العنوان نكتة.. إلا أنها سخيفة! أنابوليس.. مؤتمر المفلسين الثلاثة
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 67
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 16
السبت 08-ديسمبر-2007
(*) المصدر: anti war.com
صحفي إسرائيلي ونائب سابق ومسؤول في حركة جوش شالوم (كتلة السلام)
اللاعبون الثلاثة يجلسون معًا على منضدة القمار مدعين أنهم سيبدؤون اللعب.. بينما لا يملك واحد منهم فلسًاً واحدا!
مثل كل المبادرات السياسية كانت بداية مؤتمر أنابوليس، طبقًا لكل المؤشرات، مجرد صدفة بدأت عندما كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يبحث عن موضوع جوهري لإحدى خطبه يحول بها الانتباه بعيدًا عن البلع ويدعو إلى التفاؤل فشله الذريع في كل من العراق وأفغانستان، على أن يكون بسيطاً وسهل البلع ويدعو إلى التفاؤل
ولسبب أو لآخر راقت فكرة عقد مؤتمر المجموعة من القادة لدفع عملية السلام «الإسرائيلي»- الفلسطيني لكاتب خطاب بوش.. فكرة اجتماع عالمي فكرة دائمًا جميلة، وتبدو مثيرة على شاشات التلفزيون وهي فرصة لالتقاط الصور ونشر التفاؤل ف نحن نجتمع.. إذن نحن موجودون وردد بوش الفكرة: مؤتمر لدفع عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين بدون أي تخطيط استراتيجي مسبق أو أي إعدادات أو استعدادات من أي نوع.. وهذا هو السبب في أن بوش لم يذكر أي تفاصيل، أو هدفًا واضحًا، أو جدول أعمال، أو مكان الاجتماع، أو قائمة المدعوين، مجرد اجتماع هلامي، وهذا وحده يشهد على غياب الجدية عن الموضوع برمته.
كان من الصعب الفكرة التي انطلقت فلقد تحدث الرئيس وقد بدأت المبادرة وهذا يذكرنا بالمثل الشهير مجنون القى حجرًا في الماء لا يستطيع ألف عاقل استرجاعه...
عندما أعلن عن الاجتماع أو المؤتمر أصبح مشروعًا مهمًا، وانهمك خبراء الأطراف المختلفة في دراسة الحدث غير المحدد كل يحاول أن يوجهه في الاتجاه الذي يفيد منه أقصى إفادة ممكنة.. بوش وكونداليزا رايس يريدانه حدثًا مؤثرًا ليثبتا من خلاله أن الولايات المتحدة تدفع السلام والديمقراطية بقوة، وأنهما يستطيعان أن ينجحا فيما فشل فيه هنري كيسنجر، وجيمي كارتر، الذي فشل في تحويل السلام الإسرائيلي المصري إلى سلام إسرائيلي فلسطيني، و بل كلينتون الذي فشل في كامب ديفيد الثانية..
فإذا نجح بوش فيما فشل فيه سابقوه الكبار، الا يصبح أعظمهم؟! أما إيهود أولمرت، فهو في أمس الحاجة إلى إنجاز مدو يغطي على فشله الذريع في حرب لبنان الثانية، ويريحه من قضايا الفساد التي تطارده والتي تربو على العشر... وطموحات أولمرت لا تنتهي وليس لها حدود. وعباس يحلم بأن يظهر لحماس وللجناح المتدين من فتح أنه يمكن أن ينجح فيما فشل فيه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حتى يصبح مقبولًا بين زعماء العالم ومساويًا لهم.. على أي حال، كان يمكن للمؤتمر أن يصبح عظيمًا وتاريخيًا لو لم تكن هذه الآمال مجرد أوهام، فلا أحد منهم يقف على أرض صلبة وليس لأحد منهم أي رصيد يعول عليه.
المفلسون الثلاثة
بوش أول المفلسين، ولكي ينجح في أنابوليس كان عليه أن يضغط بشدة وبكثافة على إسرائيل، ليجبرها على القيام بخطوات ضرورية تتمثل في: الموافقة على إقامة دولة فلسطينية حقيقية.
التخلي عن الضفة الغربية.
إعادة الحدود إلى الخط الأخضر عدا مقايضات قليلة من الأرض.
تسوية مشكلة اللاجئين،
ولكن بوش عاجز عن بذل أدنى مجهود أو القيام بأدنى ضغط على إسرائيل حتى لو رغب في ذلك. فقد بدأ موسم الانتخابات الرئاسية في أمريكا والحزبان الأمريكيان الرئيسان كلاهما يحرص على منع أي ضغط على إسرائيل، إرضاء للوبي الصهيوني وللمحافظين الجدد وأصدقاء إسرائيل الآخرين. وأولمرت أضعف من بوش فتحالفه مازال باقيًا فقط لأنه لا يوجد له بديل حاليًا، وهو يضم الكثير من العناصر الفاشية وشركاؤه هؤلاء يمنعونه من الوصول إلى أي تسوية مهما كانت ضئيلة... وقد قام الكنيست الإسرائيلي بتبني مشروع قرار بمنع أي تعديل في حدود القدس الكبرى إلا بموافقة ثلثي أعضائه وهذا يعني أن أولمرت لن يستطيع التخلي عن أي قرية فلسطينية ألحقت بالقدس بعد عام ١٩٦٧ م.
وهذا يمنعه من الاقتراب من لب الصراع. ومحمود عباس لا يستطيع تجاوز الشروط التي وضعها ياسر عرفات وإلا سقط سقوطًا مروعًا.
فلقد فقد غزة للتو ويمكن أن يفقد الضفة الغربية أيضًا، وإذا هدد باستخدام العنف فسوف يفقد كل شيء المساعدات الأمريكية ودعم قوات الأمن الإسرائيلية... فاللاعبون الثلاثة يجلسون معًا على منضدة القمار مدعين أنهم سيبدؤون اللعب. بينما لا يملك واحد منهم فلسًا واحدًا!
تمخض الجبل
الجبل الهائل يبدو أنه يتضاءل باستمرار، وهذا لعمري مخالف لطبائع الأشياء فكلما اقتربنا يبدو أصغر فأصغر.. سراب.. نظرنا إليه وكأنه جبل حقيقي مثل قمة إفرست ولكنه تحول إلى جبل عادي ثم إلى تل صغير، والآن لا يكاد يبدو حتى ككتيب من كثبان النمل، وحتى هذا انكمش وتضاءل... في البداية قالوا: إنهم سيبحثون القضايا الجوهرية ثم عادوا فقالوا: إنها كانت تصريحات مبالغًا فيها حتى وصلوا في النهاية إلى التصريح بعبارات فارغة لا قيمة لها لا تُسمن، ولا تغني، ولا أحد من الزعماء الثلاثة يعلم بأي إنجاز الثلاثة كانوا يبحثون عن مخرج وكالعادة كنا- نحن- الإسرائيليين الأكثر إبداعًا، فنحن خبراء في إقامة الحواجز، والجدران، ولذلك ابتكرنا عقبة أضخم من سور الصين العظيم.
ما معنى دولة يهودية؟!
طلب أولمرت من الفلسطينيين قبل أي مفاوضات أن يعترفوا بأن إسرائيل دولة يهودية.. وتبعه في ذلك شريكه في التحالف اليميني المتطرف أفيجدور ليبرمان الذي الب بعدم الذهاب إلى أنابوليس إلا بعد اعتراف الفلسطينيين بأن إسرائيل دولة طال يهودية..
دعونا نفحص هذا الشرط الفلسطينيون غير مطلوب منهم أن يعترفوا بدولة إسرائيل، فلقد فعلوا ذلك في اتفاق أوسلو، رغم أن إسرائيل، لم تعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم فيما وراء الخط الأخضر، ومع ذلك يطلبون ما هو أكثر وأبعد أن يعترف الفلسطينيون بأن إسرائيل دولة يهودية...
هل تطلب أمريكا من أحد أن يعترف بأنها دولة مسيحية أو أنجلوسكسونية؟ هل طلب ستالين، من أحد أن يعترف بأن الاتحاد السوفييتي دولة شيوعية؟ هل تطلب بولندا أن يعترف بها كدولة كاثوليكية؟ وهل طلبت باكستان أن يعترف بها كدولة إسلامية؟ لا توجد سابقة واحدة في التاريخ تطلب فيها دولة من دول أخرى بأن تعترف لها بشأن داخلي.
طلب مسبق سخيف ولا معقول، ولكن دعونا نواصل تحليل هذا الطلب اللامعقول... ما معنى دولة يهودية؟! هذا لم يشرح أو يفسر بعد أتعني دولة ذات أغلبية يهودية أم دولة للشعب اليهودي من بروكلين وباريس حتى موسكو أم دولة خاصة بالدين اليهودي؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل للعلمانيين اليهود حق فيها أيضًا؟! وربما تكون خاصة باليهود الذين ينطبق عليم قانون العودة: وهؤلاء الذين لهم أمهات يهوديات لم يغیرن دينهن.. هذه الأسئلة لم يستطع الإسرائيليون أن يحسموها حتى الآن.. هل يطلب من الفلسطينيين أن يعترفوا بقضية لم تحسم بعد في إسرائيل ذاتها؟
وطبقا للعقيدة السياسية الإسرائيلية فإن إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية فماذا يفعل الفلسطينيون إذا انتشر رأيي. يوري أفنيري.. وتحولت العقيدة لتصبح إسرائيل دولة لكل مواطنيها مثل أمريكا التي ينتمي مواطنوها لأصول إسبانية وإفريقية وغيرها عدا سكانها الأصليين؟
الخدعة في هذه القضية أن الفلسطينيين لن يقبلوا بها لأن هذا سيؤدى مليوناً ونصف المليون من إخوانهم يعيشون داخل الخط الأخضر فتعريف الدولة اليهودية، يحول هؤلاء إلى مواطنين من الدرجة الثانية في أحسن الأحوال فإن يوافق عباس وأعوانه على هذا ويقبلوه يكونوا قد غرسوا خنجرًا في ظهور إخوانهم...
إن أولمرت وشركاه يعرفون ذلك، ولا يقدمون الطلب للاعتراف بها، بل يقدمونه كي لا يعترف بها، وبهذه الحيلة يتجنبون تقديم أي التزامات أو حتى الدخول في أي مفاوضات ذات معنى.. وطالما أن خارطة الطريق المريضة، والتي تدعي كل الأطراف قبولها تفرض على إسرائيل أن تفكك أقيمت بعد مارس ۲۰۰۰ م المستوطنات التي وتجميد المستوطنات الأخرى، وأولمرت غير قادر على القيام بذلك، وتفرض على عباس القضاء على البنية التحتية للإرهاب وهو أيضًا غير قادر لأنه ليست لديه دولة فلسطينية بحكومة منتخبة.. فهنا تستخدم وتفيد حكاية الاعتراف بالدولة اليهودية.
إنني أتخيل بوش وهو يتقلب في سريره ويلعن معد الخطاب الذي وضع هذه الجملة البائسة وهذا الاقتراح السين وأتخيله بعد انقضاض المؤتمر وهو يتنفس الصعداء مستريحًا مع أن الجميع وعلى رأسهم الفلسطينيون خرجوا به قبض الريح وعادوا به خفي حنين.