; أشواق النصر وفتوحات رمضان | مجلة المجتمع

العنوان أشواق النصر وفتوحات رمضان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994

مشاهدات 67

نشر في العدد 1090

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 01-مارس-1994

أشواق النصر وأحلام الفوز وتوجهات الريادة تداعب أشجان الأمة في رمضان، وأعراس الفتح وأفراح السيادة، وأهازيج العزة تهدهد أفكار المسلمين في هذا الشهر الفضيل، فلأن أمة المجد وأمة الخلود تنكبت طريق السمو والريادة منذ زمن، وانحدرت عن منصة القيادة منذ سنين. ولأن أمة الجهاد والكفاح والرجولة تقاسمتها الجرذان وتناوشتها الذئاب وهي العزيزة الأبية، والكريمة الفتية، لهذا كان شوقها إلى ماضيها ومجدها عارمًا، وكان تطلعها إلى مكانتها وريادتها غامرًا. فلما جاء رمضان ليقص على مسامعنا قصص الرجال، ويروي في مجالسنا مواقف الأبطال، ويقرأ في صحائفنا آيات الفخار، أهاج النفس وأطار اللب وأثار الكوامن، فحلقت الأرواح ورفرفت الجوانح وتعانقت القلوب مع تلك الأزمان الخوالي، وهؤلاء الأبطال السوالف، وامتزجت الأجساد بالأجساد واتحدت المجالس بالمجالس، وأنصت الناس إلى أحاديث الرجال وأبصروا عزماتهم وصاحبوا مواقفهم، فكأنهم أُنشِئوا إنشاءً وتشكّلوا تشكيلاً آخر، تجمع بينهم الخلة، والمرء على دين خليله، ويربط بينهم الحب والوله، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

وأمثلة الصدق ونماذج الوفاء مؤثرة في الناس ومضيئة في الأمم ودافعة للشعوب ومنشئة للعمالقة، ومواقف الرجال والأبطال وثبات أصحاب المبادئ والعقائد، مفاتيح للمجد ومراقٍ للفلاح ووسائل للنصر. وفتوحات رمضان وغزواته ومواقف الأبطال الميامين فيه خير شاهد على ذلك، وما كانت موقعة بدر إلا ترجمة واضحة لدروس كثيرة حفظها التاريخ ووعتها الأيام لتظل تعمل عملها في روح الأمة المسلمة وعمق الشعوب المؤمنة. ومن هذه الدروس:

1. إن اتباع المنهج الصحيح والطريق القويم والسير على أمر الله هو الأسلوب الوحيد في انتشال الأمم من وهدتها ودفعها إلى الحياة الحقيقية للقلوب والعزائم وللأمم والشعوب. وصدق الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: 24، 25، 26).

2. الذي يجب أن يُعول عليه حقيقة وقبل كل شيء هو الإيمان الذي يقر في القلوب وتنطوي عليه الجوانح. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة : 249).

3- الثبات والصبر والاحتساب من عُدّة المؤمن في أوقات الشدة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ * وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (الأنفال: 45، 46).

4- البطر والعُجب والظلم من أسباب الزوال والاضمحلال ومدخل من مداخل الشيطان إلى النفوس لإغوائها وإفسادها وإهلاكها وتدميرها، وصدق الله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 47، 48).

5- الاستعداد النفسي والبدني والحربي من لوازم النصر والقيادة، وصدق الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60)، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247).

على هذا المنهج السليم وهذه الدروس العظيمة تربى الصحب المؤمن وتنشأت الفتية المؤمنة التي تجاهد في سبيل الحق، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وقد تعمق هذا وتمثل في رجال معركة بدر، وظهر جليا في مواقفهم في تلك الغزوة عند استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم حين جد الجد وظهر العدو معتزا بعدته وعدوه، مختالا بغروره وكبريائه بطرا ورثاء الناس، وغمطا للحق واتباعا للهوى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليّ أيها الناس» فنطقت الهمم قبل الألسن وتكلمت الطبائع قبل الأفواه، فقال المقداد بن الأسود: «يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون»..

ثم قال سعد بن معاذ: «يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله».

وبعد ذلك تنزل النصر وكانت الغلبة، وهل يقف أمام هؤلاء شيء؟؟ وهل أنت معي أننا في هذه الحالة التي نحن عليها الآن نشتاق إلى التأسي، كما نحتاج إلى العزة والنصر والفلاح، فهل يكون ذلك من فتوحات رمضان ونفحاته؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 40

84

الثلاثاء 22-ديسمبر-1970

وصية أم لابنتها.. عند زواجها

نشر في العدد 238

77

الثلاثاء 25-فبراير-1975

الصبر على الابتلاء