; البلقان.. مساعي اليونان لإشعال الحرب في مقدونيا | مجلة المجتمع

العنوان البلقان.. مساعي اليونان لإشعال الحرب في مقدونيا

الكاتب محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994

مشاهدات 54

نشر في العدد 1097

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 26-أبريل-1994

ألبانيا: محمد علي

تعتبر مقدونيا التي تحتضن تجمعاً إسلامياً كبيراً جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الإسلامية التي كانت تضمها دولة الخلافة العثمانية.. ثم بعد ذلك أصبحت جزءاً منفصلاً عن الأجزاء بفعل المعتدي الصربي واليوناني الآثم الذي- وبمساعدة الدول الأوروبية- عمل على تقسيم هذه الأراضي من أجل القضاء عليها متجزئة.

بداية الأزمة كيف؟

لم تكن الأوضاع مستقرة بين اليونان ومقدونيا بعد انفصال هذه الأخيرة عما كان يسمى بيوغسلافيا، ولكنها لم تصل إلى هذه الحدة إلا بعد أن قامت الدول الأوروبية، الواحدة تلو الأخرى، بالاعتراف بهذه الجمهورية وفتح سفاراتها فيها مما أحرج اليونان كثيراً خصوصاً وهي ترأس الدورة الحالية للمجموعة الأوروبية، وفي أحدث تطور للأزمة بين البلدين قامت اليونان في 16 من شهر فبراير المنصرم في خطوة لم تكن منتظرة، بإغلاق الميناء الوحيد الذي تستخدمه مقدونيا في عملياتها التجارية وهو ميناء مدينة سالونيك اليونانية.

واشترطت حكومة أثينا لرفع الحظر التزام مقدونيا بثلاثة أمور هي:

  • تغيير اسم البلاد وعدم استعمال «مقدونيا» كاسم لها نظراً لما يمثله هذا الاسم من حساسية بالنسبة لليونان التي تعتبره اسماً لولاية من ولاياتها التاريخية في شمال البلاد.
  • تغيير رموز علم مقدونيا الحالي الذي يحمل علامة النجم الذي تعتبره اليونان رمزاً من رموز تاريخها القديم.
  • تغيير الدستور الوطني لأنه يسيء إلى تاريخ اليونان على حد زعمها.

وإن كانت هذه ذرائع تعجيزية تتخذها اليونان، فإن الأمر يعود إلى مطالبة هذه الأخيرة بمقدونيا كأرض وطنية وعدم اعترافها باستقلالها، كما تعتبر محاولة للضغط على الدول الأوروبية والعالم لإعادة طرح القضية من جديد. وزيادة في تصعيد الوضع قامت اليونان بتنظيم مظاهرات حاشدة شارك فيها مئات الألوف من مختلف الجهات في البلاد كان ذلك في بداية الشهر الجاري، وتجمع المتظاهرون في مدينة سالونيكا الساحلية الميناء الذي كانت تستخدمه مقدونيا في 80 % من تعاملاتها التجارية، وفي هذه المظاهرات رفعت شعارات مناوئة لمقدونيا ولأوروبا التي تضغط على أثينا لرفع الحظر. وكذلك مطالبين بالحق التاريخي المزعوم في مقدونيا، وتعتبر هذه المظاهرات رسالة واضحة للمجموعة الأوروبية وأمريكا تعلن أن الحظر لم يكن قراراً حكومياً بل قرار شعبي عام.

تأزم الوضع الداخلي في مقدونيا

في وصف للوضع الداخلي قال الملياردير الهنغاري الأصل جورج سوروس، والذي له نشاط إغاثي تبشيري كبير في منطقة البلقان وفي ألبانيا على وجه الخصوص: إن مقدونيا على وشك الدخول في حرب كبيرة على غرار ما يحصل الآن في البوسنة والهرسك، وقال إن قيام اليونان بإغلاق المنفذ التجاري الوحيد لمقدونيا سيؤدي إلى اندلاع الوضع عرقياً، عندما تتفاقم الأوضاع الاقتصادية من جراء ذلك، وأردف قائلاً: إن الحرب إذا اندلعت في مقدونيا ستكون أخطر من تلك التي تحصل في البوسنة والهرسك نظراً لأن هناك دولاً أخرى سوف تتدخل مثل تركيا وألبانيا وبلغاريا في جانب.. واليونان وصربيا في جانب آخر.

ومن جهة أخرى وتبعاً لهذه التطورات دائماً ضيقت اليونان من دخول النفط إلى ألبانيا، حيث أصبحت لا تسمح إلا لعدد ضئيل من الشاحنات بعبور الحدود، ومن أجل السيطرة على الحدود قامت بفتح نقاط مراقبة جديدة، وأدى هذا التضييق على الحدود إلى التأثير الكبير على الاقتصاد الألباني الذي لا يزال يعتمد على عمليات الاستيراد غير المجمركة... وقال الملاحظون إن الحظر اليوناني إذا استمر أكثر من شهر فإن مقدونيا لن تتحمل ذلك.

ومن جهة أخرى، فإن الأمر قد انفلت من يد حكومة باباندريو، حيث قال مبعوث المجموعة الأوروبية حتى ولو وافقت الحكومة اليونانية على رفع الحظر، فإنها لا تستطيع تنفيذ هذا الأمر لأن كل الأحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية والكنائس وكذا 85 % من الشعب يعارض رفع الحظر، إننا نستطيع القول بأن حكومة باباندريو باتخاذها هذا القرار كسبت تأييد الشعب لها من جهة ولكنها إذا ما رضخت للضغوط الأوروبية فإنها حكمت على نفسها بالإعدام...

ويقول الملاحظون كذلك إن الوضع الغذائي تفاقم في مقدونيا حيث لوحظ نقص حاد في المواد الاستهلاكية الأساسية، بالإضافة إلى هذا فإن مقدونيا التي تسكنها عرقيات مختلفة مثل الألبان والصرب والبلغار تشهد تململاً وعدم استقرار داخلي، وتحاول اليونان وصربيا بكل الوسائل تنمية النعرة العرقية وإثارة الفتن الداخلية من أجل بَوْسنة مقدونيا لتتفرغ بعد ذلك إلى كوسوفو.

الأزمة والموقف الأوروبي الأمريكي

قال ماتيو نينتز، المبعوث الخاص للولايات المتحدة بعد زيارة كل من اليونان ومقدونيا: إن القضية صعبة جداً، وإن محاولته لم تأتِ بأي شيء، وقال إن الرئيس المقدوني كيروكليكوروف، ليس له شيء يقوله حول هذا الأمر، وليس له أمل حول هذا الأمر ومع أن الأحزاب لها رغبة في الوصول إلى حل إلا أن الأمر معقد جداً...

ومن جهة أخرى تقوم المجموعة الأوروبية بضغوط على اليونان من أجل إنهاء الحظر، حيث عقد وزراء خارجيتها اجتماعاً في بداية هذا الشهر في قلب البلقان وبالضبط إحدى المدن الألبانية التي ضمتها اليونان لها سنة 1913. والتي تبعد عن الحدود الألبانية حالياً بـ 60 كلم. وترأس هذا الاجتماع مفوض المجموعة الأوروبية للشؤون الخارجية هانس فان دين، وبعد الانتهاء من المحادثات زار المجتمعون الآثار القديمة وكان معظمها مساجد بناها الأتراك، ثم توجه مانس إلى أثينا حيث التقى برئيس الحكومة اليوناني باباندريو محاولاً إقناعه بإنهاء الحظر وإلا شهدت المنطقة انفجاراً عاماً لا يمكن التحكم فيه. ومن جهة أخرى قال وزير الخارجية الألماني يجب أن يوجد حل للقضية في أسرع وقت وإلا سنتخذ الإجراءات الملائمة...

الخلفية الحقيقية للأزمة

إن قضية تفجير الوضع في مقدونيا وكذا في كوسوفو عرقياً من أجل قتل المسلمين وتشريدهم واغتصاب نسائهم وذبح أطفالهم أمر استراتيجي بالنسبة لأوروبا لا نقاش فيه، وما هذه المسرحيات والمقدمات إلا من أجل تلطيف الجو بالنسبة لها وشد الأنظار قبل انطلاق الفيلم، إن الخطط الجهنمية التي تقوم بها الدول الغربية عبر التاريخ لإنهاء التواجد الإسلامي في قلبها وتشتيته، سواء بالقتل والحرق الجماعي كما حصل عبر التاريخ ويحصل في البوسنة والهرسك وكوسوفو.. أو بتسليط الشيوعيين لإرغام الناس على الإلحاد والكفر بالحديد والنار مثلما حصل في ألبانيا وبتقسيم أراضي المسلمين على اليونان والصرب هو صراع حضاري، ثم إن المؤامرات التي تستهدف القضاء على التواجد الإسلامي في البلقان لم تنتهِ منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1912م وإن صفحات التاريخ لا تزال تسجل هذه المؤامرات حتى يطّلع عليها أبناء هذه الأمة ويدرسونها ويحللونها، ففي 29 من شهر فبراير من سنة 1912 وطبقاً للوثيقة السرية لمعاهدة التحالف بين كل من صربيا وبلغاريا، تم منح صربيا كل المناطق الشمالية لألبانيا حتى وصلت إلى مشارف الأدرياتيكي، بل تقدمت القوات الصربية إلى أن احتلت العاصمة تيرانا ومدينة دورس الساحلية، وفي 19 مايو سنة 1913 وقعت كل من صربيا واليونان على معاهدة سرية لتقسيم ألبانيا التي كانت تمتد إلى كل من كوسوفو وأجزاء من مقدونيا إلى مناطق نفوذ.. فكانت كل المناطق التي تمتد شمال نهر السعان الواقع قرب مدينة غير جنوباً إلى كل من الأراضي المطلة على البحر الأدرياتيكي إلى نهر ديفول شرقاً والمار بمدينة كورشا الجنوبية مناطق نفوذ بالنسبة لصربيا، أما بالنسبة لليونان فإن كل المناطق الألبانية الجنوبية اعتبرتها مناطق نفوذ بالنسبة لها.

وفي معاهدة لندن في أبريل من سنة 1910 الموقعة بين كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا فإن المادة تنص على أن يكون شمال وجنوب ألبانيا مقسماً على كل من صربيا واليونان.. ثم بعد ذلك سلمت ألبانيا إلى الشيوعيين ليقوموا بمهمة طمس كل المعاني الإيمانية من القلوب وإنتاج أجيال إلحادية لا تؤمن بالأديان، مما يسهل عملية التنصير والتغريب في مرحلة أخرى بعد ذلك والتي بدأت الآن بالفعل.. أما بالنسبة لبقية المسلمين في المناطق الأخرى فإن أعمال القتل والحرق والتشريد جارية على قدم وساق أمام العالم برمته حتى أضحت أمراً طبيعياً لا غرابة فيه وإن كان اليوم في البوسنة والهرسك فهو عن مقدونيا وكوسوفو ليس ببعيد، وما التطورات المتلاحقة في هذين البلدين إلا إشارات لمن لا يفهمون الأشياء إلا عندما تظهر أو عندما تنتهي. وتقوم كل من اليونان وصربيا بأعمال متقطعة في مقدونيا من أجل تهيئة الأجواء والظروف الداخلية لأن الظروف الخارجية لا تهمهم ما دامت الخطة عامة.

لقد ظهرت في مقدونيا عدة منظمات مناهضة للتواجد الإسلامي مدعومة من صربيا واليونان مثل المنظمة الثورية المقدونية (VMRODPME) التي كانت تطلق في تجمعاتها صرخات معادية للمسلمين الألبان مثل الموت للألبان والسكين للألبان، وهناك منظمة أخرى وهي الحركة الشيوعية الموحدة والتي تعرف بولائها للرئيس الصربي ميلوزوفيتش، حيث تقوم بتدريب المتطوعين لإرسالهم إلى أرض المعارك في البوسنة والهرسك.. ولاحظ المراقبون ظاهرة انتشار الأسلحة بشكل مروع، وقال أحد المعلقين: إن الحصول على قطعة رشاش أمر أسهل من الحصول على بعض أنواع الشوكولاتة، والجدير بالذكر فإن معظم هذه الأسلحة عليها الخاتم الفرنسي والبريطاني، وقال وزير الداخلية المقدوني فرموفسكي، إن هناك 4 قنوات لدخول الأسلحة إلى البلاد هي: 2 من بلغاريا في طريقها إلى يوغسلافيا وكرواتيا، 1 من اليونان وآخر من ألبانيا.

إن إشعال الوضع عرقياً في مقدونيا أمر استراتيجي بالنسبة لكل من اليونان ذات المطامع التاريخية فيها والتي اغتاظت جداً عندما راحت الدول الأوروبية تعترف بمقدونيا الواحدة تلو الأخرى وصربيا التي تريد إشعال النار هناك لتتفرغ إلى كوسوفو التي لا تزال تؤرقها. وفي هذا الصدد قال الرئيس الصربي ميلوزوفيتش إن الحركة الإسلامية في مقدونيا أصبحت متطرفة، وإذا كانت اليونان لا تهتم بالأمر فإنها ستضيع حقها في الحدود الشمالية ولا يعترف لها بها أحد، إن اللعبة المكشوفة التي تقوم بها القوى الكبرى في البلقان أمر أصبح واضحاً وجلياً وإن تأجيج الوضع ضد المسلمين وتواجدهم مؤامرة عالمية تشارك فيها الدول الكبرى، كما شاركت بالأمس في تقسيم الأراضي الإسلامية على كل من اليونان وصربيا، وكما تشارك اليوم في وضح النهار في قتل المسلمين وتشريدهم وتنصيريهم في البوسنة والهرسك وتعتبر هذه البرامج من أهم خطط النظام العالمي الجديد.

 

الرابط المختصر :