; عندما يبيع الفقير ابنته! | مجلة المجتمع

العنوان عندما يبيع الفقير ابنته!

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2013

مشاهدات 82

نشر في العدد 2035

نشر في الصفحة 56

السبت 12-يناير-2013

يقول راوي القصة: رأيت جارًا لي بعد صلاة العصر يقف عند صندوق القمامة، ثم مد يده، وأخذ شيئا وأدخله بيته، ففزعت لما رأيت من جاري وقلت لعله محتاج، وأنا لا أعلم، فعزمت على زيارته والتعرف على حاله، وسؤاله عما رأيت منه.

فلما زرته رحب بي، ورأيت منه حالًا حسنة، وغنى ظاهرًا، فسألته عما شاهدته، فأخبرني بأنه رأى طعامًا صالحًا للأكل في القمامة، فتأثر الرميه واستخسره في سلة القمامة، فأخذه تكريما للطعام الذي هو من أعظم نعم الله تعالى، فلا يليق بالنعمة أن توضع في هذا المكان المهين.

يقول الراوي ثم حكاني الرجل عن قصته، فقال لقد مر بي من الجوع شيء عظيم لا طاقة لي باحتماله، مما جعلني أعاهد الله تعالى على ألا أرى طعامًا إلا أكرمته، وألا أترفع على طعام مهما كان حاله.

لقد مرت بي سنة أصابني فيها فقر شديد وكنت حينها عاطلًا دون عمل، وكنت أعيش مع زوجتي وابنتي، فكنت أخرج من الصباح أبحث عن عمل فلا أجد، فأرجع إلى بيتي خاوي اليدين، وأحزن وأتألم عندما أجد ابنتي وزوجتي في انتظاري، ولم أجد ما أقدمه لهما من طعام، ومرت بنا ثلاثة أيام لم نأكل شيئاً. ففكرت في الأمر، وتوصلت إلى فكرة شيطانية لم تخطر ببالي يوما، ولا يمكن أن يستسيفها حر ولا يقبلها، ثم فاتحت زوجتي فيما انقدح به ذهني وتفكيري قلت لها: حتى متى نبقى جائعين لا تجد الطعام وتنتظر الموت؟ إن الجوع كاد أن يقتلنا ويقض مضاجعنا، ويرهق أبدائنا وكادت ابنتنا أن تهلك لأنها صغيرة لا تتحمل ما نتحمله، فأرى أن تزينيها وتمشطيها، لأذهب بها إلى سوق الخدم فأبيعها، وأخذ ثمنها لأشتري به طعامًا، وتذهب هي إلى من يشتريها فيطعمها، وتبقى حية، بدلا من الموت الذي صار يحاصرنا! 

فأنكرت علي زوجتي، وخوفتني بالله. ولكني ظللت أجادلها، وأضغط عليها، واقنعها. حتى رضخت لي ورضيت بفكرتي، وقامت زوجتي وجهزت ابنتي فأخذتها، وذهبت إلى السوق، فاشتراها رجل من البادية.

سارعت إلى سوق التمر، واشتريت زنبيلًا من التمر بقليل من المال، واستأجرت حمالات ليحمل التمر إلى البيت وانطلقت أمامه ليتبعني، فلما وصلت إلى بيتي لم أجد الحمال. فرجعت ابحث عنه، فلم أجده، فقلت: ارجع إلى السوق، فاشتري، وأبحث عن الحمال، فلما وصلت السوق ومددت يدي في جيبي لأخرج المال الذي سأشتري به التمر، فلم أجد المال. فأصابني هم وغم لو نزل بجبل لهذه وصدعه، فراجعت نفسي فيما فعلت، ولمتها لومًا شديدًا، وندمت ندمًا شديدًا على فعلتي بابنتي، وتاقت نفسي لابنتي وشعرت بحنين إليها لم أشعر به طوال حياتي وانهمرت دموعي من عيني، وكادت روحي أن تسلب مني من الحسرة وعندما لم أجد مخرجًا إلا أن الوذ بخالقي ورازقي ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: ٦٢)، وعلى الفور اتخذت قراري، فتوجهت إلى بيت الله الحرام وصلت الحرم، فلما دخلت أطوف حول الكعبة وجدت البدوي يطوف ومعه ابنتي فوسوس الشيطان لي أن أتربص به، حتى إذا خرج من الحرم هجمت عليه في مكان يخلو من الناس والمارة، وقتلته، لأخذ ابنتي وأعود بها إلى بيتي، ولكني تذكرت اني جنت الحرم تائيا لاجنا إلى الله متضرعًا إليه، وبينما أنا على هذه الحال، إذ رأتي البدوي، فدعاني، ثم قال لي: من هذه البنت التي بعثنيها؟ فأجبته: جارية عندي فقال البدوي: بل هي ابنتك، لقد سألتها، فقالت: هذا أبي فما حملك على أن تبيعها؟! قلت: والله لقد مر بي وبها وبأمها ثلاثة أيام لم تذق فيها طعامًا، حتى خشينا الموت، فقلت أبيعها لعل الله أن ينقذنا بها وينقذها بك ثم فقدت بعد ذلك التمر الذي اشتريته وضاع مني بقية المال، ولم أنتفع منه بشيء! 

فقال الأعرابي: خذ ابنتك، ولا تعد إلى مثل هذا الفعل أبدا، ثم أخرج صرة فيها بعض المال، فقاسمني إياه مناصفة، ففرحت فرحا عظيما، وشكرته، ودعوت الله له، وحمدت الله على فضله، وأخذت ابنتي، وذهبت إلى سوق التمر، فاشتريت تمرًا ثم فوجئت بالحمال أمامي، فصرخت فيه اين كنت؟ فقال: يا عم لقد أسرعت في مسيرك حتى عمي علي الطريق، وأخذت أبحث عنك فلم أجدك. فرجعت إلى السوق لعلي أعثر عليك والحمد لله على أني وجدتك؟! فقلت للحمال: الحمد لله الحق بي، فلما دخلنا البيت وأفرغ الجمال التمر في إناء عندنا، وجدت المال الذي فقدته في أسفل الزنبيل، محمدت الله وشكرته على فضله، وعلمت أن الفرج يأتي بعد الكرب، وأن مع العسر يسرا.. وعاهدت ربي على أن أشكر نعمته، وأن أعظم رزقه، والا احقر طعاما أو ادعه منبوذًا مع القمامة، فهذا خبري فهل الام على ما أفعل؟!

ما أحوج الإنسان منا إلى أن يفكر في أحوال جيرانه وخاصة المحتاجين منهم والمساكين والبائسين، فكثير من المسلمين تشغله الدنيا عن جيرانه، فلا يشعر بهم، وحسب هؤلاء أن يتأملوا هدي رسول الله الكريم إذ يقول ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه (رواه البخاري في الأدب المفردة).

تلكم قصة تدمي القلوب وتعتصر المشاعر! رجل يدفعه الجوع إلى أن يبيع ابنته فلذة كبدها الم تفكر - أخي القارئ في هذا الإحساسة أن تصل بك الحال إلى أن تبيع ابنتك كي تأكل؟! 

ولنا أن تتساءل لو أن جيران هذا الرجل تحسسوا حاجته وعملوا بقيم الإسلام ووصاياه هل كان سيفعل ما فعل إننا تعرف كثيراً من قيم ديننا العظيم لكننا - بكل أسف - تطبق القليل منها، ومن اعظم هذه القيم وصية الدين بالجار، ففي الصحيحين ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورته، وفي صحيح مسلم والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه.

والمنزلة الجار ودرجته قال عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦).

فتنة الفقر

إن للفقر فتنة هي التي دفعت هذا الأب إلى أن يضحي بابنته هكذا، فالفقر يجلب العناء والضيق، لذا فقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة» (أخرجه أبو داود وأحمد)، ومن دعائه المأثور أيضًا: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».

إن الفقير بين الناس منكسر الجناح حليف هموم وغم وأتراح، فتم فقير قتله الجوع الماحص ومسكين أهلكه البرد القارس وعائل يتلمس الطعام ليطعم أولاده الصغار الأبرياء فهل اتعظ الأغنياء؟ 

هل تصور الغني أن يعيش هذا الجو وتلك الظروف أولاده يتضاغون جوعًا وهو لا يملك أن يطعمهم؟! إنكم أيها الأغنياء لن تنالوا الخير حتى تنفقوا على هؤلاء الفقراء والمساكين من اثمن ما يملكون قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٩٢).

عار على أمة الألفة والتراحم وأهل العطف والتلاحم أن يرى بينهم عائل أو أرملة تقف بجوار سلال المهملات والنفايات لتبحث عن طعام لها أو لأولادها الأيتام.

إنك أيها الغني عندما تبخل بالمال والعطاء على الأرامل واليتامى والفقراء تخطئ لأن المال ليس مالك إنما هو مال الله استودعك إياه وأمرك بأداء حقوق الفقراء، وعلمك أنه ليس تفضلًا منك، إنما هو حقهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾ (الذاريات: ١٩).

إن البخل إذا شاع في مجتمع قتل الناس، لذلك كان من جمال الإسلام وكماله وسمو أخلاقه ورقي قيمه أن يدعو إلى ثراء اليد وكرم العطاء، وبين أن البخيل هو الخاسر الحقيقي قال سبحانه: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: ٣٨)، فالبخل قتل للخير المشاع واغتيال للعطاء الواقي النافع لذا شدد الله تعالى في التحذير منه حيث قال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٨٠).

لا يليق بالأغنياء أن ينتظروا الفقراء يطلبون الصدقة بل على الأغنياء أن يبحثوا عن المحتاجين، ولا يعرضونهم للمذلة والهوان كما ينبغي للأغنياء أن يحرصوا على معرفة المتعففين من الفقراء الذين قال عنهم ربنا عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٧٣).

فهل اتخذنا من أموالنا ظلا نستظل به يوم القيامة وأدخلنا بها الفرحة على قلوب البائسين وأطعمنا بها الجائعين وكسونا بها العارين، لعل الله ينفعنا بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟!

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

152

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

رغيف يهزم السهام!

نشر في العدد 82

140

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 475

106

الثلاثاء 25-مارس-1980

الأسرة (العدد 475)