; حاجز الخوف يتداعى.. والأعداد تتزايد.. والشعارات تتصاعد.. دروس لم يتعلمها النظام في سوريا | مجلة المجتمع

العنوان حاجز الخوف يتداعى.. والأعداد تتزايد.. والشعارات تتصاعد.. دروس لم يتعلمها النظام في سوريا

الكاتب فادي شامية

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1950

نشر في الصفحة 20

السبت 30-أبريل-2011

  • ظلت المطالب ترتفع وصولا إلى « إسقاط النظام الذي لم يظهر في الأسبوعين الأولين من الاحتجاجات.
  • وصف المحتجين بـ«المندسين » ألهب حماستهم.. ومشاهد القمع و« فبركات» الإعلام الرسمي حركت نخوتهم.
  • اعتمد في قمع المتظاهرين على «الشبيحة ... ولم يدرك أن بلطجية » مصر سرعوا من سقوط نظام «مبارك » و « بلاطجة » اليمن أساؤوا إلى « علي صالح».
  • مقولة المؤامرة الخارجية تتكرر في أدبيات نظام الأسد ... مثلما تكررت مقولة النيل من مصر ومكانتها في خطابات مبارك.
  • إنها الحكمة الإلهية التي تدفع الظالم إلى المكابرة وتدمير نفسه بيده وهو يظن أنه ينقذها .. تأكيداً لقدر الله الغالب.

يعجب المراقب لدى متابعته يوميات الحراك السوري منذ بدأ على شكل احتجاجات متفرقة وخجولة إلى أن تحوّل راهنا إلى ثورة تطالب بعض شعاراتها بـ«إسقاط النظام»، كيف أن النظام السوري لم يستفد من تجارب ما حصل في تونس ومصر واليمن وليبيا، وكيف أنه لم يدرس وقائع «ثورة ٢٥ يناير على وجه التحديد ؛ ليستنبط ما يفيده في الفرار من مصير مشابه لمصير نظام حسني مبارك ... ليس ثمة تبرير منطقي سوى القول: إنها الحكمة الإلهية التي تدفع الظالم إلى المكابرة وتدمير نفسه بيده وهو يظن أنه ينقذها ، تأكيداً لقدر الله الغالب، وسنته الكونية في الظالمين.

في العادة، يهتم المحللون والمنظرون في الدول التي تبني رؤيتها المستقبلية على صناعة الفكر من أجل دراسة الظواهر الكبرى في السياسة والاجتماع؛ ليصدروا بناءً على دراساتهم جملة من التوصيات والدروس المستفادة.

وفي حالة ثورة ٢٥ يناير كان يجدر بالنظام السوري - قبل أي نظام آخر - أن يدرس ما جرى، ليكتشف سريعا أنه معرض لخطر مشابه، وأن عليه أن يتعامل - في حال وقوع الخطر - على نحو مخالف لتعامل النظام المصري.

ما فعله النظام السوري كان العكس - تماماً؛ إذ راح الرئيس بشار الأسد» ينظر في الحرية والديمقراطية أمام صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية (۳۱) يناير  ۲۰۱۱م) وصولا إلى قوله : «إذا لم تكن ترى الحاجة للإصلاح قبل ما جرى في مصر وتونس، فقد فاتك الوقت أن تقوم بأي إصلاحات»، نافياً ضمناً أنه هو نفسه معني بهذا الكلام، وأن احتمال أن يأتيه الدور في تجرع كأس تحطيم الشعوب حاجز الخوف احتمال وارد .. كان ذلك قبل شهر ونصف الشهر فقط من تفجّر «ثورة ١٥ مارس» في بلاده، وكان هذا الخطأ الذي فوت عليه فرصة قتل الثورة قبل قيامها .

فرصة ضائعة

بدأت التحركات في سوريا بأعداد خجولة، وشعارات متواضعة.. كان عودها طريًّا إلى الدرجة التي سمحت للنظام بنكران وجودها، لكن حاجز الخوف كان يتداعى شيئا فشيئا، والأعداد كانت تتزايد، والشعارات تتصاعد، فلم يعد النكران يجدي، ولم يعد القمع ينفع، فأقال الرئيس الحكومة، ووعد نائبه «فاروق الشرع» - ابن أكثر المحافظات اضطرابا «درعا» - بخطاب «يسعد كل السوريين»، تماماً كما فعل الرئيس المصري المخلوع يوم أقال الحكومة وألقى خطابه الأول.

في ٣١ مارس الماضي، أضاع الرئيس السوري أمام ما يُسمى بـ«مجلس الشعب فرصة إعاقة الثورة من التقدم، وكان بوسعه الاستفادة من أخطاء «مبارك» بتقديمه جملة تنازلات كبرى؛ بما فيها إلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح السجناء السياسيين، والسماح بعودة المهجرين، وإطلاق الحريات الإعلامية ... وذلك بقرارات يصدرها فورا أمام المصفقين له، لكن أسباباً غير معلومة حتى الآن جعلته يقدم خطابا لا جديد فيه، غير كونه دليلا على تكلس نظامه وجموده، ما أعطى الثورة الزخم الذي كانت تبحث عنه.

 وفي محاولة من النظام لإعادة ترميم حاجز الخوف المتداعي؛ اعتمد في قمعه فضلاً عن عناصر الأمن المتظاهرين على «الشبيحة»، وهؤلاء موجودون تاريخياً في سوريا على شكل مجموعات يخضع كل منها إلى شخص مرتبط بالنظام يسمى «المعلم»؛ الذي يستقوي بجماعته، ويؤمن لهم بالمقابل الحماية.

 باختصار «الشبيحة في سورية هم «البلطجية» في مصر، والدرس الذي لم يتعلمه النظام السوري أن بلطجية مصر سرعوا من سقوط النظام بدلاً من أن يحفظوه، وأن بلاطجة» النظام اليمني أساؤوا إلى «علي عبدالله صالح بدلا من أن ينفعوه.

وتيرة متباطئة

الحديث عن المؤامرة الخارجية لم يغب - إلى الآن - عن أدبيات النظام السوري، تماماً كما لم تغب عبارة «النيل من مصر ومكانتها » عن خطابات «مبارك» الذي كان لديه جيش من نواب الحزب الحاكم والمحللين السياسيين والمفتين والفنانين الذين استخدمهم في المواجهة الإعلامية مع المحتجين، وقد زاد الرئيس السوري على هؤلاء كلهم كتيبة من المصفقين تسمى «نواب الأمة»؛ رأى أحد المنتمين إليها أن الرئيس «الأسد» لا يستحق أن يكون قائد العرب فقط، بل يجب أن يكون قائد العالم !! وقد فرح الإعلام الرسمي السوري بهذه العبارة المسيئة لدور نواب الأمة، فنقلها وسجلها وكررها ؛ ليؤكد أنه لم يتعلم من دروس السابقين شيئا .

وصف المحتجين بـ«المندسين» ألهب حماستهم، ومشاهد القمع وفبركات  الإعلام الرسمي حركت نخوتهم، ومع كل حماقة كان يرتكبها النظام السوري كانت المطالب ترتفع وصولا إلى شعار «إسقاط النظام»، الذي لم يظهر في الأسبوعين الأولين من الاحتجاجات، تماماً كما كان هذا الشعار «خرافة» لدى المحتجين في مصر قبل  أن يسيطروا على ميدان التحرير.

وهكذا، يبدو وكأن النظام يسير وراء - حركة احتجاجية متصاعدة، بوعود إصلاحية، أو حتى إصلاحات فعلية، لكن بوتيرة متباطئة - بحيث يأتي آخرها تلبية لمطالب تخطتها ساعة المحتجين، وهذا ما ينطبق على الكلمة الثانية للرئيس بشار الأسد» أمام حكومته الجديدة، والتي رد عليها المحتجون بعد يوم واحد بمسيرات غضب تعامل معها الأمن بغباء، فارتقي شهداء وأصيب جرحي؛ فكانت الدماء وقوداً إضافيا لقاطرة الثورة.

أساليب متخلفة

وفضلًا عن الدروس غير المستفادة يعتمد النظام السوري اليوم على أساليب متخلفة بالمفهوم الزمني لمواجهة التحدي المصيري الذي يواجهه، ومن هذه الأساليب:

· قمع الحريات الإعلامية

حيث تمنع وسائل الإعلام الأجنبية من العمل، ويُقيَّد كلام مراسليها، إلى الدرجة التي رفعت «الجزيرة» و«العربية» و (BBC)‏ العربية إلى الاستغناء عن خدمات مراسليها مؤقتا تفهما لظروفهم، وحتى لا تقع المحطة ضحية التضليل الإعلامي .. كما حجب النظام مواقع إلكترونية عديدة، وفرض رقابة على الصحف الأجنبية، في الوقت الذي يستمر فيه إعلامه الرسمي في تجاهل الحقائق وبث دعاية النظام وتنفيذ «الفبركات» لصالحه ومن أمثلة ذلك، تصوير مطلقي النار في «درعا» على أنهم «مندسون»!

هذا النمط من التعاطي مع الإعلام، إن كان ينفع في الماضي، فإنه لم يعد كذلك اليوم فقد مكنت الثورة التكنولوجية المحتجين من أن يصيروا مصورين، وخوّلت الفضائيات شهود العيان أن يتحوّلوا مراسلين، وسمحت مواقع الإنترنت للناشطين أن يصبحوا ناشرين، وباتت حصيلة عمل هؤلاء أكثر مصداقية من الإعلام الرسمي لدى العالم أجمع، لسبب وجيه؛ هو أنه لو لم يكن لدى النظام ما يخفيه لما قيد الحريات الإعلامية وتاليا فقد أعطى أداء النظام المصداقية للمحتجين ولو بالغوا في وصف ما يجري، وبذلك يكون تخلف النظام قد تفوق على نظرائه في مصر واليمن وحتى في ليبيا؛ إذ انتبه «سيف القذافي» مبكرا إلى هذا الخطأ فسمح للإعلام الأجنبي أن يدخل العاصمة طرابلس»، ولو أن حركته ظلت مقيدة.. ومن الممارسات العجيبة أن الأمن السوري اقتحم في يوم ٢ مارس البيوت المطلة على ساحة «كفرسوسة»، لمصادرة الهواتف الجوالة منعاً للتصوير!

· بث أشرطة الاعترافات

يُعد أسلوب بث ما يسمى بـ«الاعترافات المتلفزة أحد أكثر الأساليب المعتمدة تخلفا؛ لمناقضته حقوق الإنسان من جهة، ولعجزه عن مواكبة التطور في المفاهيم الإعلامية من جهة أخرى وهذا ما يفسر «البرودة» التي تتعامل بها الفضائيات ذات المهنية مع هذه الأشرطة، حتى أنه يمكن القول: إن مجرد إنتاج هذه الأفلام من قبل نظام ما يُعتبر حجة عليه لا له.

 يُضاف إلى ذلك، أنه في المرات السابقة كان النظام السوري يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب في مواجهة «خصم خارجي»، لكنه هذه المرة يعتمد هذا الأسلوب في مواجهة «شعبه»، لإقناعه أن مؤامرة خارجية تحاك ضده، في الوقت الذي يرى فيه الناس ويسمعون ما يجري عندهم.. وقد رأوا كيف تقدمت امرأة نحو سيارة الرئيس «الأسد» للاحتجاج على اعتقال ابنها، يوم ألقى خطابه أمام البرلمان، ما اضطر التلفزيون الرسمي إلى قطع البث، ثم أجبرت المرأة على الظهور على الإعلام لتقول: إنها كانت تتقدم من السيارة بقصد تحية الرئيس!

* تنفيذ القوانين العسكرية في مواجهة الشعب:

 تتزايد الأنباء المؤكدة، يوماً بعد يوم، عن وجود حالات اعتقال مجندين وعسكريين أو إعدامهم لرفضهم تنفيذ الأوامر العسكرية القاضية بإطلاق النار على المتظاهرين، كما يتزايد عدد الشهداء من القوات العسكرية ممن يقتلون برصاص «الشبيحة» مثلهم مثل المحتجين، بقصد الترويج لوجود مندسين وإقناع الناس بوجود مؤامرة على دولة المقاومة والممانعة سوريا.. وبمعنى آخر؛ فإن النظام السوري يتعامل مع شعبه وكأنه عدو يفترض بالجندي أن يلتزم بالأوامر تجاهه تحت طائلة تنفيذ القوانين العسكرية التي تجيز القتل عند رفض تنفيذ الأمر!

وتخلف هذا الأسلوب ليس في كونه منافيا للعدالة فقط، بل في أنه يستعمل الجيش في مواجهة المحتجين، والنار في محاولة قمعهم، وهذا أسلوب لم يعد موجودا إلا في الأنظمة القمعية المتخلفة، وقد ثبت أنه يزيد من نار الثورة بدلا من إخمادها.

ولعل من أدلة تعامل النظام مع المحتجين على أنهم أعداء، ما يلي: -

- أخذ جثث الشهداء ومفاوضة الأهالي في حالات كثيرة على تسليمها، واعتقال الجرحى.

 - حصار المدن وتقسيمها إلى قطاعات وتفتيش المنازل وجمع واعتقال الشباب.

- قمع المظاهرات بالنار، ومنع علاج الجرحى في المستشفيات في حالات كثيرة.

- فصل الطلاب المتظاهرين في الجامعات والاعتداء عليهم بالضرب.. وقد فصلت جامعة دمشق وحدها ٧٥ طالباً، كما فصلت جامعة «حلب» أعداداً أخرى.

-  اعتقال المعارضين وتعذيبهم الكاتب «فايز سارة» مثلاً، واعتقال وتعذيب أقربائهم في حال تعذر الحصول عليهم.. وعلى سبيل المثال اعتقال معن مناع شقيق الناشط الحقوقي هيثم مناع الموجود خارج سوريا.

· قهر الرأي العام بدلا من احتوائه:

من أساليب الأنظمة القمعية في القرن الماضي، مصادمة الرأي العام وتيئيسه من محاولة التغيير عبر بث مواد إعلامية وتنظيم ممارسات فوقية .. هذا الأسلوب ما زال متبعا في سوريا، رغم إقلاع معظم دول العالم عنه بما فيها الدول القمعية نفسها .

ومن دلائل تمسك النظام السوري بهذا الأسلوب غير المجدي اليوم، إجبار مجموع من الشباب على السجود لتقبيل صور للرئيس بشار الأسد»، وتذييل الصور بعبارة:

مطرح ما بتدوس .. راح نركع ونبوس!

ومنها أيضا، إجبار الناس على الخروج بمظاهرات مليونية تأييدا للنظام، ومعاقبة كل من يتخلف عن التنفيذ، بما في ذلك الفصل من الوظيفة الرسمية والخاصة. فقد أجبرت المدارس معلمين وطلاباً، وكذلك موظفو المؤسسات الحكومية وسائقو التاكسي وغيرهم، على التوقيع على تعهدات خطية للمشاركة في المسيرات المؤيدة التي سبقت خطاب الرئيس بشار الأسد.

ومنها أيضا الاستخفاف بدماء الناس والتأخر في ظهور الرئيس للاعتذار عن سفكها، ورفض إطلاق صفة «الشهداء» على القتلى، بل الضحك والتهريج في حضرتهم والحرص على تبكيت الشعب باعتبار التنازلات جزءا مما قررته القيادة القطرية لحزب «البعث» وليس استجابة لمطالب الناس.. وكذلك استدعاء الشخصيات العامة من مفتين وعلماء وصحفيين وحلفاء داخل سوريا وخارجها لدعم الدعاية الرسمية؛ بما يحرق هذه الشخصيات ويزيد من غضب الناس على النظام رد «كبار علماء سوريا» على بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نموذجا.

إنه القدر الإلهي؛ أن يعمي الله على بصيرة من كان يُظن فيه الحذاقة إلى حد المكر .. ﴿وسُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَقْدُورًا  ﴾ (الأحزاب 38) ..

الرابط المختصر :