العنوان ملوك الآخرة : قيام الصحابة (1 من 2)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 08-أغسطس-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1864
نشر في الصفحة 55
السبت 08-أغسطس-2009
(*) رئيس جمعية بشائر
الخير الكويتية
تناولنا
في العدد السابق أهمية قيام الليل كصفة بارزة من صفات عباد الرحمن، وهي الصفة
الخامسة، واهتمام النبي بها، وفي هذا العدد نتناول اهتمام الصحابة رضي الله عنهم
بها، تأصيلًا لصفة عباد الرحمن فيهم.
رهبان
الليل
يصفهم
الإمام ابن القيم بـ:
القانتون المخبتون لربهم *** الناطقون
بأصدق الأقوال
يحيون ليلهم بطاعة ربهم *** بتلاوة، وتضرع،
وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم *** مثل انهمار الوابل الهطال
في الليل رهبان وعند جهادهم *** لعدوهم من أشجع الأبطال (1)
هكذا
تربوا في بداية البعثة النبوية فكانت الخلوة بربهم هي قرة عيونهم مصداقًا لقول
الحبيب ﷺ:
«حبب إلي من دنياكم النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة«(2)، فكانوا يعشقون الليل
ليأنسوا بالحبيب في الثلث الأخير من الليل، يبثون بين يديه حبهم ومشاعرهم، فتنساب
دموعهم من حيث لا يشعرون.
أبو
ذر رضي الله عنه
يروي
عنه سفيان الثوري أنه قام عند الكعبة، فقال: يأيها الناس أنا جندب الغفاري هلموا
إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا
أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد ما
تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟(3) فبدأ
ينصحهم بعدة نصائح تعينهم على طريق القيامة، وكان من أبرز ما نصحهم فيه قوله:
«صلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور«(4).
هكذا
كانوا يوصون جيل التابعين بالتمسك بهذه الصفة العظيمة، التي لا يمكن للمؤمن أن
يقوى من غيرها .
ثلاثية
أبو الدرداء
وكان
للصحابي الزاهد أبو الدرداء ثلاثية مشهورة لا يحب البقاء في الدنيا لولاها، وهي في
عينه جمال الدنيا والتي لا تساوي شيئًا من غيرها، بل هي مظلمة لولا وجودها؛ حيث
قال: «لولا ثلاث خلال لأحببت ألا أبقى في الدنيا وعندما سئل عنها قال: لو لا وضوع
وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار يكون تقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر
ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة(5) «
فقد
جعل قيام الليل أحد هذه الثلاثة التي لا هناء بالحياة من غيرها، لقد تعلق قلبه
بقيام الليل، وسماع أصوات المتهجدين بالليل، وكان إذا سمعهم قال: «بأبي النواحون
على أنفسهم قبل يوم القيامة، وتندى قلوبهم بذكر الله عز وجل (6).
ابن
أم عبد
هكذا
كان الرسول ﷺيكني الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، ويحدث عنه الفاروق وعن حبه لقيام الليل حديثًا ينقله للأجيال التي أعقبت جيل الصحابة الكرام حتى يؤصل هذه الصفة في
جيل التابعين فقد جاء للفاروق رجل من العراق، يذكر عن رجل فيها يملي المصاحف عن
ظهر قلب فغضب الفاروق، ولكنه عندما سأله عن اسمه، وأبلغه بأنه عبد الله بن مسعود
سري عنه وتنفس الصعداء ثم قال له: «ويحك ما أعلم بقي أحد أحق بذلك منه، وسأحدثك عن
ذلك: كان رسول الله ﷺ له لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ يمشي وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يسمع قراءته، فلما كدنا أن نعرف الرجل، قال رسول اللهﷺ:» من سره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم
عبد».
قال:
ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: «سل تعطه مرتين(7)« إنه يفرح عندما يرى
الرجال الذين رباهم مازالوا على العهد، ويطمئن أنه يترك رجالًا بعده يحملون
الراية، ويؤتمنون عليها، وحقًا هذا ما حدث، فقد كان ابن مسعود نورًا يستضاء به في
العراق، ومدرسة قرآنية قام شذاها، وعطر أجواء العراق، وأنتج تلامذة كثر من رهبان
الليل المحافظون على تلك الصفة من صفات عباد الرحمن.
الهوامش
(1)إغاثة
اللهفان.
(2) رواه
أحمد وصحبه الألباني ص ج ص 3124.
(3) حلية
الأولياء 220/1، ط. دار الكتب
العلمية.
(4)
حلية الأولياء 220/1، ط. دار الكتب
العلمية.
(5) حلية
الأولياء 272/1، المرجع السابق.
(6) حلية
الأولياء 272/1، المرجع السابق.
(7) رواه
أحمد 26/1 ، 25، وصححه ابن خزيمة في صححه 2/186 / ط.المكتب الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل