العنوان من أي الصنفين أنت؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006
مشاهدات 72
نشر في العدد 1722
نشر في الصفحة 59
السبت 07-أكتوبر-2006
يوميات جائع!
«كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش «النسائي».
يصحو متأخرًا ويضيع الصلوات ويقضي نهار رمضان في النوم.
صحا من نومه متأخرًا وهو يتثاءب ببطء، ينظر في ساعته، لقد فاتته صلاة الظهر في الجماعة بالمسجد، قال في نفسه: لا بأس إني صائم وأريد أن أنام! نام قليلًا، ثم جاءته زوجته توقظه للصلاة، فقد أوشك وقتها على الانقضاء، صاح في وجهها وثار غاضبًا وقال: تعلمين أني صائم وأريد أن أنام؟! ألا تعرفين ما معنى ذلك؟! إنني متعب وجائع، كما لا تنسي أنني في إجازة من العمل، ولا يزال في وقت الصلاة متسع وسأجمعها مع صلاة العصر، فلماذا تقطعين علي نومي؟ تأفف من تصرف زوجته ثم قام متثاقلًا يجر قدميه وهو يرعد ويبرق، ويرغي ويزبد بكلمات لا تنبغي لصائم، ولا تليق بشرف الزمان، لقد فاتته الصلاة، ولو كان ذلك موعد مسلسل تلفازي يذاع ما فوت وقته، لكنها الصلاة، إنها أحب الأعمال إلى الله!
لقد أنهكه طول السهر مع الرفاق فهو مرهق، وأفقده لغو الكلام حلاوة المناجاة فهو منقطع، ومنعه نومه الطويل كثيرًا من اللذات فهو محروم حرم لذة الجوع في الصيام لذة الصبر على القيام، وحلاوة غض البصر وإمساك اللسان، وأثقله كثرة ما ألقى في معدته من مأكولات ومشروبات في السحور، ومن قبله وقت الإفطار، فهو لا شك معلول، قد جذبته تلك الشهوات بثقلها إلى الأرض لتلتصق بالتراب بدلًا من أن يرتفع بصيامه إلى العلياء، وأحدثت في معدته تحولًا مفاجئًا وانقلابًا رهيبًا لا طاقة له به، كادت تنفجر أو أوشكت، نظرًا لكثرة الامتلاء وشدة الثقل والجذب ولما رأت العاصفة وسكنت أعقبها كسل وفتور، ونوم وخمول، مما جعله يحس بنشوة نصر مزيف على نفسه فقال متمتمًا: الحمد لله، لقد عملت حسابًا للصيام واستعددت له منذ زمن بعيد.
أخذت إجازتي السنوية فيه لأستطيع أن أرتاح وأنام، فيوم الصيام طويل وشاق، ولا أريد أن أحس بالتعب في العمل، أو أشعر بالجوع أو الحرمان كان الله في عون الذين يعملون الآن!
يوميات صائم
«للصائم فرحتان فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه» «البخاري» يقوم الليل ويصلي الفجر ويكثر من الطاعات ويستمتع بالإحساس بجوع الصائم تجده في عمله مثالًا للمسلم الصادق يلتزم بمواعيده ويتقن عمله ويقابل الناس ببشاشة أفاق من نومه نشيطًا في ثلث الليل الأخير فقال مرددًا: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد إلي روحي وأذن لي بذكره، ثم قام وتوضأ، أيقظ زوجته هي الأخرى ولسان حاله يقول لها: ليست الليلة كالبارحة يا زوجتي، فنحن الآن في شهر رمضان وعلينا اغتنام تلك الفرصة وصعود سلم الطاعات بأكبر سرعة وبأقصى جهد، فمن يدري هل ندركه من عام قابل أو نعيشه إلى آخره، نرجو ذلك، قامت لتوها للوضوء، وقف على سجادة الصلاة وكبر تكبيرة الإحرام ليبدأ صلاة ركعتين لله في جوف الليل ومن خلفه تقف زوجه الصالحة تصلي بصلاته وتدعو بدعائه في خلوة روحية ومناجاة عملية تصلهما بملك الملوك الذي لا ينام.
قام لإعداد طعام السحور المتواضع مع زوجه بعد أن أيقظ أولاده، إنهم مازالوا صغارًا لكن لا بأس بذلك ليحسوا حلاوة هذا الشهر المبارك ولينشؤوا على تعود الطاعات، وضع الطعام وجلس الجميع للسحور وسط جو إيماني ترفرف حوله السكينة والطمأنينة، إنه في بيته نموذج رائع للزوج الصالح المتعاون، والأب المربي الحنون والابن البار المشفق، ولا سيما في شهر رمضان، أذان الفجر من المسجد المجاور للبيت يخترق الجدران ويدخل القلوب دونما استئذان فيهز النفوس المؤمنة شوقًا للقاء وفرحًا بالوصال، يقرأ الإمام في الصلاة وهو يؤم المصلين قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133) فتحيا روحه وتتوق نفسه لعمل الخير، ثم يقرأ ثانية ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ﴾ (الحديد: 21)، فيشتاق لإصلاح العمل ويعقد العزم على ذلك بصدق وإخلاص أما وقته فهو أكبر من أن يضيعه بين المقاهي بأنواعها أو أمام التلفاز أو مع ثلة من الرفاق الذين لا يدركون قيمته، إنه موزع بين الحقوق والواجبات، فهو يذكر ربه، ويبر أهله ويصل رحمه، يربي ولده، ويساعد زوجه ويحاسب نفسه، يعين ضعيفًا، ويعطي محرومًا، ويكفل يتيمًا ويسعى في حوائج الناس.
في عمله تجده مثالًا للمسلم الصادق فهو عادة يحب الالتزام بمواعيده ويؤمن أن ذلك من تمام الإيمان، لكنه الآن في رمضان أشد جدًا فيه وأكثر إتقانًا له، ومع ذلك تجده من أحسن الناس خلقاً، وأكثرهم بشاشة ولطفًا، يتخير من الكلام أطيبه، ومن الحديث أحسنه، يعفو ويصفح ويسامح ويغفر، ولم لا فهو صائم قد تربى في مدرسة الصيام!
من أي الصنفين أنت؟ وأيهما تختار؟
الصورة الأولى لصيام بعض الناس الذين يثبتون بها أنهم يجهلون المعنى الحقيقي للصيام، فهو ليس صيام الجوع والعطش ولنفعل بعد ذلك ما نشاء، كلا فما هكذا يكون الصيام.
أما الصورة الثانية فيظهر فيها المعنى الحقيقي للصيام الذي يثمر التقوى ويعودنا مكارم الأخلاق ويربي فينا الانتصار على النفس والاستعلاء على هواها، ومحاولة الرقي بها وجبر ما فيها من نقص، وذلك هو الصيام الحقيقي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل