العنوان من الشعر التركستاني
الكاتب عبد القادر طاش التركستاني
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1977
مشاهدات 62
نشر في العدد 365
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 30-أغسطس-1977
إذا كان جمال التعبير وحسن الأداء وروعة التصوير من شروط الشعر الحي النابض المؤثر، فإن صدق الإحساس، وعمق التجربة، ومواكبة الواقع والحياة من الأشياء الضرورية التي تجعل من الشعر رائدًا وقائدًا وحداء يحفز قارئيه وعشاقه إلى مراقي الحياة العليا، بما يعطيه من دفقات الصدق والمشاعر النابغة من روعة التجربة وعمق الإحساس.
ولقد كان للشعر دور بارز ومؤثر في حركات الجهاد الإسلامية في شتى أجزاء أرضنا الإسلامية الفسيحة، وقد كان الشعراء يستلهمون صدق ذلك الجهاد وعلويته في استشارة مشاعرهم واستجاشة أحاسيسهم حتى ينطلق شعرهم كلمات قومية تحي وتحرك، وتذكي وتنمي، وتثور وتتأجج.
وكما أشرت – وأشار غيري – إلى مأساة البلد الإسلامي الجريح تركستان – من خلال مقالات كتبتها من قبل، فإن أدب هذا البلد وخصوصًا أدب المعركة فيه قد غشاه النسيان وغطى عليه الإهمال حتى يومنا الحاضر. وخلال استعراضي لكتاب – تاريخ الانقلاب الوطني في تركستان الشرقية – باللغة التركستانية – لمؤلفه المجاهد الكبير والقائد التركستاني – محمد أمين بوغرا – وقفت على بعض قصائد لطيفة مؤثرة لهذا المجاهد فاستجاشت عاطفة الحب لهذا البطل في قلبي، ورأيت أن من واجبي أن أحيي هذا البطل بنشر نتف من تلك القصائد الوطنية التي نلمح فيها روح الإسلام وصدق العاطفة وحسن الأداء ينبع هذا كله من صدق التجربة التي خاضها هذا البطل منذ أمتطى صهوة خيله وامتشق حسامه وباع نفسه لله سبحانه وتعالى مجاهدًا مناضلًا حتى آخر لحظة من حياته.
وقبل أن أعرض تلك القصائد – بدون تعليق عليها – فأنه يطيب لي أن أعرف القراء الكرام على الرجل البطل من خلال المعلومات القليلة الشحيحة التي أعرفها عنه سماعًا من والدي الكريم أو من بعض إخواني التركستانيين.
إنه المجاهد الأستاذ محمد أمين بوغرا قائد انقلاب وثورة منطقة ختن في التركستان الشرقية عاصر أحداث هذه الثورة التي كانت في خلال سنة ١٣٥٠هـ، وكان مثالًا للمجاهد المسلم الذي عرف أن خلاص وطنه إنما هو بالجهاد الإسلامي الصادق في وجه العنف الصيني البغيض، وقد استطاع هو وبعض إخوانه من قادة الثورات في المناطق التركستانية الأخرى من تحقيق شيء من النجاح في ثورتهم حين استطاعوا إقامة جمهورية إسلامية تركستانية بعد كفاح مرير وعصيب، ولكن تلك الجمهورية لم تستطع أن تعيش طويلًا فقضى عليها، وكان نصيب هذا البطل التشرد والهجرة، وقد استقر به المقام في تركيا، وقد قام بزيارات للمملكة العربية السعودية إلى أن وافاه الأجل قبل سنوات قليلة، وبذلك مضى إلى ربه بعد عمر حافل بالجهاد والتضحية ومحاولة الكفاح ضد الاستعمار لتخليص وطنه من براثن الاستعمار والشيوعية، وكم يعز علينا كثيرًا أن يظل هذا البطل وغيره من أبطال تركستان في طي النسيان، وإننا لندعو أولئك الذين كانت لهم بالبطل المجاهد وبقية القادة الأبطال صلات وروابط ويعرفون عنهم وعن جهادهم شيئًا أن يحاولوا كتابة تاريخه لتستفيد منه الأجيال المسلمة وليعطي المسلمون أولئك الأبطال شيئًا من حقهم في الإشادة بهم والثناء على أعمالهم وإن كان الله سيجزيهم أجر ما عملوا أضعافًا كثيرة.
والآن إلى مختارات من شعر محمد أمين بوغرا باللغة العربية (١)
وهذه القصائد تعبر عن حنين ولهفة الشاعر إلى وطنه بعد أن خرج منه مهاجرًا.
منها قصيدة الحنين إلى الوطن والتي نظمها في كابل سنة ١٣٥٤هـ يقول فيها: -
تقرحت مقلتي حزنًا فواكبدي
يا ليت شعري هل أنجو من الكمد
كيف الوصول إلى الأوطان وا أسفي
ترنو إليها عيون الشوق عن بعد
تشكو اللها زفرات قد علت وطمت
والخد جريان دمع غير منتضد
تقول رجلى الأم البعد عن وطني
وموطئ يا لطول السير فاقتصد
قلت اصبروا ليس لي قصد ولا أمل
إلا الرجوع كما أرجو إلى بلدي
والشرق تدعو بأعلى صوتها علنًا
تعال سرعان للثارات يا ولدي
فأنك ابني وحيدًا في بسالته
في الشرق نجيتني من كل مضطهد
وكان عزمك عزمًا لا اختبال له
وما نبا سيفك الماضي ولم يحد
وما نبا سيفك الماضي ولم يحد
قد طال شوقي إليك ابني ومنتظري
وضاق صدري وعيل الصبر خذ بيدي
فكيف أبطأت والأتراب ليس لهم
من الظلامة من مأوى وملتحد
فكيف ابطأت والأرواح زاهقة
بغير حق سدى من ظلم ذي لدد
فكيف ابطأت والأيتام والفقراء
هالكون بعيش ضاغط نكد
كانون صدري بنار الشوق ملتهب
ويلي بني وهذا القلب في وقد
أسرع بني لدفع الظلم عن صفحات
الشرق جيء بيد حلالة العقد
أقول بالعين يا أمي وها آنذا
في أهبة السير لا ألوي على أحد
بذاك آليت لا أنفك مجتهدًا
ما يخطر المجد والعلياء في خلدي
وهذه قصيدة بعنوان فلق الإصباح أنشدها الشاعر في كابل أيضًا: -
هذا الصباح تبدي لي محياه
فبارك الله فيه ثم حياه
سينجلي ذلك الليل الطويل عن الشر
ق الذي أهله غيهب تاهوا
ليل كيوم يفر المرء من ولد
ووالد والذي أخي ووالاه
يا ويله أشتد للطوران وطأته
فلا تعد ولا تحصى ضحاياه
موت صواعقه كالسم وابلة
غشا سنًا برقة للمرء محياه
فيه عفاريت من صين سجيتهم
ظلم ومن عسف خلق الله أقساه
من الشعر التركستاني
قتل وسلب ونهب ما نجا أحد
منها ولا المال والتسليم فاداه
لا يعرف المرء من يمناه يسراه
أتوا على الحرث والنسل اللذين هما
حياة كل أمرئ حقًا ودنياه
كم من عزيز يعز النمل لو عبرت
عليه سوء عذاب الضيم أرداه
وكم فتى كان يحيى الشرق همته
لهفي عليه فهذا الظلم أفناه
لكنها أزمة نابت ويعقبها
خصب سريع الخطى يأتي به الله
أرجو المعونة من رب الخلائق إذ
من يستغيث به ينصره مولاه
وإنني قد أرى قومي قد انتبهوا
من نومهم إذا أتاهم سوء عقباه
تذكروا بعد حين مجد سالفهم
وقد يرون بلوغ الذل أقصاه
وخبروا أنهم قد ساد ملكهم
من أوقيانوس حتى ما تحاذاه
وأنه لا ينال المرء مطلبه
والغزو المجد إلا قدر مسعاه
وإنني قد أرى فيهم نوابغ ممن
همه من سعود الشعب أعلاه
يغلي صدورهم بالوجد سوف ترى
فورانها قد علا بركانها فاه
ينمو ويذكر سريعًا في عروقهم
وميض ثأر رماد الحزم وأراه
وهذا دعاء يوجهه الشاعر إلى ربه واثقًا بنصره وتأييده فيقول: -
رجائي واثق بك يا إلهي
أعذني من جزاء القانطينا
وأيدني بإعزاز ونصر
وأيد منك خير الناصرينا
فإنك قد نصرت رسول هدى
على قوم غواة كافرينا
فنادى وحده فيهم بصدع
بأمرك أو قلاه الأقربونا
وما بالى بما نقموه صبرًا
فعاجزهم وناجزهم سنينا
فهاجرهم بأمر منك حتم
إلى قوم كرام مسلمينا
نصرت لواءه نصرًا عزيزًا
وقد أعطيته فتحًا مبينًا
وإنك قد وعدت النصر والعز
للغازين فيك المؤمنينا
فها أنا مؤمن حقًا بوعد الكتاب الحق إيمانًا يقينًا
ومن علي يا ربي كما قد
وعدت المن للمستضعفينا
وشتت شمل أعدائي وفرق
بخذلان جموع الظالمينا
ويسر لي دخول بلاد أبائنا
ربي دخول الفاتحينا
وفي ذلك الكتاب وجدت هذه القصيدة للشاعر العالم التركستاني الشهير السيد محمود خان الطرازي والتي يحيي فيها بطل التركستان ويحيي فيها شجاعته وكفاحه الإسلامي الصادق يقول الطرازي: -
محمد يا فخار العالمينا
وقاك الله كيد الخائنينا
جمعت محاسن العلماء طرا
وهذا فضل رب العالمينا
أمير الشرق أنت بلا دفاع
أقول ولا أراعي الحاسدينا
لقد أديت فرضًا من جهاد
فلم يخطئ مسميك الأمينا
تجلد يا إمام ولا تضجر
أصابك ما أصاب القائدينا
ولا يرمي الزمان رذيل قوم
كما يرمي الكرام الأمثلينا
ولا تيأس فإن النصر يتلو
أيا بك يا أمير الأشجعينا
خروجك من بلادك لا لذل
ولكن لانتباه الجاهلينا
فأسرع في الإياب فلا أراهم
يطيعون اللئام الأرذلينا
فقم واستخلصنهم من طغاة العدى والله خير الناصرينا
وأخرج من بلادك مهد عز
شرار الصين ثم الملحدينا
وأعل لواء دين الحق دين النبي العدل خير المرسلينا
أ تركستان تركستان شرق
أميرك ما يريد؟ أتعلمينا؟
يريد نجاتي العظمى ويسعى
لها سعي الملوك الباسلينا
يحق إذن لأهلك أن يقولوا
ليحيي لنا إمام الفاتحينا
تلك صفحة من صفحات الأدب التركستاني أقدمها للقراء الأحبة، بل تعليق ليجدوا فيها ما يريدون وأترك لهم التعليق.
١.كتب الأستاذ محمد أمين بوغرا قصائده باللغتين العربية والتركستانية، وكم كنت أتمنى لو أنني متمكن من اللغة التركستانية التمكن الذي يتيح لي ترجمة أشعاره إلى العربية.
عبد القادر طاش
الطائف / رمضان ١٣٩٧هـ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل