; رمضان ليس لهذا.. كثرة الطعام | مجلة المجتمع

العنوان رمضان ليس لهذا.. كثرة الطعام

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2007

مشاهدات 73

نشر في العدد 1769

نشر في الصفحة 42

السبت 15-سبتمبر-2007

■ لو ادخر الصائمون ثمن الوجبة المتوافرة في رمضان وأنفقوا ثمنها على الفقراء والمساكين لكانت النتيجة عجبًا.

هل تخيلت أو رأيت مصنعًا كبيرًا يعمل ليل نهار لا يتوقف عن عمله طرفة عين تدور آلاته وأجهزته المعقدة كلها بلا استثناء وتعمل وحدها بانتظام وإتقان كما أراد صانعها، دون شكوى أو ضجيج أو ملل ؟! وهل سمعت عن شاحنة تسير على الأرض، أو طائرة تشق السحاب، أو سفينة تمخر في البحر طول الحياة بلا توقف ؟

 لا تتعجب فهكذا خلق الله تعالى الإنسان، خلقه بجسم معجز وأجهزة دقيقة، جعلها مسخرة لخدمة الإنسان لا تتوقف عن عملها المقدر لها، وأودع في ذلك الجسد الضعيف روحا هي سر الحياة لا يعلم كنهها إلا هو سبحانه ولا تنفصل عن أي بدن إلا بالموت.

لذا فقد أمرنا بالمحافظة على صحة تلك الأجسام وسمو تلك الأرواح، وأن نجعل لها محطات تنقية ووقود على مدار العام في مناسبات مختلفة حتى تستطيع مواصلة السير في رحلة الحياة، وفيها تشحذ الهمم وتسمو الأرواح، ويثبت الإيمان ويزيد اليقين، وتزكو النفس وتصفو، ومن أهم تلك المحطات وأكدها وأفضلها على الإطلاق... شهر رمضان المبارك

لعلكم تتقون

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(البقرة:١٨٣) 

لقد شرع الله تعالى الصيام علينا لحكم كثيرة وفوائد جليلة. وإن لم يكن فيه غير التعبد لله المنعم بالحياة الواهب للصحة والمال والمطعم والمشرب لكفى بذلك حكمة ولو لم يكن إلا راحة بطوننا وأجسادنا من العمل الدؤوب طوال العام بلا توقف لكفتنا فائدة، فما بالنا إن أضيف إلى ذلك تهذيب الروح وتأديب النفس وكبح جماح الشهوات التي جبل الإنسان عليها ابتلاء وتمحيصاً؟ 

وللأسف فإن بعض الناس يظن أن شهر رمضان يعني كثرة الأكل وتنوع الطعام خاصة عند الإفطار، وظنوا أن الصيام طوال النهار ربما يكون شفيعاً لهم في الإسراف في تناول والتهام كميات كبيرة منه، بل وربطوا شهر الصبر بأنواع خاصة من المأكولات هي في الأصل ثقيلة على المعدة أيام الإفطار فما بالنا مع الصيام، وقد جعلوا بينه وبينها علاقة وثيقة فتحولت إلى عادات لا يستطيعون البعد عنها أو الفكاك منها !! حتى أصيبت بطوننا بالتخمة وأجسادنا بالسمنة والترهل وعظامنا بالهشاشة من ثقل البدن الملقى على كاهلها فحلّت بنا الأمراض المختلفة، وأصيبت تلك الأسر بداء الإسراف الممقوت والترف المذموم، والنتيجة غير ما ذكر هي الحساب من الله تعالى على ذلك، في يوم عظيم آت لا ينفع فيه مال ولا زوج، ولا أهل أو بنون.

الاقتصاد نصف المعيشة

إن المرأة مسؤولة أمام الله عز وجل عن كل ما تعمل، وعليها يقع العبء الكبير في القيام بشؤون الأسرة من حيث ترشيد الإنفاق على ما يلزمها من طعام وشراب وغيره، وهذا جزء من تلك المسؤولية التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:« والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم »(متفق عليه).. لذا فقد ذكرنا الله تعالى بالواجب في هذه الحال فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:٣١).

 قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة.

فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلاً وشرعاً، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس (1)

أما رب الأسرة وقيمها «الرجل» فهو الآخر مسؤول، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم» «متفق عليه» فعليه أن يعين زوجته على ما يصلح الأسرة ولا يوقعهم في الإسراف، لذا فلا ينبغي أن يطالبها بكل أنواع الطعام ويلومها إن لم تفعل، وقد قال رسول الله ﷺ: «من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت»« ابن ماجه».. وهناك من الأزواج من يظن أن ذلك واجب على المرأة، ويفتعل الخلافات والمشكلات مع زوجته إن لم توافقه، بل ويكلفها فوق طاقتها ويثقل عليها بضيوفه الذين قد يستضيفهم طوال الشهر الفضيل وتكون النتيجة أن تمكث المرأة طيلة الشهر المبارك مصاحبة لمطبخها نهارًا ومنهكة القوى ليلًا: مما يضيع عليها فرصة اغتنام ليالي رمضان التي لا تعوض.

وحجة الجميع أن تفطير الصائمين له أجر عظيم، نعم له أجر عظيم لكن الإسراف مذموم، لأن من وراء أي إسراف حقًا مضيعا والاقتصاد والتوسط مطلوب في كل الأحوال، وإفطار الصائم يحصل بلا عظيم تكلف، يحصل ولو على مزقة لبن أو جرعة ماء، كما علمنا رسولنا ﷺ.

 فهلا رأف الزوج بزوجته فلم يرهقها ؟ وهلا أعفت الزوجة زوجها من إسرافها وتبذيرها فلم تفلسه؟ وهلا اتخذ معًا شعارًا من قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ ( الفرقان: 67). ومن قوله ﷺ دواء لهما: ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه(رواه الترمذي).

ولا تسرفوا

المرأة المسلمة لا تسرف في الوقت الخاص بإعداد الطعام عامة وفي رمضان خاصة، ولا يكون رمضان بالنسبة لها موسمًا للتباري في صنع الأنواع المختلفة من الأطعمة، بل تعد منه حاجتها في أسرع وقت، وتحذر الغرق في بحر الإسراف الذي تعددت ألوانه، ومن ذلك:

الإسراف في وقت التسوق الذي  يترتب عليه الانشغال عن الأوراد القرآنية والأذكار اليومية.

الإسراف في الوقت المحدد لطهي الطعام، والانشغال بتجهيزه وقت الإفطار ووقت السحور فتضيع الأوقات الفضيلة حيث ساعة الإجابة والدعاء.

الإسراف في عمل كميات وأنواع مختلفة من الطعام فوق حاجة أفراد الأسرة وتكون النتيجة إلقاء ما يتبقى من طعام في الفضلات، وكان الأولى بها جارًا أو مسكينًا أو فقيرًا، أو أكلها في اليوم التالي. 

الإسراف في ترتيب مائدة الإفطار الذي ينتج عنه تأخير صلاة المغرب، بحجة إطعام الضيوف أو أفراد الأسرة. 

الإسراف في تناول الطعام وقت الإفطار وتناول الحلوى بعده حتى التخمة وما يتبع ذلك من خمول وتكاسل عن أداء صلاة التراويح.

قيل في قلة الأكل.. وكثرته (1).

 قال تعالى:﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن طاعة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه من القيام الواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه.. 

وقالوا: في قلة الأكل منافع كثيرة منها أن يكون الرجل أصح جسمًا، وأجود حفظًا، وأزكى فهمًا، وأقل نومًا، وأخف نفسًا.

• وفي كثرة الأكل كظ المعدة، ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة.

• ومن الإسراف.. الأكل بعد الشبع وقد قال لقمان لابنه : «يا بني لا تأكل شبعًت فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله»

 وقال (۲): يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.

•ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين رضي الله عنهما : ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل:﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال علي جمع رسول الله ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: «المعدة بيت الأدواء، والحمية رأس كل دواء، وأعط كل جسد ما عودته.. فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبًا(۳).

عملية حسابية بسيطة

إنها عملية بسيطة وسريعة يستطيع كل فرد أن يجريها في ذهنه ويخرج بالنتيجة في الحال.. لقد تعودنا منذ الصغر أن نأكل ثلاث وجبات في اليوم، والبعض القليل يأكل وجبتين فقط، أما في شهر رمضان فمن المتوقع أن يقل عدد الوجبات من ثلاث إلى اثنتين إحداهما خفيفة، وهي وجبة السحور ترى ماذا يحدث لو أن كل مسلم قدر ثمن تلك الوجبة التي يسقطها الصيام «الوجبة الثالثة» وهي الوجبة الزائدة في غير أيامه فادخر قيمتها ؟ فلو علمت كم عدد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وضربت ذلك العدد في متوسط الوجبة المتوافرة بالصوم لكانت النتيجة عجبًا، قد ندخل بثمنها الفرحة على قلوب كثير من الأيتام، وقد نطعم بها عددًا غير يسير من الفقراء، أو نكفل بها من لا عائل لهن من الأرامل، وقد نصل بها فقراء ومساكين ذوي رحم لنا، وقد .. وقد .. وقد .. لكن للأسف نستهلك في رمضان أضعاف ما نستهلكه في غيره، وهو شهر الجوع، وشهر الصبر ألا ترى أنها مفاهيم تحتاج لصياغة جديدة، وتصحيح جدي، ووعي ناضج ومعرفة حقيقية تعلم بها الحكمة العظيمة من الصيام، وتوقن تمام اليقين أن رمضان ليس لهذا الإسراف؟

-----------------------------

الهوامش

(1) الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية، ص ٩٥٦

(2) انظر: المصدر الأول.

الرابط المختصر :