف أنه جبان تافه.. لابد من تأديب حلمي، كما أنني بذلك أكون قد أثرت بشكل ما في علي شكري، قلت لحلمي: «إني سأجهز عليك». ارتعش حلمي وإذا به يقول لي: «حسنًا حسنًا»! أنا موافق.

 إذن فالدور على الآخر: علي شكري، إنه طراز آخر: عصبي جبار عنيد، إن معاملته بمثل ما عاملت حلمي.. ستجعله يعاند تمامًا، فتصرفت تجاهه وكأني لست غاضبًا، حادثته برقة وبحلاوة لسان.. اقتربت من على شكري عانقته، قبلته في وجهه وقلت له: هيا! وافق! وسريعًا ودون إبداء أي تردد، وافق. إذن فقد حصل الاتفاق، إننا سنحتج لدى أوروبا واتفاقنا في هذا شيء طيب.

كتبت أنا صيغة الاحتجاج، وكانت خلاصته: "إن الضربة التي وجهت إلى المجلس، ضربة ظالمة ومفزعة جدًّا.. لا حرية تحت تهديد الحراب.. لهذا السبب فإننا نعطل المجلس مؤقتًا إلى أجل غير مسمى، وإننا نحتج لدى كل المجالس النيابية في العالم، ونودع التاريخ وثيقتنا هذه".

تمت الموافقة على هذا بالإجماع.. كتبت الاحتجاج بالفرنسية وأرسلناه إلى كل مكان. إنه موجود بنصه في مضبطة المجلس، وإني مقتنع بأني أديت بهذا خدمة كبيرة. ذلك لأن معاهدة سيفر قدمت بعد ذلك إلى تركيا، وتولى الداماد فريد باشا الحكومة من جديد، ولو كان المجلس موجودًا لأجبروه بالقوة وتحت التهديد على التصديق على هذه المعاهدة.

إني أفخر بهذا دائما.. إن فكرة هذا الأمر والجهد المبذول فيه إنما هو بسبب همتي أنا.

الرابط المختصر :