; في المواجهة مع الهند -هل تدفع باكستان ثمن التقارب مع أمريكا؟ | مجلة المجتمع

العنوان في المواجهة مع الهند -هل تدفع باكستان ثمن التقارب مع أمريكا؟

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002

مشاهدات 63

نشر في العدد 1484

نشر في الصفحة 26

السبت 12-يناير-2002

تصاعدت حدة التوتر بين الهند وباكستان وسط تكهنات باشتعال مواجهة عسكرية يمكن أن تتحول إلى حريق يشعل منطقة جنوب آسيا بكاملها. 

جاءت الحشود العسكرية الهندية الأخيرة إثر اتهام نيودلهي لإسلام آباد بإيواء متهمين بالتفجيرات التي تعرض لها البرلمان الهندي في 13 ديسمبر الماضي، ورغم أن إسلام آباد نفت الاتهامات غير أن نيودلهي أغلقت خيارات التفاهم وحركت حشودها العسكرية إلى الحدود.

التوتر الهندي - الباكستاني الجديد يضع حدًّا لفترة صفاء قصيرة أعقبت تفجيرات ۱۱ سبتمبر في نيويورك وواشنطن بسبب تقارب باكستان مع الولايات المتحدة وتأييدها في الحملة على أفغانستان، غير أن الصفاء المؤقت لم يدم طويلًا، فعمق الخلافات بين الهند وباكستان من القوة بحيث لا يصمد أمام الأحداث، كما أن تقاسم التأييد للحملة الأمريكية لم يمر عبر تسوية الملف الشائك الذي يفرق بين البلدين والمتعلق بالقضية الكشميرية، وهي قضية يعني القفز فوقها السقوط في أتونها.

ويبدو أن باكستان ابتلعت الطعم الأمريكي دون أن تضع في الحساب ثوابت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وهي ربما فهمت أن تقارب واشنطن منها والإقدام على بعض الإجراءات التي من شأنها إعلان عودة الثقة، مثل تصفية الديون والاعتراف بالنظام العسكري -بعد أن كانت واشنطن تضغط عليه إثر انقلابه على نظام نواز شریف قبل نحو عامين- وغيرها من الخطوات، ربما كانت باكستان فهمت أن الولايات المتحدة أحدثت تحولًا جذريًّا في مواقفها نحوها، بينما واقع الحال أن واشنطن أجلت الضغوط دون أن تلغيها.

فمنذ عقد تقريبًا حددت واشنطن سياستها إزاء باكستان في لجم قوتها العسكرية والحيلولة دون تطوير قدراتها القتالية، وظهر في دوائر القرار الأمريكية مصطلح القنبلة الإسلامية النووية، الذي بدأ يشكل هاجسًا للسياسة الأمريكية في المنطقة، وكان أبرز عناصر هذه السياسة دعم التسلح الهندي، ودفع نيودلهي للتقارب أكثر مع الكيان الصهيوني الذي أصبح حليفًا استراتيجيًّا للهند.

وإذا كان تاريخ الصراع بين الهند وباكستان هو تاريخ المشكلة الكشميرية المستمرة، فهو أيضًا تاريخ الدور الأمريكي واليد الصهيونية في شبه القارة الهندية وجنوب آسيا. فخلال الحرب الباردة ١٩٤٧ - ۱۹۹۰م راهنت الولايات المتحدة على باكستان كحصن منيع ضد امتداد الشيوعية جنوبًا، وازداد الدور الباكستاني أهمية مع الغزو السوفييتي لأفغانستان واستفادت إسلام آباد من التحالف مع الأمريكيين في المجالات العسكرية والمالية والاقتصادية، مقابل استفادة الهند من تحالفها مع الاتحاد السوفييتي السابق في حربها ضد كشمير وباكستان، غير أن سقوط الاتحاد السوفييتي حول بندول الساعة في واشنطن، لأن باكستان لم تعد ضرورية بعد زوال الخطر الشيوعي، ولأنها كانت ماضية في تطوير قدراتها النووية، فأخذت واشنطن تعترض على التسلح النووي الباكستاني وتلوح بالعقوبات الاقتصادية والتجارية، وأوقفت تنفيذ صفقة طائرات حربية كانت باكستان قد دفعت ثمنها.

ولعب الكيان الصهيوني دورًا في تكييف السياسة الأمريكية نحو باكستان والتحول إلى التركيز على الهند، خاصة أن هناك علاقات مشتركة بينهما تمتد إلى النصف الثاني من سنوات الأربعينيات إذ اعترفت الهند بالكيان الصهيوني بعد ثلاثة أشهر فقط من الإعلان عنه.

ويختصر باحث هندي الأهداف المشتركة بين تل أبيب ونيودلهي في مقال كتبه عام ١٩٩٣ في عنصرين:

- أن للبلدين مصلحة مشتركة في التعاون لمواجهة الأصولية الإسلامية، وهو شعار يلقي ترحيبًا في نفوس السياسيين الهنود، خصوصًا وسط زعماء التطرف الهندوسي الذين طالبوا دائمًا بعلاقات قوية مع الحكومة الصهيونية، ولا يخفي هؤلاء إعجابهم بطرد الصهاينة للفلسطينيين من أرضهم، ووجوب اتباع نفس السياسة إزاء مسلمي الهند وكشمير.

- يرى الكيان الصهيوني أن باستطاعته تجنيد الهند للإسهام في دعم مخططاته بعيدة المدى في احتواء المد الإسلامي وتوجيه العالم الإسلامي نحو اعتماد سياسة يقبل بها الغرب ويرضى عنها الكيان الصهيوني.

وقد سبق لرئيس الوزراء الصهيوني المغتال إسحاق رابين أن أعلن في ١٩٩٣م أن أكبر خطر يواجه الطرفين يتمثل في الأصولية الإسلامية، وأشار إلى أهمية دور الهند في وقف انتشار الأصولية الإسلامية التي تدعمها وتغذيها باكستان. وكشف عميل الموساد السابق فيكتور إستروفسكي صاحب كتاب «عن طريق الخداع» أنه رافق في عام ١٩٨٤م وفدًا من الخبراء الهنود إلى تل أبيب لتبادل معلومات حول القنبلة النووية، وذكرت صحيفة جويش كرونيكل في شهر مايو ۱۹۹۸م أن الكيان الصهيوني عبر عام ۱۹۸۸م عن استعداده لضرب المفاعل النووي الباكستاني، كما فعل مع المفاعل العراقي عام ١٩٨١م، لكن الحكومة الهندية تخوفت من الانعكاسات السلبية من تلك الضربة، خصوصًا أن الجيش الصهيوني طلب استخدام قاعدة عسكرية هندية.

وكانت باكستان محط أنظار الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بسبب اختراقها جدار الاحتكار النووي وبناء تجربة رائدة في هذا المجال، وظهر الوزن النووي لإسلام آباد عام ۱۹۹۸م حين قامت بخمسة تفجيرات نووية، ومنذ تلك الفترة اشتدت حولها الضغوط لتوقع معاهدة الحد من التسلح النووي، غير أنها كانت ترفض التوقيع ما لم توقع الهند.

هل تبدأ حرب رابعة؟

هذه الخلفية التاريخية للعلاقات المضطربة بين باكستان والهند والتورط الصهيوني في الملف الكشميري والتسلح الهندي، تضيء جانبًا من المخاطر المحدقة بالمنطقة، ومن المؤكد أن اشتعال وقود الحرب بين دولتين تمتلكان السلاح النووي لا يعني الشيء القليل، فالحرب في هذه الحالة قد تعني الكابوس النووي، غير أن الحشود الهندية والتلويح بالحرب، حتى وإن نجحت الجهود الدبلوماسية في ثني البلدين عن خيار المواجهة، ربما تدفع إسلام آباد إلى مراجعة حساباتها، فقد قام برويز مشرف مؤخرًا بزيارتين للصين في أوج التصعيد مع الهند. وتُعد الصين حليفًا قويًّا لباكستان، وكانت بكين قد انزعجت من التقارب الباكستاني الأمريكي الأخير، وبهذه الزيارة ربما تكون باكستان قد بدأت مراجعة حساباتها الإقليمية والاستراتيجية، ويبدو أن مقولة «التاريخ يعيد نفسه» تجد تطبيقها هذه الأيام في باكستان، فقد تخلت عنها الولايات المتحدة بعد اندحار الشيوعية، واليوم تجد نفسها في أتون التحالف الهندي - الصهيوني بعد القضاء على طالبان، لقد دفعت الثمن مرتين.

الرابط المختصر :