; القبارصة الأتراك: هل يسحقون المعادلة الصليبية في قبرص؟ | مجلة المجتمع

العنوان القبارصة الأتراك: هل يسحقون المعادلة الصليبية في قبرص؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1983

مشاهدات 53

نشر في العدد 646

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 22-نوفمبر-1983

  • الدعوة لحق تقرير المصير لشعب قبرص تستهدف إكمال المخطط التآمري على مسلمي الجزيرة
  • المسلمون القبارصة الأتراك سقطوا صرعى برصاص القبارصة اليونان وتحت سمع وبصر القوات الدولية
  • التدخل التركي في الجزيرة أتى تطبيقًا للمادة الرابعة من اتفاقية إنشاء دولة قبرص ١٩٦٠م
  • بين قبرص وفلسطين تفوح رائحة التآمر البريطاني!

في خطوة جريئة أعلن «رؤوف دنكتاش» قيام الجمهورية التركية لشمال قبرص وسط مفاجأة كبيرة لحكومة سبيروس كبريانو القبرصية اليونانية على الرغم من أن دنكتاش كان قد أعلن قبل شهر تقريبًا وأثر عودته من نيويورك حيث حضر جلسات الأمم المتحدة أنه سيمهل حكومة كبريانو شهرًا واحدًا للاستجابة لمطالبه وإلا فإنه سوف يعلن الاستقلال من جانب واحد.. على أن حكومة كبريانو على ما يبدو لم تأخذ التهديد مأخذ الجد ومن هنا كانت المفاجأة بالنسبة إليها كبيرة، وحتى ندرك بعمق الأسباب الكامنة وراء التعجيل بقيام الجمهورية التركية القبرصية لا بد من العودة إلى الوراء عبر جذور التاريخ لنتعرف على جوهر القضية ومدى ما لحق بالمسلمين في الجزيرة من ظلم وجور وطغيان على يد القبارصة اليونانيين.

  • قبرص جغرافيًا

تقع قبرص في الطرف الشمالي الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط لذلك كانت خلال قرون عديدة تشكل وسط الطرق التجارية بين الغرب وأقطار الشرق الأوسط تبعد عن سوريا مسافة ٦٤ ميلًا وعن جنوب تركيا ٤٤ ميلًا وعن شمال مصر ٢٤٠ ميلًا وعن اليونان ٤٠٠ ميل وهي ثالث أكبر جزر في البحر الأبيض المتوسط، وعلى تقاطع الطرق بين القارات الثلاث أوروبا وإفريقيا وآسيا.

  • قبرص تاريخيًا

استوطن الأشوريون الجزيرة منذ أواسط الألف الرابع قبل الميلاد ثم خضعت الجزيرة للحكم الروماني إبان توسع الإمبراطورية الرومانية ثم استظلت الجزيرة براية الإسلام أيام الفتوح الإسلامية الأولى في زمن الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث قام والي الشام في عهده معاوية بن أبي سفيان بفتح قبرص عام ٢٨ ه- ٦٤٨ م وعقد مع أهلها صلحًا ولكن أهل الجزيرة سرعان ما أخلوا بشروط الصلح فأعاد معاوية رضي الله عنه فتحها عام ٣٤ ه/ ٦٥٤ م وأسكن فيها اثني عشر ألفًا من الجند المسلمين وبدأ الإسلام ينتشر فيها وظلت الجزيرة تخضع للسيادة الإسلامية حتى غزاها الصليبيون في أواخر أيام الدولة العباسية مستغلين ضعف العباسيين فسفكوا فيها الدماء وفتكوا بالآمنين وأهلكوا الزرع والنسل عام ٥٨٧ ه/ ١١٩١ م واتخذوا منها قاعدة لمدهم الصليبي نحو بلاد الشام ومصر.

وبعد إجلاء الصليبيين عن بلاد الشام ٦٩٢ ه/ ١٢٩٢م تجمعت فلول القوى الصليبية في الجزيرة واتخذت منها مقرئ لإثارة القلاقل والمتاعب في بلاد المسلمين الأمر الذي سبب المتاعب لدولة المماليك في مصر فكان لا بد من إعادة السيطرة الإسلامية على الجزيرة.

عودة الجزيرة للإسلام

في عهد السلطان المملوكي برسباي وفي عام ٨٣٠ ه/ ١٤٢٦م عادت الجزيرة لحياض الإسلام وحمل ملك الجزيرة الصليبي «جيمس لوزينيان» مكبلًا بالحديد إلى القاهرة لكن بقايا الصليبيين في مدينة البندقية الإيطالية احتلوا الجزيرة لمدة خمسين سنة تقريبًا حتى أجلاهم العثمانيون عنها عام ٩٧٩ ه/ ١٥٧١م ووطدوا فيها دعائم الإسلام وأصبحت جزء لا يتجزأ من ديار الإسلام.

اليهود يتآمرون!

استغلت بريطانيا عام ١٢٩٤ ه/ ١٨٧٨م فرصة ضعف الدولة العثمانية وفرض رئيس وزراء بريطانيا الصهيوني آنذاك «درزائيلي» على الدولة العثمانية معاهدة دفاعية أكره السلطان العثماني بموجبها على قبول الاحتلال البريطاني لقبرص مقابل ضمان بريطانيا الكاذب الدفاع عن الممتلكات العثمانية في آسيا!!

قاسم مشترك

وبين قبرص وفلسطين يوجد قاسم مشترك يتمثل بالتآمر البريطاني على المسلمين فكما فعلت بريطانيا في فلسطين حيث عملت على تشجيع اليهود على الهجرة والاستيطان كذلك فعلت في قبرص فقد احتلت الجزيرة والغالبية العظمى من سكان الجزيرة يدينون بالإسلام فعمدت فورًا إلى إضعاف المسلمين وتشجيع النصارى من بلاد اليونان على الهجرة إليها في حين كانت تضيق على المسلمين وتذلهم لحملهم على الهجرة وتم لها ما أرادت وانخفضت نسبة المسلمين وازداد عدد النصارى!!

الأرقام تكشف الحقيقة!

ففي عام ١٨٩٠م أي بعد دخول الإنكليز إلى الجزيرة باثني عشر عامًا كان  توزيع السكان في قبرص كالتالي:

  • ستون ألفًا من المسلمين
  • عشرون ألفًا من النصارى

بينما الإحصاءات التي توردها المصادر القبرصية اليونانية اليوم تقول: إن عدد سكان الجزيرة بلغ عام ١٩٨٠م ٦٦٢ ألفًا يشكل القبارصة اليونان 78.2 بالمئة من سكان الجزيرة بينما نسبة القبارصة الأتراك 18.2 بالمئة فقط! فكيف انقلبت الأرقام؟ هل من المعقول أن يتضاعف عدد اليونانيين بنسبة ٢٥٠٠ بالمئة بينما يتضاعف المسلمون بنسبة ٣٥٠ بالمئة فقط.

من هنا ندرك لماذا يرفض مسلمو الجزيرة دعوة اليونان النصارى لحق تقرير المصير في قبرص؟ لأن هذه الدعوة إنما تستهدف إكمال المخطط التآمري على مسلمي الجزيرة وتذويبهم تدريجيًا في المجتمع النصراني تمهيدًا لضم الجزيرة كليًا إلى اليونان لأن انضمام الجزيرة لليونان لا يعني بالنسبة للمسلمين سوى الرق والعبودية.

تآمر اليونان

وقبيل الانسحاب البريطاني من الجزيرة حاولت اليونان دعم نصارى الجزيرة بالمال والسلاح والرجال لفرض الأمر الواقع لكن تركيا بالمقابل وقفت إلى جانب المسلمين وكادت الحرب أن تقع لولا أن تم الاتفاق على قيام جمهورية قبرص المستقلة عن اليونان بشعبين مستقلين وولدت بذلك جمهورية قبرص المستقلة عام ١٩٦٠م وتم جلاء البريطانيين عن الجزيرة ونصب المطران مكاريوس رئيسًا لها...

مجازر وحشية

قام زعماء النصارى اليونانيين بدعم من اليونان بنسف الاتفاق عام ١٩٦٣م وتفردوا بحكم الجزيرة وهاجموا الأحياء الإسلامية وفتكوا بالمسلمين كما قامت الطائرات الحكومية بقصف المساجد وهذا ما جعل الأمم المتحدة تتدخل لوقف المجازر وترسل قوات للمحافظة على السلام لكن وعلى الرغم من وجود هذه القوات الدولية فقد كرر اليونانيون مجازرهم عام ١٩٦٧م وسقط المئات من المسلمين الأتراك صرعی برصاص النصارى اليونان تحت سمع وبصر القوات الدولية وتدفقت قوات اليونان على الجزيرة حتى بلغت أكثر من ٢٠ ألف جندي!

وثيقة سرية خطيرة!

وحتى نتبين مدى التآمر النصراني على المسلمين في الجزيرة لا بد من ذكر فحوى ما تضمنته الوثيقة السرية التي أعدها القبارصة اليونانيون عام ١٩٦٣ م باسم خطة «أكريتاس» لتنفيذها بالتعاون مع الجيش اليوناني والمطران مكاريوس لتصفية الجمهورية القبرصية هذه الخطة نشرها صحفي يوناني قبرصي يدعى «باتريش» تتضمن الوثيقة على الصعيد الخارجي:

- التأكيد على سلبية الاتفاقيات المعقودة مع الأتراك المسلمين تمهيدًا لإلغائها بموافقة عالمية.

- حين إلغاء الاتفاقيات فإن شعب قبرص أغلبيته نصرانية، سيفرض إرادته بنفسه.

- من السهل على البوليس الدولي وبعض القوات الجوية الصديقة منع أي تدخل خارجي لأننا سنكون في ذلك الوقت مستقلين تمامًا.

أما على الصعيد الداخلي فتتضمن «خطة أكريتاس» الأمور الآتية:

- إعلان اتحاد قبرص مع اليونان قبل عملية التشكيك في الاتفاقات وقبل سحق المقاومة التركية.

- ارتكاب مجازر ضد المسلمين الأتراك.

كفاح المسلمين

ناضل المسلمون الأتراك حتى عام ١٩٧٤م ضد الخطط التآمرية اليونانية والتي أنشئ لتنفيذها منظمات سرية تحت قيادة الوزراء القبارصة اليونانيين ورؤسائهم في الوقت الذي كانت فيه القرى الإسلامية تُدمر ويزداد عدد المهجرين من المسلمين وظلوا يكافحون حتى نفدت المواد الغذائية والمحروقات ولم تعد تصل للمسلمين أية إمدادات بينما كانت الإمدادات تتدفق على القبارصة اليونانيين بكميات كبيرة.

الإطاحة بمكاريوس

في ١٥ يوليو ١٩٧٤م أبعد مكاريوس عن الحكم وتولى «كبريانو» حكم الجزيرة لا لأن مكاريوس كان ضد الاتحاد مع اليونان بل لأنه كان ملكيًا وضد  التشريع اليوناني في أعقاب تولي العسكر الحكم في اليونان والإطاحة بملك اليونان مما دفع القوات التركية بعد خمسة أيام من الانقلاب على احتلال 40% من مساحة الجزيرة خوفًا من فرض الوحدة القبرصية اليونانية وتذويب المسلمين ولو أن تركيا أخرت تدخلها العسكري لما كان هناك أي مسلم تركي لتنقذه بعد فترة وجيزة! وقد جاء التدخل التركي في الجزيرة تطبيقًا للمادة الرابعة من اتفاقية إنشاء دولة قبرص حيث تؤكد المادة المذكورة ما يلي:

يحق لأي طرف من الأطراف الثلاثة الموقعة «اليونان، تركيا، بريطانيا» التدخل إذا حدث إخلال بنصوص الاتفاقية. وهو التزام لم تحترمه اليونان قطعًا.

عودة مكاريوس

عاد مكاريوس إلى حكم الجزيرة بعد خمسة أشهر تقريبًا من مغادرته لها محاولًا اتباع سياسة جديدة لكن أنى للزمن أن يعود إلى الوراء فقد سبق السيف العزل وذهبت تصريحات مكاريوس في ١٧ فبراير ۱۹۷۷م أدراج الرياح حيث أعلن مكاريوس في حينها استعداده للاستقالة فور توقيع اتفاق يضمن تعايش الطائفتين اليونانية والتركية في قبرص في إطار دولة موحدة مستقلة وتوفى مكاريوس في أغسطس عام ۱۹۷۷م تاركًا حكم الجزء القبرصي اليوناني لنائبه سبيروس كبريانو الذي لم تختلف سياسته عن سلفه مكاريوس فكان لا بد للقضية القبرصية أن تبقى معلقة تدور في حلقة مفرغة.

مواقف مخزية!

ومنذ دخول الجيش التركي إلى الجزيرة والقضية القبرصية تنتقل بين أروقة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وسط صيحات خادعة من جانب اليونانيين القبارصة وقد لقي الصراخ اليوناني القبرصي وللأسف آذانًا صاغية من بعض البلدان العربية والإسلامية التي وقفت مواقف مخزية إلى جانب القبارصة اليونان ناسين إخوتهم في الدين والعقيدة وما تعرضوا له من مذابح على مدى سنوات على يد القبارصة اليونان.. وكان لا بد للقبارصة الأتراك من التمسك بحقوقهم كاملة ومن هنا كان إعلان الاستقلال في ١٥ نوفمبر ۱۹۸۳م بعد تسع سنوات من التدخل التركي لنصرة مسلمي الجزيرة.

نتيجة حتمية

إن إعلان القبارصة الأتراك لاستقلالهم كان نتيجة حتمية للسياسة اللامسؤولة التي اتبعها القبارصة اليونان طيلة السنوات الماضية والقائمة على عملية سحق المسلمين وإعلان الاتحاد مع اليونان ومن حق القبارصة الأتراك أن يصونوا حقوقهم ويدافعوا عن وجودهم. ويقفوا سدًا منيعًا في وجه الخطط التآمرية التصفوية التي تستهدف أول ما تستهدف دينهم وعقيدتهم. وكما قال الزعيم القبرصي التركي «رؤوف دنكتاش» في بيان الاستقلال مخاطبًا القبارصة الأتراك.

«لقد بدأت اليوم مرحلة جديدة فلتعيشوا ورؤوسكم مرفوعة» على أننا لا نرى بدًا من دعوة المسلمين الأتراك في قبرص إلى استلهام تاريخهم الإسلامي في مواجهة العدو الصليبي لكي يتمكنوا بإذن الله من إعادة الوجه الإسلامي لقبرص بعد أن يتم سحق المعادلة الصليبية في هذه الجزيرة التي كانت بقسميها ملكًا للمسلمين عبر قرون  التاريخ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل