; يهوذا رشدي | مجلة المجتمع

العنوان يهوذا رشدي

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012

مشاهدات 71

نشر في العدد 1993

نشر في الصفحة 66

الجمعة 16-مارس-2012

قام أحد الأدباء الأتراك بترجمة رواية سلمان رشدي«الآيات الشيطانية» إلى التركية، وكان رد الفعل العنيف الذي جوبهت به المحاولة إحراق الفندق الذي يقطن فيه المترجم، واشتعال تظاهرات التنديد والاحتجاج الجماهيرية الحاشدة في الشارع التركي. 

تناقلت وكالات الأنباء والصحافة العالمية والإسلامية والعربية الخبر باهتمام ملحوظ-ليس في معظم الأحيان-لما ينطوي عليه من مغزى، وإنما لعنصر الإثارة فيه، وأحيانًا، للهجوم الصريح أو المبطن على ما يسميه الخصم بالتشدد الإسلامي، وكذلك ما يسميه الخصم أيضًا باحترام حرية الفكر والرأي والتعبير، وهو الهجوم الذي يجيء في سياق حملة عالمية شاملة يشارك فيها الاستعمار الجديد والصليبية والصهيونية ضد ما يسمونه هم أيضًا«الأصولية الإسلامية».

هذه الأصولية التي تزداد قدرة على التجذر والانتشار كلما زادت التحديات وارتفعت وتائر التضييق والمجابهة؛ الأمر الذي قاد بعض قيادات الخصم إلى أن تفقد صوابها وأن تتخذ مواقف إعلامية، أو سياسية، مكشوفة تمامًا، مترعة بالنزوع التحريضي والروح العدائية التي تتجاوز كل مقاييس الصراع الأخلاقي الشريف بين وجهات النظر المتعارضة، يعينها على ذلك وينفذ مطالبها بعض الزعامات السياسية أو الفكرية أو الحزبية في عالم الإسلام نفسه الأسباب ملتوية غامضة حينًا، عارية مكشوفة في معظم الأحيان. 

لقد أريد لتركيا منذ سقوط الخلافة وإحكام القبضة المضادة للإسلام أن تكون ساحة اللادينية، ومن أجل ضمان الهدف فتحت الأبواب على مصاريعها لكل القوى المضادة للإسلامية، وأتيحت لها الفرصة الكاملة لكي تنفذ جرائمها«الكاملة» باطمئنان وتحت غطاء محكم. 

إن مساحات واسعة في مراكز الفعل الإعلامي واتخاذ القرار السياسي ومؤسسات التخطيط الفكري والتربوي، تلقت عبر المرحلتين المذكورتين تأثيرات غربية، إمبريالية وصليبية وصهيونية وماسونية واضحة الثقل، وكانت ردود الفعل لأي محاولة للتهادن مع الإسلام-على الأقل-في السياسات التركية عنيفة وسريعة.. وشهدت تركيا سلسلة من الانقلابات العسكرية آلت جميعها إلى الطريق المسدود لكي ما تلبث هذه الأرض الطيبة أن تفيء في كل مرة إلى ساحة الحرية والديمقراطية، بغض النظر عن المساحة الحقيقية للمعطيات الديمقراطية في التجارب المتعاقبة.

وأغلب الظن أن قيام أحد الأتراك بترجمة«الآيات الشيطانية» لا يعدو أن يكون محاولة لجس النبض، أو الإثارة، أو الاستفزاز للمشاعر والقوى الإسلامية التي أخذت تتأكد أكثر فأكثر في ظلال الديمقراطية المجزوءة، وتزداد انتشارًا وتجذرًا في الساحة التركية قبالة كل محاولات الخصم لإخراج تركيا من الساحة، كرأس حربة لعالم الإسلام في أوروبا، وكحلقة ذات جذور تاريخية وحضارية موغلة في إسلاميتها، قد تسترد وعيها بالذات في يوم ما، وحينذاك سينكث الغزل الذي نسجه على مدى قرن كامل حكماء صهيون وتلامذتهم، وقادة الصليبية والاستعمار الجديد. 

ولقد جاء الرد التركي الإسلامي فوق ما يتصوره الجميع تأكيدًا لما تشهده الآن جغرافيا الإسلام كلها: المزيد من التجذر، والانتشار، والقدرة على المجابهة والتعبير عن الذات قبالة المزيد من التحديات المضادة التي تلجأ، كلما حزب بها الأمر، إلى كل الوسائل اللاأخلاقية، كل الأساليب اللامشروعة في محاربة الظاهرة الإسلامية، ليس أقلها بطبيعة الحال تسمية المنتمين الجادين لهذا الدين بالإرهابيين والمتشددين، أو الأصوليين في أحسن الأحوال. 

إن«الآيات الشيطانية» عمل أدبي من الخط الثالث أو الخامس، وهي ليست رواية بمعنى الكلمة، إذا أحلناها إلى مطالب وشروط الأنواع الأدبية، وإنما منظومة من الهجمات الرخيصة والسباب التافه للنبي المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد تكون دوافع تأليفها من قبل كاتب نكرة هارب من جلده المسلم، كسلمان رشدي، معروفة هي الأخرى، ومعروف أيضًا تجذر الخيانة للعقيدة والمبدأ والأهل والصحب في نفوس الخانعين أو الملتوين أو عبدة الذهب والمال، وأغلب الظن أن سلمان رشدي لا يعدو أن يكون واحدًا من هؤلاء؛ يهوذا آخر، تفرخه روح الخيانة والمروق في كل زمن ومكان، وقد أعطي-للأسف-في الهجوم المبالغ فيه من المسلمين، أكثر بكثير من حجمه الحقيقي، وتلقى الخصم الإشارة، فجعله بطلًا مضطهدًا وأسبغ عليه الحماية والتقييم. 

هذا كله معروف، ولكن الجديد، أن يقوم يهوذا آخر، يهوذا تركي هذه المرة لكي يعيد صنوه الهندي إلى دائرة الضوء، ولكي يستخدم مجرد مخلب قط ذي أظافر تعرف كيف تغوص في اللحم المسلم فتدميه.

لكن المحاولة على أي حال انقلبت على رؤوس أصحابها، وخرجت جماهير المسلمين لكي تعلن عن غضبتها وتدافع عن مقدساتها، وتزداد حضورًا وتألقًا في مواجهة التحديات.. قبالة ألف من يهوذا رشدي أو سلمان الأسخريوطي الذي تتفنن مختبرات الخصم في إعدادهم لأداء دورهم المرسوم﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾

(الأنفال: 30).

(*) مفكر إسلامي-أكاديمي عراقي

الرابط المختصر :