; المجتمع التربوي (العدد 1501) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1501)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002

مشاهدات 59

نشر في العدد 1501

نشر في الصفحة 54

السبت 18-مايو-2002

وقفة تربوية

ثمن التحول

عندما قرر الكثير من الحركات الإسلامية التحول من العمل السري إلى العلني، والانفتاح على المجتمع كان بذلك يرجع إلى الأصل الذي أراده الله تعالى لدعوته حتى تنتشر في الأرض، وحتى يتحقق ما قاله النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله فتح الباري (٣٨٥٢).

لكن هذا الانفتاح على المجتمع كلف بعض الحركات الإسلامية خسائر لم تكن في حسبانها، من أبرزها تساقط بعض القيادات والأفراد البارزين فيها، وتحول بعضهم من دعاة إلى الله إلى سعاة إلى البروز، وحب الأضواء والشهرة وتسليط الكاميرات والمجد الذاتي، والمصالح الشخصية.. بل تحول البعض منهم إلى أعداء ومؤلبين وجواسيس على الحركة التي كانوا بالأمس أعضاء فاعلين فيها.

وعندما لمست الحركات الإسلامية -التي انتقلت إلى عالم الانفتاح- هذه الخسائر بدأ النقاش داخلها، والتساؤلات والاتهامات التي انطلقت في اتجاهات عدة، وكان منها القول بأن هناك استعجالًا في التحول إلى الانفتاح، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك. وجعل المسألة برمتها خطأ، مفضلًا البقاء في مرحلة عدم العلن.

أين الخلل؟ ولماذا حدث هذا في بعض الحركات بنسبة لافتة للنظر بينما كان لدى البعض الآخر بنسبة أقل. هذا ما سنعرفه في الوقفة المقبلة بإذن الله تعالى.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

مجتمع الشريعة

الشريعة الإسلامية منهاج إلهي للبشرية ينظم علاقاتها ويلبي حاجتها للتطور

د. محمد علي الهاشمي

المجتمع المسلم الذي يبنيه الإسلام مجتمع متفرد لا يشبه المجتمعات التي عرفتها البشرية على مدار التاريخ، ذلك أنه مجتمع أحكمت صياغته شريعة الإسلام الخالدة التي أنزلها الله كاملة من أول يوم، إذ قال في محكم كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ۳).

هذه الشريعة التي وضعها الله لعباده كاملة منذ نشأتها هي التي أقامت هذا المجتمع على أسس أرادها الله لعباده، لا على أسس أرادها بعض العباد للعباد وفي ظل هذه الشريعة قام هذا المجتمع على النقيض مما حدث في الغرب من نشوء المجتمعات الغربية، نتيجة صراع بين الطبقات، واحتكاك بين علاقات الإنتاج وطرقة المتجددة، وصدام بين المصالح المتعارضة، أو الأفكار المتناقضة.

إن الشريعة الإسلامية هي التي صنعت المجتمع المسلم، وليس المجتمع المسلم هو الذي صنع الشريعة الإسلامية، وهي التي وضعت أسسه وسماته ومقوماته وقيمه وأعرافه، ولم تكن الشريعة مجرد استجابة للحاجات البشرية المطلوبة، كما هو الشأن في التشريعات الأرضية وإنما كانت منهاجًا إلهيا للبشرية كلها، تناولت كل شيء في حياة الإنسان والمجتمع، وحددت علاقة الإنسان الذي يعيش في المجتمع بربه وينفسه، وبأسرته، وبأقربائه وذوي رحمه وبجيرانه، وبإخوانه وأصدقائه، وبأفراد مجتمعه قاطبة، ونظمت علاقة الدولة الإسلامية بغيرها في حالة السلم وحالة الحرب.

ومن هنا جاء الفقه الإسلامي مشتملًا على العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجهاد والمعاهدات والحلال والحرام والسنن والآداب، لم يدع شيئًا في حياة الإنسان والمجتمع الأنظمة بدءًا من أدب قضاء الحاج للفرد وانتهاء بإقامة الخلافة والإمامة العظمى.

ومن هنا جاء تفرد المجتمع المسلم وتميزه عن غيره من المجتمعات ذلك أن صانعه ومنشئه وبانيه أدرى بما يصلح للبشر من الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع الذين يتصدون لوضع أسس المجتمعات البشرية.

وكلما تقادم الزمن، وارتفعت درجة المعرفة البشرية، اقترب الناس من تحقيق جوهر المثل والقيم والنظم التي سبق إليها المجتمع المسلم في ظل الشريعة الإسلامية.

ثبات أحكام الشريعة الإسلامية 

مهما جد في الحياة من حاجات، ودعت دواعي النمو والتطور إلى الاجتهاد في سن القوانين وإصدار التشريعات اللازمة لمواكبة الحياة المتجددة، فإن ذلك الاجتهاد يبقى مشدودًا إلى أصل ثابت، ومبادئ أساسية، أراد الله لها الدوام في المجتمع المسلم، ليبقى متفردًا متميزًا عن غيره من المجتمعات. 

وبذلك تقوم الشريعة مقام السياج الواقي الذي يسمح لعوامل النمو والتجدد والتطور أن يفعل فعلها في المجتمع المسلم، ولكن داخل هذا السياج الواقي الذي يحفظ الأصالة، ويصون التفرد، ويحمي التميز، ويقي من الذوبان.

قد يسأل سائل هل من الخير أن يظل نمو المجتمع وتطوره مشدودًا إلى أصل ثابت، في حين تتجدد الحياة، وتتنوع مطالبها وعلاقاتها تحتاج إلى أنظمة وقوانين جديدة تلبي حاجة الحياة المتجددة المتطورة؟

الإجابة عن هذا السؤال تقتضي معرفة عميقة لذلك الأصل الثابت ومدى شموله لأصول الحياة الكبرى، كما تقتضي موازنات موضوعية دقيقة بين مبادئ ذلك الأصل الثابت التي أنشأت المجتمع المسلم، والمبادئ الأخرى التي أنشأت المجتمعات البشرية حتى اليوم فإذا تبين أن مبادئ الإسلام الثابتة موضوعة في أصلها للاستمرار وقابلية التجدد، وأنها لا تزال بعد خمسة عشر قرنًا أفضل من سائر النظم التي عرفتها البشرية، فإن الثبات عندئذ يكون ميزة وضمانًا للتقدم المستمر، وعدم الانتكاس مع الأهواء، والجري وراء الشهوات وعصمة من الانسياق وراء النزوات والانحرافات والضلالات بحجة التطوير والتجديد.

قابليتها للنمو والتطور

هذه الموازنات الموضوعية الدقيقة المحكومة بالمنطق العلمي بين النظام الاجتماعي في المجتمع المسلم الحق وسائر النظم الاجتماعية الأخرى تضعنا أمام الحقيقة الكبرى، وهي أن ذلك الأصل الثابت للشريعة الإسلامية أكثر مرونة وطواعية وقابلية لتلبية حاجات التطور الجديد في حياة البشرية من كل النظم الجديدة التي وضعها البشر، والتي حين تقاس إلى مبادئ الإسلام الكلية تبدو متخلفة في عمومها، فيها كثير من التناقض والنقص والتعسف ومجافاة الفطرة السليمة.

إن الشريعة الإسلامية التي أنشأت المجتمع المسلم لترتكز على خصائص عدة تجعل المجتمع المسلم قابلًا للنمو والتطور والتجدد، وقادرًا على تلبية مطالب البشرية المتجددة.

ومن أهم هذه الخصائص أنها جاءت:

- موافقة لأصول الفطرة البشرية ومقوماتها لأنها من صنع الإله العارف بطبيعة خلقه وما يناسب هذه الطبيعة.

- جاءت في صورة مبادئ كلية عامة، تقبل التفريع والتطبيق في الجزئيات المتجددة والأحوال المتغيرة، فالزكاة -على سبيل المثال- فريضة ثابتة محددة، ولكن وسائل جبايتها وضبط حساباتها، وتوزيعها على مستحقيها. أمر قابل للتطوير والتجديد بما يلائم العصر الذي تجبى فيه ويحقق مصلحة الفقير.

نريد بالمكث ما تريد بالحث

أحمد عبد الله العومي

استعجال ثمرة العمل الدعوي لا يتفق مع حسن الإيمان وسلامة العقيدة

في معارك المسلمين كثير من المواقف التي يتربى عليها الدعاة الى الله تعالى في مسيرتهم قيادة كانوا أو جنودًا. ومن هذه المواقف موقف القائد العظيم النعمان بن المقرن مع الجندي الذي أراد أن يعبر جسرًا كان عبوره كسبا للجيش المسلم لكن النعمان كان يرى المكث في المكان وعدم التحرك، فاختلفت الآراء ثم حسم النعمان الأمر ورد على الجندي رد القائد العطوف الذي رأى ما لم يره، فقال له عبارة صارت -في رأيي- أصلا من أصول عملنا الدعوي إذ قال له: يا أخي.. إننا نريد بالمكث ما تريد بالحث.

وللأسف وقع كثير من الدعاة في مشكلة الجهل فلم نع نحن الدعاة أهمية عدم استعجال ثمرة العمل الدعوي، ونصر الله تعالى لأوليائه وحزيه، واستعمال قضاء الله وحكمه في منحه وعطائه.

إن فتح الله تعالى ونصره آتيان لا محالة، إن شاء الله، وسرعتهما تكون بتطبيقنا لشرط ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

واستعجال بعض الدعاة ثمرة العمل الدعوى أمر يدل على حرص هؤلاء الدعاة وحرقتهم على هذه الدعوة، لكن مع حرصنا واجتهادنا قد تبدر معنا بعض التصرفات والأقوال التي تنسف ما كنا ننويه من الحرص والاجتهاد والاستعجال للثمرة فتجعلنا -في تناقض فادح- نمشي في أرض بوار لا يدرى ماؤها من سرابها، وخيالها من حقيقتها، قال الشاعر: 

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبس

ضوابط واجبة

فحري بنا أن نضع قواعد وأصولًا نتفق ليها حتى لا تقع في هذا التناقض:

أولًا: بعض الدعاة ممن تلبسوا لباس الاستعجال يجب عليهم أن يكون بينهم وبين قادتهم في العمل سبيل النصيحة وإبداء الرأي بأدب وإبداء المشورة للقائمين على العمل الدعوي، لا أن يلجؤوا إلى طرق تدمر قاعدة العمل الإسلامي من هذه الطرق النجوى والغيبة والنميمة وسوء الظن، فليكن شعارنا في ذلك -إذن- النقد البناء الذي يهدف إلى تقويم العمل وإصلاحه.

ثانيًا: يجب على الدعاة أن يفهموا فكرة نظرة قيادتهم واستفهامها إن استعصى فهم أي شيء مبهم لأن الإنسان قد يعتريه بعض النقص فهم، وهذا ليس يعيب، وكذلك أيضًا على القيادة أن توضح قدر المستطاع حتى لا يجعل في قلوب المتلقين شك أو ريبة.

ثالثًا: إن الهدف واحد بين من يعملون في حظيرة العمل الإسلامي سواء كانوا قيادات أو جنودًا، فيجب علينا أن نتفق على الهدف والأصل الواضح، ولا تختلف عليه ولا بأس ألا نتفق على الوسائل الموصلة للهدف المنشود لأن الوسائل أمرها اجتهادي، ولا سبيل لأحد أن ينكر على أحد استخدام وسيلة لا تعجبه، وهذا الأمر لا يحول بينه وبين عدم النصيحة والاستفهام والاستيضاح.

رابعًا: في نظرتنا للعمل الإسلامي -قيادة وقاعدة- لا فرق بينهما من جهة العمل بأحقية إبداء الرأي والنقد إلا أنه يحق للقيادة ما لا يحق للقاعدة حتى يكون العمل منظمًا مستقيمًا لا يتخلله أي ضعف أو خمول، فالقيادة والقاعدة كل منهما يحمي الآخر، فلا استغناء للقيادة عن القاعدة والعكس صحيح، والقيادة ما هي إلا سبيل لتنظيم العمل وترتيبه، وهذا مشروع وظهر في عهد الرسول ﷺ في مواقف عدة خاصة ما حدث في صلح الحديبية، على سبيل المثال.

خامسًا: ألا يكون تصيد الأخطاء وإظهار المساوئ منهجًا في العمل، فهذا يتناقض مع مبادئ العمل الدعوي سواء أكان بهدف إظهار مساوئ منهاج وسير العمل أم إظهار مساوئ من يعملون تحت قيادتهم لهذا المنهج والسير.

سادسًا: أن تعلم أن العمل الدعوي عمل اجتهادي نبتغي به وجه الله تعالى فإذا كان منهج العمل هو التشنج والتعصب للرأي وعدم فهم الرأي الآخر، فلن تفلح ولن نتقدم خطوة نحو النجاح.

سابعًا: أن يُعنى بمنهاج فقه الباطن» ألا وهو تزكية النفس من الشوائب الداخلة عليها، وألا تتبع خطوات الشيطان في طريقنا وسيرنا إلى الله تعالى حتى تحل البركة والزيادة والتوفيق في العمل، وأن نضع نصب أعيننا قاعدة قول القائل: «الله الله في السرائر فإنه لا يصلح مع صلاحها فساد الظاهر وكذلك قولهم: «قل لمن لا يخلص لا تتعب». 

ثامنًا: إذا بلغ الماء القلتين فإنه لا يحمل الخبث، قاعدة لتضع الناس في منازلهم، وقياس الجماعة بحسناتها وسيئاتها.. وتجنب نفسية التجريد من الحسنات والنظر إلى القبيح فقط.

إذا كان الله تعالى يعامل عباده بحسناتهم وسيئاتهم يوم القيامة، وحتى العصاة، فنحن كبشر من باب أولى أن نتعامل مع عباد الله على هدى ذلك، مع أن أدلة البشر ضد بعضهم ظنية فعلماء هذه الأمة وقادتها مجتهدون ونادر الا تجد لأحدهم خطأ فهذا الميزان يجب أن نتخذه في قياسنا لعمل الجماعة والقيادة بنقد بناء قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (هود: ٨٥).

وبعد فإن ضريبة الكلام العمل، ودواء العي السؤال، فلا تنفع هذه الكلمات القلائل إلا بتحركها وترجمتها عملًا من قائلها، ومستمعها حتى نضيف لبنة من لبنات العمل الإسلامي الذي ترجو الله تعالى أن ينقل أمتنا من غنائها إلى عزتها، وتمكينها.

الرابط المختصر :