العنوان منظمة التجارة الدولية هدفها خلق تيار مالي ذي اتجاه واحد لتفريغ ثروات الجنوب في دول الشمال
الكاتب أحمد عبدالفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1380
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 14-ديسمبر-1999
قرارات المؤتمر كانت تتخذ في غرف خلفية يمنع من دخولها مندوبو الدول الفقيرة
بعض الدول لم يجد مندوبوها وسيلة للتعبير عن احتجاجاتهم على سياسات المؤتمر سوى الضرب على الطاولات
أصبح أمرًا ثابتًا واعتياديًا أن تتناقض النصوص النظرية مع التطبيقات العملية في أعمال المنظمات الدولية، من قبيل منظمة التجارة العالمية، بغض النظر عن وجود نصوص عديدة تنطوي أصلًا على إجحاف شديد، للطرف الأضعف في الأسرة الدولية حتى وصلت نتائج الاستغلال التجاري والاقتصادي والمالي إلى مستوى لا يفسح المجال للمزيد، ومع ذلك لا يبدو أن المطامع الاستغلالية تريد الوقوف عند حد.
ولا بد أن تولد الضغوط ردود فعل في يوم من الأيام، وقد تتخذ ردود الفعل شكل انفجار في العلاقات الدولية، ولا ريب في أن المظاهرات التي رافقت مؤتمر التجارة الدولية الذي اختتم أعماله الأسبوع الماضي في سياتل بالولايات المتحدة والتي جرى تشبيهها بما سمي ثورة الطلبة الأمريكيين في أواخر الستينيات الميلادية، تمثل مؤشرًا خطيرًا في ذلك الاتجاه.
بين النظرية والتطبيق
المبادئ التي قامت عليها منظمة التجارة الدولية تحمل عناوين مغرية، وتبدو متوازنة عادلة للوهلة الأولى، كدعوتها إلى عدم التمييز في التعامل التجاري بين الدول، لكن هذا المبدأ تقابله سياسات المقاطعة الاقتصادية التي يمارسها الأمريكيون أكثر من سواهم، كما يقابله التمييز الأخطر بكثير في تعامل الدول الصناعية فيما بينها على صعيد رفع الحواجز التجارية والجمركية، وتعامل هذه الدول الصناعية مجتمعة ومنفردة مع الدول النامية وقد أصبح تعاملًا أشبه بشارع ذي اتجاه واحد، ومن الأمثلة العديدة على ذلك أن جولة أوروغواي التي استغرقت ثمانية أعوام وأسفرت عن تأسيس منظمة التجارة العالمية، أقرت سلسلة من الأنظمة والقواعد المتعلقة بتخفيض الرسوم الجمركية والضرائبية على سلسلة من المنتجات الصناعية التي تهم البلدان المنتجة في الشمال أكثر من سواها، بينما اقتصر الإجراء المقابل تجاه الدول النامية، والذي يعني فتح الأسواق الاستهلاكية أمام منتجاتها الرئيسية كالمنسوجات والمواد الزراعية على وعود لم يتحقق منها ما يستحق الذكر، وهذا مما جعل رئيس المنظمة مايك مور يدعو بإلحاح لفتح أسواق البلدان الصناعية أمام ٤٠ دولة نامية فقيرة، ولم يجد أثناء مؤتمر سياتل سوى وعود جديدة من جانب الأمريكيين والأوروبيين.
وأصبحت الدول الصناعية تبتكر ألوانًا من الحواجز التجارية الجديدة في وجه المنتجات من الدول النامية، كبديل عن القليل الذي تتخلى عنه في مؤتمرات دولية كمؤتمر سياتل، ومثال على ذلك أن الولايات المتحدة أخضعت استيراد المنسوجات لما يسمى قانون مكافحة الأسعار المنخفضة، أي رفض السماح لتلك المنسوجات المستوردة أن تباع بأسعار شراؤها في الأسواق العالمية، فتنافس المنسوجات الأمريكية في عقر دارها، ومثل هذه الإجراءات يسري على بقية البلدان الغربية التي رفضت تخفيض الرسوم الجمركية على المنسوجات إلا على المدى البعيد بحدود ١٥ عامًا، رغم أن هذا القطاع كان كالقطاع الزراعي من المصادر الرئيسة للحياة الاقتصادية في الدول النامية خلال العقود الثلاثة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية.
وليس مجهولًا ما شهده قطاع النفط من رفع نسبة الضرائب المفروضة إلى أكثر من ٦٠٪ مقابل كل انخفاض في أسعاره، على حساب الدول المنتجة له.
إن رفع أسعار الصادرات من الدول الصناعية من جهة وتخفيض الرسوم الضريبية والجمركية عليها في الدول النامية من جهة أخرى علاوة على التسهيلات الكبرى في وجه الاستثمارات الأجنبية -التي تعتبر العمود الفقري لموجة العولمة الاقتصادية والمالية الراهنة- يعني في النهاية نقل الثروات من الجنوب إلى الشمال، بصورة مطردة، وبحجم بات يعادل أضعاف ما كان في العهود الاستعمارية السابقة.
وهذه الممارسات التطبيقية تتناقض مباشرة مع مبدأ آخر من مبادئ منظمة التجارة العالمية يحمل عنوان «مبدأ التبادلية» ويرتبط بضرورة التوازن بين إجراءات تحرير التجارة الدولية حسب قول المنظمة.
اضمحلال الأمل في المؤتمرات الدولية
صحيح أن المنظمة لا تجبر دولة من الدول على الانضمام إليها، وفيها حاليًا زهاء ١٣٥ دولة، ولكن الدول الباقية خارج إطارها يمكن أن تواجه ما يشبه العزلة التجارية، وارتفاع الحواجز في وجه صادراتها، فلا يبقى للدول النامية واقعيًا، سوى القبول بإجحاف النظام القائم داخل نطاق المنظمة الدولية بدلًا من الإجحاف الأكبر إذا بقيت خارجها، وكان من نتائج السنوات الخمس الماضية أن هبط حجم صادرات الدول النامية بنسبة ٧٪ وتراجعت أسعار المواد الأولية بما يعادل ١٥٪ مقابل تحقيق مردود مالي إضافي لصالح البلدان الصناعية بحجم ٣٠٠ مليار دولار خلال الفترة نفسها، وليس صحيحًا ما يتردد أن ضعف الدول النامية هو الذي يجعلها عاجزة عن تحقيق نمو اقتصادي أو أن تحتل موقع قدم في حركة التجارة الدولية، بل يعود ذلك إلى عدم التوازن في النظام الاقتصادي العالمي، وهو بعض ما كشفت عنه دراسة قامت عليها هيئة الأمم المتحدة للتجارة والتنسيق وأكدت في حصيلتها أن فتح أسواق البلدان الصناعية أمام منتجات البلدان النامية يمكن أن يحقق لها عائدات تصل خلال ست سنوات إلى حجم ۷۰۰ مليار دولار سنويًا، أي ما يوازي زهاء نصف الديون الخارجية التي تثقل كاهلها.
لم توضع القرارات التي كان يمكن أن تعود ولو بقليل من الفائدة والعائدات المالية على الدول النامية موضع التنفيذ، وهو ما دفع كثيرًا من الدول النامية إلى الإصرار على عدم القبول بالتزامات جديدة، كالوفد المصري في المفاوضات التحضيرية في جنيف الذي أكد رسميًا لن نقبل بإدراج مواضيع جديدة لتحرير التجارة قبل وضع القديمة موضع التطبيق والتصحيح.
والتناقض بين النظرية والتطبيق هو الذي يطرح السؤال عما إذا كانت مؤتمرات دولية من قبيل مؤتمر سياتل الأخير قادرة على إحداث تغيير إيجابي لصالح الدول النامية، وقد كشف المؤتمر نفسه عن أسلوب التعامل مع القضايا المطروحة عليه، بحيث لا تستطيع الدول النامية التأثير على نتائجه أصلًا، إلى درجة جعلت جورج ويليامز من وفد جمهورية الدومينكان يقول بوضوح: «نحن لا نملك تأثيرًا كبيرًا على مجرى المحادثات، وحضرنا لمجرد السعي للمحافظة على مصالحنا المتواضعة.
سياسة الهيمنة المتعجرفة
وسبب العجز عن التأثير في نظر راينر إنجلز من منظمة «مرصد ألمانيا» لحقوق الإنسان هو أن القرارات كانت تؤخذ في إطار مجموعات صغيرة من الأفراد من الدول الصناعية، في مكان ما في الغرف الخلفية، يدعو إلى اللقاء فيها أشخاص محددون، وقد حاول وزير التجارة من غانا دخول إحدى هذه الغرف ومنع من ذلك، لا يمكن فهم ما حدث، ولا أن تكون المفاوضات على هذا النحو في الأمم المتحدة.
بل بلغ الأمر برئيسة المؤتمر الأمريكية أنها كانت تستغل صلاحياتها، فتمنع مندوبي الدول الفقيرة من المشاركة في المناقشات الدائرة حول القطاع الزراعي، فلم يعد يملك المندوبون أكثر من الاحتجاج بالضرب بأيديهم على الطاولات التي يجلسون وراءها، كتلاميذ المدارس على حد تعبير أحد المراسلين الصحفيين، ولا غرابة إذن أن يقول وزير خارجية جويانا، كليمنت روهي: «إن الدول النامية تشك في وجود اتفاقيات يجري الإعداد لها وستجد نفسها أمام أمر واقع في اللحظة الأخيرة»، وطالب بالاطلاع على ما يجري في أروقة المباحثات ووصل الأمر برئيس المفاوضين من الاتحاد الأوروبي بسكال لامي إلى درجة القول بصراحة نادرة في العرف الديبلوماسي: «إن تنظيم المؤتمر كان على مستوى العصور الوسطى».
ومع ذلك فلا ريب أن مجرى المؤتمر تأثر بالأجواء التي صنعتها الاحتجاجات في الشوارع بغض النظر عن دوافع الفئات المختلفة المشاركة فيها، كتلك التي تمثل المزارعين الأوروبيين وتعارض انطلاقًا من مصالحها الذاتية فتح الأسواق الاستهلاكية أمام المنتجات الزراعية الأمريكية ومن الدول النامية على السواء، وهو ما أعرب عنه مايكل تراسي مدير رابطة المزارعين الأيرلنديين بقوله: «يجب تقديم المساعدة للبلدان الفقيرة، ولكن الأولوية تبقى لمصالح من نمثلهم».
لقد ظهرت الولايات المتحدة في مؤتمر سياتل في مظهر الدولة التي تمارس سياسة إمبريالية اقتصادية، على حد تعبير ممثل المفوضية الأوروبية جون ريتشاردسون، معلقًا على الأسلوب الذي اتبعه كلينتون في مطالبته بحظر تشغيل الأطفال كأحد المعايير للتعامل التجاري الدولي، بمعنى حظر استيراد المنتجات التي يتم تصنيعها بمشاركة الأطفال والناشئة في البلدان النامية، وقد اقترنت المطالبة بالتهديد بالعقوبات الاقتصادية، بصورة تعبر عن عجرفة سياسية واضحة، أو تعبر عن تجاوز العرف السياسي في التعامل الدولي، ويقول ريتشاردسون بشأنه نحن لا نستطيع أن نقول للدول النامية كيف تحكم نفسها، ولكن للأسف هذا هو تمامًا ما تحاول واشنطن القيام به ونحن لا نقبله، ومضى وزير الاقتصاد الألماني فيرنر مولر إلى القول: «إن الموقف الأمريكي كان متصلبًا والتحضير للمؤتمر كان سيئًا».
هيمنة العولمة الأمريكية
وسبق لرئيس الوزراء الفرنسي قبل انعقاد المؤتمر أن أعلن بصورة مباشرة: «لن نقبل بأن تفرض واشنطن على سواها مواضيع المفاوضات إن العولمة لا تعني الاحتكام لشرعة الغاب»، وهو لا يقصد المجال الزراعي فقط، فالسياسة الفرنسية تقاوم بصورة خاصة العولمة الثقافية التي بدأت تتسرب عبر منظمة التجارة الدولية أيضًا، بحجة رفع الحواجز الجمركية والتجارية -وحواجز القيم أيضًا- تجاه المنتجات الفكرية والثقافية والفنية وما دار في فلكها، مع ملاحظة ما يعنيه ذلك من إخضاع هذه القطاعات لتحكم قوة المال في أسواق التصريف، إلى درجة تدفع الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى التحذير من خطر الهيمنة الثقافية الأمريكية على الثقافة الفرنسية والأوروبية، وهذا رغم أنها تستقي إلهاماتها وأساليبها المنحرفة من معايير ومقاييس مشتركة، فماذا عن الدول النامية لاسيما الإسلامية منها!
علاوة على الخلاف الشديد مع الأوروبيين بشأن المنتجات الزراعية التي تتلقى أكبر قدر من الدعم المالي من جانب الحكومات، وهو ما بدأ منذ عشرات السنين فأغلق أسواق البلدان الصناعية أمام المنتجات الزراعية من الدول النامية، وقضى عليها وعلى الأمن الغذائي فيها بمرور الزمن، بالإضافة إلى ذلك تبنت واشنطن سلسلة من المطالب لرفع الحواجز في وجه مزيد من المنتجات التي تهم الشركات الأمريكية أولًا، كما هو الحال في قطاع الكيماويات وأدوات الزينة والأجهزة الطبية والتجارة الشبكية، كما تبنت بإلحاح شديد الأخذ بإجراءات تعتبر تكميلية في توفير ما يكفي من الأسباب لاتخاذ إجراءات الحماية من جانبها تجاه المنتجات من الدول النامية، وهو ما يمكن أن يجد طريقه إلى التطبيق بالأساليب الأمريكية التي أصبحت تقليدية، سواء من حيث الانتقائية والازدواجية في تطبيق المعايير، أو من حيث اللجوء إلى فرض ما تريد من موقع الأقوى اقتصاديًا بأساليب الحصار والمقاطعة المحظورة في نصوص القانون الدولي في الأصل، فطالبت بوضع معايير ملزمة على صعيد تشغيل الأطفال، وحرية العمل النقابي، وحماية البيئة من التلوث، رغم أن هذه المواضيع في الأصل من اختصاص منظمات دولية أخرى، ولكنها عارضت بالمقابل ما يريده الأوروبيون تحت عنوان قواعد للمنافسة في الأسواق العالمية وأسواق الاستثمارات المالية، والذي يریدون به مواجهة تأثير العولمة المالية على بلدانهم في الدرجة الأولى.
البحث عن بديل
إخفاق مؤتمر سياتل في تحقيق الرغبات الأمريكية والأوروبية على حساب الدول النامية، لا يعني عدم تحقيقها في جولة مفاوضات تالية، إذا استمرت مواقف الدول النامية على النحو الراهن، ولم تستفد من الأجواء الجديدة التي ساهمت في نشأتها المظاهرات والاحتجاجات العنيفة في شوارع المدن الغربية، يقول يوش كونان -عضو وفد زيمبابوي-: «عندما يتظاهر خارج المؤتمر عشرون ألف إنسان يمكننا نحن الأفارقة أن نحتج داخل المؤتمر، لقد اجتمعت الضغوط من الداخل والخارج وأدت إلى انهيار المؤتمر، وكان هذا جيدًا وإلا لكان الوضع المحتمل أن نصل إليه هو أن تقوم بضع دول بإملاء القواعد الملزمة تجاريًا دون مشاركة إفريقية، ثم تصبح الدول الإفريقية مجبرة على اتباعها، ولهذا فقد كان إخفاق المؤتمر جيدًا»، ويتفق مع هذا التقويم قول نوكو كونا ممثل منظمة الوحدة الإفريقية: «لا يستطيعون إسكاتنا، هذه فضيحة، لا تجري مناقشات منطقية، لا شيء يتبدل، إننا نضيع وقتنا».