العنوان السودان إلى أين؟
الكاتب حامد أحمد الرفاعى
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مايو-1985
مشاهدات 48
نشر في العدد 716
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 07-مايو-1985
* الإسلاميون يمثلون أمل الشعب السوداني، ولغة وجدانه بالخلاص من كل ما يعاني من ويلات ومجاعات.
* الشعب السوداني فوق الامتحان وأصلب من أن ينحني أو يركع إلا لله وبالتالي فإن الجولة لن تكون إلا للإسلام.
الحديث عن السودان يراه البعض حديثًا شائكًا وعرًا وعورة التضاريس الأفريقية بكل أشكالها وألوانها، جغرافيًا وبشريًا عقديًا واقتصاديًا وسياسيًا.. إلخ. والسودان نفسه ذو أقاليم متعددة متباعدة مقطعة الأوصال.. فالمواصلات تكاد تكون معدومة إلا تلك التي خطتها وعبدتها حوافر المواشي وأقدام المعذبين في الأرض ممن اعترف لهم أخيرًا بنسبتهم لآدم عليه السلام، ولو أن ذلك جاء عبر بوابة المجاعة والهلاك، والإعلان عن إحصائية الوفيات اليومية بالمئات من الأطفال والنساء والشيوخ. فهو –أي السودان- قارة في قارة الإسلام فيها عريق، والوثنية لا تزال آثارها قائمة، أما الجنوب السوداني المتنازع عليه، بعض قبائله لم تعرف الأديان بعد، والشيوعية جذورها قديمة، والبعض يعتبر الحزب الشيوعي السوداني من أقدم الأحزاب الشيوعية في المنطقة. أما النزعة القومية بمفهومها العقيدي الذي أرادها البعض أن تكون موازية للإسلام والشيوعية فلها وجودها وتحاول أن تكون الوريث للمرحلة النميرية شأنها شأن الطامعين بذلك. وقد لوحظ أن دعاتها يتحدثون بلغة العلاقة الحسنة بين القومية والإسلام. ومع ترحيبنا بهذه اللغة الطيبة نتمنى أن تتفق مكنونات القلوب والنفوس مع المدلول اللفظي لهذه اللهجة الطيبة الأصيلة. حيث لا عداوة بين العروبة والإسلام وأن الخصومة المفتعلة بين الإسلام والعروبة إنما أرادها أعداء هذه الأمة بقصد إضعافها وتحطيم قوام قواتها وتمزيق بنية وحدتها وإشعال نار الفتنة من داخلها لتصطرع مقومات وجودها بغية إضعافها وإنهاكها لتكون من بعد نهبًا لكل جشع خسيس، يتداعون إليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. وهذا ما كان وهذا ما سنعيش نتائجه اليوم للأسف. إننا نرحب بلغة الإخاء بين العروبة والإسلام ونحن نهيب بكل الجهات المعنية المزيد من هذه اللغة والمزيد من الترجمة العملية لهذه المعاني لتعود لهذه الأمة أصالتها العربية بعقيدتها الإسلامية التي اختيرت لحملها لتكون خير أمة أخرجت للناس بالإسلام وبفضائل الإسلام إن شاء الله.
أقول لقد تحدث القوميون حول أحداث السودان كلامًا مطولًا يقومون به المرحلة النميرية وسيرته مع أطراف المعارضة على امتداد هذه المرحلة.. وللإنصاف نقول إنهم تقاطعوا مع الصواب في نقاط، إلا أنهم افترقوا عن الحقيقة في نقاط كثيرة لدرجة أن المتتبع العارف بأوضاع السودان يقرر ببساطة أن من كتب إما متجن للأسف.. أو جاهل معزول عما دار ويدور في أطراف بيت يدعي الغيرة عليه.. لذا نطالبهم أن يعيدوا النظر في تصورهم وتقويمهم لعل النظرة تقترب مع نظرة المعنيين مثلهم بإنقاذ السودان وإسعاده بالعودة الصادقة إلى عروبة الإسلام لا عروبة المغربيين والمشرقيين من هنا وهناك.
أما الشيوعيون فهم كمون نابض بالقدر الكافي لاستمرارية وجودهم والحفاظ على الحد الأدنى لإمكانية استئناف المسيرة عندما يحين الوقت المناسب، وتجربتهم في أديس أبابا لا تزال تتعثر وتعاني ما تعاني من عوامل الرفض واللا قبول.
أما الإسلاميون تنظيمًا وحركة فهم بواقع انتمائهم لأصالة الشعب السوداني عقيدة ومنهجًا وقضية يعتبرون الجهة الأقوى من الآخرين كمًا وكيفًا.. وبالتالي يمثلون أمل الشعب السوداني ولغة وجدانه بالخلاص من كل ما يعاني من ويلات ومجاعات.. وبحكم هذه الأصالة استطاعوا على قصر الفترة الزمنية التي تعايشوا بها مع المرحلة النميرية أن يثبتوا وجودهم على الساحة السودانية بكل فعالية فقدموا من أنفسهم الدليل العملي بأنهم الأجدر على محاكاة القضية السودانية بكل المتطلبات السلوكية والغذائية والسياسية حيث تحركوا بقدرات ملموسة باتجاهات عدة للنهوض بالسودان اقتصاديًا وتربويًا واجتماعيًا وتقنيًا مما جعل المتربصين بالسودان وخير السودان التعجل بما هو مبيت للإسلام القادم بعمامته البيضاء ورايته الخضراء خفاقة فوق رأسه بـ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وأين.. إلى السودان الموزع الطبيعي لأفريقيا والبوابة الكبرى لمنطقة الصراع الساخن بين واشنطن وموسكو.. فهنا مكمن الخطر الذي لابد أن يتنبه إليه الأقطاب في كل من الكرملين والبيت الأبيض، فكل أمر يهون أمام نهوض المارد الإسلامي الأسمر في القارة الأفريقية الجوهرة السوداء المتقاتل عليها.. فالإسلام هو القضية اليتيمة التي تتقاطع عندها الرغبة لدى الطرفين لإنهائها وتصفيتها بأي وسيلة ومهما عز الثمن. وهذه هي المعادلة الصعبة التي يجب على الإسلاميين أن يدركوا كنهها ويعدوا العدة الكافية للتعامل مع نتائج تفاعلاتها بالشكل الذي يتحكم بصيغ توظيف هذه النتائج والحيلولة دون توجيهها لصدر الإسلام والمسلمين. واضعين بحسابهم أنهم جزء من هذا العالم المصطرع وقد تقاربت أبعاده وتداخلت مشكلاته بالشكل الذي لم يعد ينفع معه إلا عالمية النظرة والتصور وبالتالي عالمية الجهد والتحرك، على أن يكون ذلك كله من خلال لغة عالمية المدلول والمحتوى يفهم بها الناس كل الناس.
ما هي حقيقة الإسلاميين؟ وماذا يريدون؟ وما هو منهجهم في تحقيق ما يريدون؟؟ وما هي الصيغة المطروحة لإمكانية التعايش والتعاون مع ما يريدون؟ فالإسلام لا يقدم للناس من بوابة الحدود.. بوابة الجلد والرجم وقطع اليد.. أجل إنها تشريعات. ولا حياة ولا أمان ولا استقرار للأمة في نهاية المطاف إلا بها وبأمثالها مما شرعه الله تعالى لعباده وهو الأدرى والأعلم بما يصلح لهم ويصلح شأنهم إلا أن المطلوب هو التفريق يبن نهاية المطاف وبدايته، فلابد في البداية أن نطوف بالناس مع لا إله إلا الله محمد رسول الله. يفهمونها ويعيشونها وتمتزج مع أرواحهم ونفوسهم حتى يتسق نغم نبراتها على ألسنتهم مع نغم خفق القلوب وحي الجوارح منهم.. لا أن تكون بداية الطوف إلى الأعناق بالسيف وسلخ الظهور بالسياط.. لا يا أخي ثم لا فبوابة الإسلام إيقاظ الضمير الإنساني بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله.. بوابة الحب في الله.. بوابة الأسوة الحسنة في كل شيء يقيم منها كل مسلم بشخصه منارة شامخة وضاءة تؤكد عظمة الإسلام وحتمية الحاجة إليه كمنقذ لهذه الإنسانية التائهة في دروب الحياة.. وها هي جنبات الدنيا تردد صدا أنين المأساة أنين المجاعة في كل شيء.. مجاعة الأخلاق قبل مجاعة البطون.. مجاعة الأمن والاطمئنان على النفس والمال والأهل والولد.. فالإنسان لم يعد آمنًا في بيته ولا في متجره ولا في سيره ولا في أسفاره. فهو في كل لحظة معرض للهلاك.. وها هو الإرهاب يلاحقه جوًا وبحرًا وبرًا.
هذه المعاني وأمثالها وأكثر منها عمقًا وتفصيلًا قيلت للجهة الإسلامية المعنية في السودان منذ شهور وطلب إليهم أن يعيدوا حساباتهم ونهجهم فالأمر أدق وأخطر مما يتصورون.. نعم فمن الإنصاف والتقدير لهم نقول: إن رؤيتهم وتصورهم لم يكن أقل مما وضح لهم. إلا أن نقطة الضعف في نهجهم تكمن في إيمانهم الذي لا يرقى إليه الشك بأن نميري صادق التوجه ولا يخشى على الإسلام من جانبه.. وأنهم قد فهموه أكثر وفهموا حاجته من الدنيا.. وهذا مضمون له من قبلهم ولن تمس حاجته ما دام مع الإسلام وبالإسلام يسير.. وهذه قضية لا يطمعون بها.. فهم أزهد الناس بها.. فمطمحهم الوحيد وغايتهم التي تملك نفوسهم وتشغل بالهم أن يحكم الإسلام. فهم وغيرهم وسائل وأدوات لذلك أما الغاية والهدف فهو الإسلام. وبالتالي فالأمر عندهم سواء ولا تهمهم المواقع والرتب.. ما دام الموقع الأعلى والرتبة الأكبر للإسلام.
ومن هنا فهم ماضون في بيعتهم.. فهي بيعة للإسلام ولمن يحكم بالإسلام.. قيل لهم لا بأس فهذا موقف محمود منكم.. بل هذه أصالة الموقف المسلم.. وغير ذلك هو نكث وغدر وخيانة يرفضها الإسلام ويعاقب عليها عقوبة الكفر والشرك والردة.. إلا أنه مع هذا الموقف الشرعي المشرف لابد أن نقوم في حياتنا قاعدة الحذر الشرعي القائمة على قبول الخير والفضيلة من الناس مع وجوب اليقظة والفطنة التي لا ترفض الحق ممن يعلنه ولا تلغي احتمالات المكر والخديعة.. لست بالخب ولكن الخب لا يخدعني.. والنميري صاحب تاريخ طويل وتجربة مكشوفة ما ينبغي أن تلغي دفعة واحدة من حياتنا وحياته وحياة السودان، هذا ومع تسليمنا بصدق وتوجه الرجل وصدق عزيمته لابد أن ندرك تمام الإدراك وبكل وعي وموضوعية أن قضية الحكم والنظم اليوم لم تعد قضية فرد بعينه أو مجموعة أفراد فحسب فهذه الصورة الساذجة العائمة على السطح.. إلا أن الحقيقة الأعمق والأدق هي حقيقة هذا العالم المصطرع والمتطاحن بين يدي القوتين الغاشمتين الطاغيتين –روسيا وأمريكا- تتدافعان العالم تريدان له الذل والفقر والعار.. ليكون لهما من بعد العز والغنى والفخار، حيث تعمل كل منهما جاهدة ليكون لها الدور الأقوى والحظ الأوفر في التحكم بمقدرات الشعوب والمقامرة في مصائرها بكل استخفاف وامتهان.. وما يسمى العالم الثالث عالم الاستضعاف والإذلال والتبعية.. فشعوبه هي الأسهل تناولًا والأسلس ابتلاعًا.. فكل حاكم أو نظام فيه لابد له حتى يقوم أو يستمر قائمًا من الخضوع لشكل من أشكال الارتباط والتعاون أو بشكل من أشكال التبعية والذوبان والويل كل الويل لمن يخالف هذه القاعدة.. أو تحدثه نفسه بالخروج عنها وبالتالي فإن أية قضية أو عودة إلى بقية من ضمير أو مجرد التفكير بالتمسك أو بعث القيم الذاتية لأي حاكم فإن ذلك كاف ليدخله في رسم التصفية والإنهاء.. ولا أحسب القارئ أو السامع بحاجة إلى دليل.. فالأدلة تترى من كل حدب وصوب لا تخفى على المتتبع اليقظ.
ومن هذه النظرة والتصور لوضع أغلب الحكام في المنطقة والنميري واحد منهم.
فصدقه هذا الذي تقولون فيه كاف لأن يدخل معكم بصفقة التصفية أو الاحتواء ما أمكن.. وإن كان لا سمح الله منافقًا فتجهزوا للضربة فهي قادمة، نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية.. ومرت الأيام وقبل شهر تمامًا من قرار المخالعة بينهم وبين النميري التقيت بأحدهم خارج السودان فسألته: ماذا عن أحوالكم؟ فانقض بلسانه على الطريقة السودانية قائلًا: بيني وبينك إننا نحس بقدوم الضربة وشغلنا الشاغل كيف نؤجلها. قلت: كيف تقويمكم للنميري الآن؟ وهل لا يزال صادق التوجه أم أن صدق ولائه لأسياده أصبح واضحًا الآن؟ فقال وهو يعرك عيونه: والله يا أخي شيء محير.. قلت لا داعي للحيرة والتعجب يا أخي فالأمر بين واضح فأنتم أمام احتمالين ذكرا لكم من قبل، فإما أن تضربوا به أو تضربوا وإياه بغيركم. وانتهى الحديث يومها مع الأخ عند هذا القدر واليوم وبعد مرور أسابيع قليلة انفرج الستار عن المشهد الأول من لعبة السودان.
وبالمناسبة فإن مايلز كوبلاند، صاحب لعبة الأمم متوكر في السفارة الأمريكية في السودان منذ ثلاثة شهور تقريبًا أي قبل زيارة جورج بوش للسودان تحت مظلة تفقد المجاعة في أفريقيا ويبدو أنه «أي مايلز كوبلاند» عرض مشروع اللعبة في السودان على بوش فوافق عليها مع تعديلات طفيفة.. أهمها النظر في موضوع البديل للنميري ولكن يبدو أن الأحداث وطبيعة الوضع النفسي للمعارضة السودانية لم تعد تتقبل أي استمرار لأي شريك بارز للنميري في مرحلته السابقة أمثال عمر محمد الطيب الذي كانت الرغبة لدى مايلز أن يكون الخلف للنميري من خلف مجموعة عسكرية ومدنية تحقق نسبة مقبولة من الرضى لدى المعارضين السودانيين. حيث إن الفصل الأول من اللعبة يبدو أنه كان مرتبًا على الشكل التالي:
1- يقوم عمر محمد الطيب بدور حشد المواقف والافتراءات والشبهات الكافية لإثارة المخاوف عند النميري من تحركات الإخوان المسلمين باتجاه التحضير للانقضاض على الحكم والانقلاب عليه شخصيًا.
2- الطلب إلى النظام المصري بالضغط على النميري وتحذيره من مغبة الاندفاع باتجاه تطبيق الشريعة.. ودور الإخوان في استغلال هذه المرحلة لصالحهم.. وبالفعل قام النظام بمحاولات كثيرة كان مما حدث خلال زيارة النميري للقاهرة والتي جاءت بمناسبة اللقاء الدوري المتعلق بما يسمى مشروع التكامل بين طري وادي النيل، مما اضطره يومها أن ينزلق بتصريحات معادية للإخوان حتى أنه وصفهم بالإخوان الشياطين. ومنها كذلك أشعاره بأن النظام المصري لديه الرغبة بالتخلي عنه ولم يعد لديه الحماس المعروف سابقًا تجاه التعهد بالتدخل لحمايته للنظام من أي تحرك داخلي أو خارجي كما حصل سابقًا في أكثر من مناسبة. حتى وصل الأمر أخيرًا إلى موقف عملي حيث سحبت مصر قواتها التي كانت مكلفة بالمرابطة حول الخرطوم لأي طارئ محتمل.
3- يقوم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كل منهما بدور الضغط على النميري وإحراجه بالمدفوعات المتراكمة والتي أصبحت تفوق الديون الأصلية والتي قدرت بـ 9 مليارات دولار. ومطالبته على الأقل بإجراءات اقتصادية مادام السودان غير قادر على تسديد الفوائد فضلًا عن الديون. ومن هذه الإجراءات:
1- رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية.
2- تخفيض قيمة الجنيه السوداني.
3- التحرك بمشروع خطة اقتصادية بقصد الارتفاع بمستوى الاقتصاد السوداني المتدهور.
4- الطلب إلى المعارضة الجنوبية بالضغط عن طريق تصعيد المواجهة العسكرية.
5- عملية تهريب الفلاشا وتوريط النميري مقابل ملايين معدودة من الدولارات دفعت لشخصه مباشرة بواسطة أزلام عمر محمد الطيب وبمباركة المخابرات الأمريكية.
6- عملية إعدام محمد محمود طه.
7- محاكمة بعض أطراف المعارضة وإصدار أحكام محددة.
8- يضاف إلى هذه المشاهد من الفصل من لعبة السودان أن الشريك الأقوى للنميري –الإسلاميون- قدموا وبحسن نية بعض المواقف التي أوجدت في نفوس البعض شيئا من الامتعاض خدمت أصحاب الغرض الخبيث عندما تأكد للإدارة الأمريكية النجاح النسبي لمشاهد هذا الفصل المدروس من قبل وبمراقبة دقيقة من المخرج المتقن المقيم –مايلز كوبلاند- جاءت زيارة جورج بوش ليقرر المشهد الأخير والمثير من هذا الفصل وهو إعلان الانقلاب على الإخوان المسلمين من خلال اتهام معد ومتفق عليه من عمر محمد الطيب والتي تتخلص:
1- الإعلان عن اكتشاف مؤامرة من الإخوان ضد النظام.
2- الإشارة إلى ارتباط هذه المؤامرة بإيران –كجهة مرفوضة عربيًا وإسلاميًا- بقصد تهيئة الوضع النفسي ضد الإخوان.
3- اكتشاف أسلحة وعتاد عسكري أعد لهذا الأمر مع الإشارة إلى دور الأخ المرحوم التجاني وحادثة المرور التي تعرض لها وتوفي على أثرها. على أنه كان يقوم بعملية تهريب أسلحة –علمًا بأنه كان مغادرًا من الرياض وركب سيارته من مطار الخرطوم وفي الطريق حصل الحادث- حيث قلبت سيارته- رحمه الله.
4- اعتقال قيادات الإخوان المسلمين وعلى رأسهم حسن الترابي وصادق عبد الماجد.
وغادر بوش الخرطوم بعد أن أبلغ النميري بموافقته ومباركته لهذه الخطوات ولأول مرة يفصح بها عن الدور المكشوف للإدارة الأمريكية والذي أحسب أنه كان مقصودًا به المعاني التالية:
أ- لتأكيد الرفض الأمريكي لأي تجاه رسمي أو غيره نحو الإسلام ومحاولة تطبيق تشريعاته.
ب- تأكيد الدور الأمريكي وراء أي تغيير رسمي في المنطقة.
جـ- التلويح بالعصا لكل المعنيين في المنطقة فيما لو حدثتهم أنفسهم أو خضعت قناعاتهم لأي ضغط شعبي باتجاه الشريعة الإسلامية. وأحسب أن مصر معنية أكثر من غيرها بهذا التلويح والصورة التي قوبل بها حسني مبارك في واشنطن، وما لحق بالزيارة من مواقف تؤكد هذا المعنى حيث بدأت الأصوات في مصر تتحدث بأمرين خطيرين، أولهما المطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية وثانيهما إعادة النظر بمعاهدة كامب ديفيد وعودة مصر للارتباط العربي والحس العربي الأصيل تجاه القضية الفلسطينية.
د- الضغط على النظم ذات الصبغة الإسلامية لإعادة النظر أو تنفيذ ما يطلب بالتراجع التدريجي عن تطبيق الشريعة الإسلامية أو التمسك بالإسلام نظامًا ومنهجًا وشرعة.
وبمغادرة بوش أقفلت السفارة على مشاهد الفصل الأول وبدأ التحضير للفصل الثاني والذي أريد لمشاهده أن تكون على الشكل التالي –إلا أن الأحداث وطبيعة المعارضة عدلت فيها حيث أخرجت بالشكل الذي جاء مع أعداد هذا التقرير لذا لابد أن نذكر المشاهد كما كان متوقع لها ثم المشاهد التي جاءت مغايرة أو معدلة.
أما ما كان مرتبًا –والله أعلم:
1- يطاح بالنميري بعد أن هيأت الأسباب لذلك عن طريق انقلاب عسكري بتدبير من عمر الطيب وبواجهة من سوار الذهب ومجموعته حيث تخلى له النميري فجأة وقبل سفره إلى أمريكا عن أهم وأخطر موقعين في السلطة –القائد العام للجيش ووزير الدفاع- وهذا كان بتشجيع من عمر الطيب كمقدمة وما يرتبه من أسباب للتخلص من سيده بترشيد من أسيادهما.
2- يسبق ذلك تحريك بعض المظاهرات والاحتجاجات على قرارات النميري بغرض تسليط الأضواء على تصرفات النميري الارتجالية وتهيئة للأجواء للتخلي عنه وكذلك إلصاق التهم بالإخوان المسلمين، تهم جرائم إثارة الشغب والاضطرابات ليبرر من بعد ضربهم وتصفيتهم وقد ركزت الصحافة السودانية على هذين الأمرين وتناقلت وكالات الأنباء ما يؤكد أن الإخوان هم وراء الأحداث وكان هذا واضحًا وعلى الأخص بتعليقات صوت أمريكا وغيرها.
3- بعد الإطاحة بالنميري وضرب الإخوان حيث تخلو الساحة لعمر الطيب وزبانيته أعلن عن وضع انتقالي بواجهة من سوار الذهب مع تبني الاتجاهات الإسلامية التقليدية وقد حضرت لذلك مسبقًا عملية الإخراج عن الصادق المهدي والتلميع المفاجئ بالأنصار وتاريخهم الوطني حيث خطب النميري خطابًا مطولًا بمناسبة ذكرى استشهاد المهدي الإمام.. وكذلك الاهتمام بالختميين وعلاقة سوار الذهب بهم، وذلك إلى حين ثم ينقلب عمر الطيب على الجميع ليكون رجل المستقبل في مرحلة طاغوتية جديدة.
4- ولكن تحريك المظاهرة بغرض الكيد بالإخوان المسلمين قد أعطى شحنة من الجرأة للأطراف المعارضة من نقابيين وغيرهم وكذلك بسطت الجرأة لشرائح التنظيم الإخواني المتربص حيث أفلت الزمام من عمر الطيب فأراد أن يحرك الاتحاد الاشتراكي فجاءت محاولة باهتة وهزيلة حيث رد الإخوان وبقية المعارضين بمسيرة بلغ تعدادها نصف مليون إنسان. فارتعدت لها فرائس عمر الطيب، سارع وطلب من سوار الذهب أن يتحرك ويعلن حالة الطوارئ إلا أن الأمر قد تجاوزه وقرر مايلز كوبلاند الانعطاف بالمخطط كلية وحصلت ترتيبات انتهت بالوضع، ما انتهت إليه بعد أن أدركوا أن عملية الإعداد لضرب الإخوان.
إن عملية الإعداد لضرب الإخوان جعلت الجناة يقفون على حقائق حملتهم على إعادة النظر في مخططهم.. أما الحقائق فهي:
1- الخلفيات الصعبة لعملية ضرب الإسلاميين في السودان.
2- وصولهم إلى طريق مسدود وهم ينفذون عملية استكمال الاعتقال حيث تبين لهم أن الصيغة التنظيمية أعقد من أن تمكنهم من ذلك.
3- توضح لهم أن القضايا الخطيرة في التنظيم منحصرة بشخص أو شخصين وبالتالي لا مجال للتوصل إلى الكوادر الضاربة في التنظيم.
4- أدركوا أنهم بغنى عن مواجهة الإسلام والتشريعات الإسلامية بالشكل المباشر المفضوح مما يخل ببعض الموازنات المفيدة لهم في المنطقة عامة وبأفريقيا خاصة لا سيما أن هذا يحرج حلفاءهم في المنطقة.
فمن هذه المعاني وغيرها جعلت المهندس البارع أن يعيد النظر بالأسلوب لا بالغايات.
حيث انعطف بهم مكرهم إلى فكرة العودة بالسودان عشرين عامًا للوراء حيث التصارع الحزبي والفكري والمذهبي والعائلي والعقدي وبالتالي تتاح لهم فرصة الدراسة المتأنية الميدانية لطبيعة القوى المتصارعة وقدراتها وتوجيهها بالكيفية التي تعيق الاتجاه الإسلامي من متابعة نموه وقدراته ومحاولة إنقاذه للمواقع التي اكتسبها في ساحة الوجدان الشعبي على كل صعيد.. لإعادة التوازن الاجتماعي العقدي والسياسي والعسكري الذي يعتقد أن الاتجاه الإسلامي بشكل من الأشكال استطاع أن يحقق أرقامًا إيجابية تهدد مصالح الآخرين وأهدافهم ومخططاتهم.
وفي أجواء التوازن الحزبي العقدي والفكري والمذهبي يتم البحث عن شخصية المستقبل أو استنباتها ابتداء في دوامة التطاحن السياسي المرتقب تحت مظلة الديمقراطية الشعبية القادمة.
وشيء آخر وهو الأهم إقامة المنابر الحرة «ليتها تكون حرة» بقصد إعطاء الفرصة أمام الحاقدين والرافضين للإسلام وتشريعاته لينفثوا سمومهم ويفتحوا أبواق افتراءاتهم وشبهاتهم حول إمكانية تطبيق الشريعة.. صحيح إننا لا نخشى على الإسلام من الكلمة ما دام كلمته الأطيب والأعمق رسوخًا في ضمير الشعب السوداني وكل شعب مسلم.. وهو الأعلى عندما يطرح في الميدان مع غيره ولكن الذي نخشاه هو أن تعطي الفرصة كل الفرصة لغيره ويدعم غيره محليًا وعالميًا بأن توضع الإمكانات كل الإمكانات بيد الطرف أو الأطراف الأخرى ويحرم منها الاتجاه الإسلامي أو تقتر عليه على الأقل.. والسودان اليوم يعاني أخطر قضية في حياة الناس.. قضية لقمة العيش التي قد تكون كفرًا والعياذ بالله.. اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر.. فالأقدر على معالجة قضية الخبز هو الأقرب للنفس والأقدر على محاكاة القلوب وهذا هو سلاح المعركة الديمقراطية القادمة وهذا هو مكمن المكر المعد لتطويق الاتجاه الإسلامي وهو الذي لا بواكي له..
أما الآخرون فستفتح لهم صناديق المال من الشرق والغرب وعزاؤنا في هذا المضمار أصالة الشعب السوداني الذي دللت الأحداث وأثبتتها الأيام بكل ما حملته من آلام وويلات على مدار عشرات السنين العجاف على أنه فوق الامتحان وأصلب من أن ينحني أو يركع إلا لله، وبالتالي فإن الجولة بإذن الله تعالى لن تكون إلا للإسلام إذا أحسنا نحن التعامل مع الإسلام، وإذا تمكنا نحن من الارتقاء بأنفسنا إلى مستوى ما ندعو إليه.. وإذا أحسنا نحن تقديم الإسلام للآخرين.. وقبل ذلك ومع ذلك إذا أحسنا الصلة بالله وأعطينا من أنفسنا الدليل على صدق الغاية والتوجه وصدق الثبات والتجرد.. وأخيرًا صدق الطاعة والتضحية، وصدق الله تعالى إذ يقول:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 172- 173).
بهذه المعاني لابد للاتجاه الإسلامي ولابد للشعب السوداني المسلم أن يقبل التحدي القادم ولابد من مع قبول التحدي أن يدرك الإسلاميون في شتى مواقعهم واجتهاداتهم عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم وخطورة المرحلة التي يواجهون.. وما يتطلب ذلك من تضحيات من أولها وأثمنها نكران الذات وتناسي الفرعيات وليدرك الجميع أنه إذا حمي الوطيس فسيكون الذبح حسب بطاقة الانتماء للإسلام لا على درجة الاجتهاد ونوع الاجتهاد وأحسب أن الجميع على إطلاع بما يجري في المنطقة من أمثلة تؤكد تحذيرنا وتذكيرنا.
اللهم إنا قد بلغنا.. اللهم فاشهد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل