; ثورة مصر ..مصر تعود للثورة وميدان التحرير | مجلة المجتمع

العنوان ثورة مصر ..مصر تعود للثورة وميدان التحرير

الكاتب مؤمن الهباء

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012

مشاهدات 76

نشر في العدد 1999

نشر في الصفحة 16

السبت 21-أبريل-2012

الإسلاميون والعسكر.. مشروعان متناقضان

في كل موقف يتحمل الإخوان دائمًا تبعات ألاعيب العسكري لأنهم يعلمون أن الوضع على المحك وأن مشروعهم الديمقراطي السلمي التنموي لم ولن يتفق يومًا مع العسكر

المجلس العسكري لديه قدرة على اللعب بالأوراق بكل السبل وملفات لا يعلم أحد عنها شيئًا وسعي دائم لإثارة القلاقل والمشكلات ... حاول جاهدًا جر الإسلاميين إلى الصراع المباشر في أحداث عنف ليتسنى له تعطيل الانتقال الديمقراطي

كان للعلمانيين غلبة التمثيل والمناقشة والاقتراح في الاجتماعات الأولية التي عقدها المجلس العسكري مع المثقفين والمفكرين

أهم ما كشفت عنه «وثيقة السلمي» أن المجلس العسكري لديه مشروع خاص يقوم على ضمان وضعية مميزة للقوات المسلحة في الدستور وضمان هوية الدولة الجديدة

هكذا بات الموقف في مصر، فمع تسارع الأحداث في معركة الترشيحات لانتخابات الرئاسة من دفع الإخوان بالمهندس خيرت الشاطر مرشحًا للرئاسة، ثم مفاجأة عمر سليمان بالترشح في الدقائق الأخيرة، ثم شطبهما من قوائم الترشح ضمن عشرة مرشحين، ثم التقدم بطعون، بعد مليونية جديدة في ميدان التحرير أعادت التذكير بأيام الثورة الأولى، تتسارع الأحداث منبئة بجديد كل يوم بل كل عدة ساعات تقريبًا.

وبصرف النظر عما سيستقر عليه موقف اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، فإن المؤكد أننا أمام موقف لا يتسم بالوضوح، والمؤكد أيضًا أننا بتنا أمام مجلس عسكري لديه قدرة على اللعب بالأوراق بكل السبل والطرق، وملفات لا يعلم أحد عنها شيئًا، وسعي دائم إلى إثارة القلاقل والمشكلات، والتعامل بسياسة «فرق تسد»، ومحاولة التعامل بالشكليات لا اعتماد هياكل وقرارات المؤسسات، بينما الإخوان دائمًا في كل موقف يتحملون تبعات هذه الألاعيب، لأنهم يعلمون أن الخسارة ستكون كبيرة، وأن الوضع على المحك، وأن مشروعهم لم ولن يتفق مع العسكر يومًا من الأيام، فمشروعهم مشروع ديمقراطي سلمي تنموي. 

ونظرة سريعة على سجل العام الماضي من الثورة، نكتشف أنه كثيرًا ما كانت تثار اتهامات للإسلاميين في مصر بمهادنة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد منذ ثورة ٢٥ يناير ۲۰۱۱م، وعقد صفقات سرية معه واتفاقات وتفاهمات، وكثيرًا ما عزت بعض القوى الليبرالية واليسارية والعلمانية تفوق الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية وحصولهم على الأغلبية إلى هذه الصفقات الذي قضت بأن يسلم العسكر مصر إلى الإسلاميين كشقة مفروشة. 

وطوال مسيرة العام الماضي كان هناك حرص واضح من الإسلاميين على عدم الصدام مع المجلس العسكري، والمطلعون على كواليس العلاقة بين الإسلاميين والمجلس العسكري على مدى العام المنصرم يقولون: إن علاقة الطرفين كانت بين شد وجذب من وراء ستار، كان بينهما تقارب في فترات وتباعد في فترات أخرى، وفي بعض الأحيان كان حرص الإسلاميين على التقارب يقابله حرص العسكري على التباعد؛ حتى لا يتهمون من الدوائر العلمانية والليبرالية، ومن خارج الحدود أيضًا، بأنهم من أتباع الإخوان أو السلفيين.

دلالات الأحداث

وليس أدل على ذلك من أن الحوارات الأولية التي عقدها المجلس العسكري مع المثقفين والمفكرين تجاهلت العناصر الإسلامية، ولو من باب التوازن الفكري، مع العناصر اليسارية والليبرالية والعلمانية المناوئة التي كان لها غلبة التمثيل والمناقشة والاقتراح، ومع ذلك عندما حاول أحد أعضاء المجلس العسكري أن يكون موضوعيًا في المناقشة جاءه سؤال مستفز: كم واحدًا منكم إخواني؟

يضاف إلى ذلك، أن الذين عينوا في المناصب الوزارية وفي مناصب المحافظين طوال المرحلة الانتقالية التي يقودها المجلس العسكري كانوا من الليبراليين واليساريين، وبعضهم من أتباع نظام «مبارك»، ولم يكن بينهم إسلامي واحد، وعندما ظهر اسم صبحي صالح المحامى الإخواني ضمن أعضاء لجنة التعديلات الدستورية التي رأسها المستشار طارق البشري قامت الدنيا ولم تقعد، وكانت هذه عملية ابتزاز وإرهاب حتى يظل الإسلاميون بعيدين عن مراكز السلطة ومراكز التأثير.

وعندما احتشد الإسلاميون للتصويت بــ «نعم» في أول استفتاء حر ونزيه في تاريخ مصر على التعديلات الدستورية في 19 مارس ۲۰۱۱م، وحصلت «نعم» على ٧٨% من الأصوات، خرجت القوى الليبرالية واليسارية تهلل للصفقة المزعومة بين الإسلاميين والعسكر، وتتهم المجلس العسكري بتسهيل سيطرة الإسلاميين على السلطة من خلال تمرير الاستفتاء الذي جعل الانتخابات البرلمانية سابقة على وضع الدستور!

وثيقة السلمي

وبعد ظهور التفوق الإسلامي من خلال هذا الاستفتاء، بدأت القوى الليبرالية التي تحتل المواقع المؤثرة في الحكومة والقريبة من المجلس العسكري، تبحث عن آليات لتدعيم نفوذها وعرقلة الصعود الواضح للتيار الإسلامي، وكان أبرز هذه الآليات وأعلاها ضجيجًا ما عرف في ذلك الوقت بــ  «وثيقة السلمي»، وهي الوثيقة التي وضعها نائب رئيس الوزراء د. علي السلمي، القيادي البارز في حزب «الوفد»، وتم الترويج لها لتكون بمثابة معايير وقواعد فوق دستورية، وقد بدا واضحًا من الجدل الواسع حول الوثيقة الصادمة أن هناك حوارات تجرى في الخفاء تريد أن تمس هوية الدولة الديمقراطية الناشئة، وتفرض عليها سمتًا علمانيًا تحت ستار «مدنية الدولة»، وتعطي العسكر وضعًا استثنائيًا يجعل منهم دولة فوق الدولة على النموذج الذي كان في تركيا قبل أن تهذبه وتخفف من غلوائه حكومة «رجب طيب أردوغان».

ولم يكن هذا التوجه ناتجًا عن ثقة السلمي وأعوانه في العسكر، وإنما عن رغبة في تحجيم الصعود الإسلامي، واتخاذ خطوة استباقية لتثبيت علمانية الدولة الناشئة، وضمان احتكار نفوذ العسكر إلى جانبهم، والأهم من ذلك افتعال أزمة قد تصل إلى صدام بين الإسلاميين والعسكر.

وجاء الرد الإسلامي على هذه الوثيقة قويًا وحاسمًا ولكن كان منضبطًا، فقد خرجت الجماهير إلى ميدان التحرير في مليونية «الدفاع عن الهوية»، ورغم أن بعض القوى الليبرالية كانت قد أبدت اعتراضها على انحياز الوثيقة للعسكر، فإنها لم تشارك في هذه المليونية الإسلامية التي نجحت في إسقاط الوثيقة وصاحبها. 

إلا أن أهم ما كشفت عنه فتنة «وثيقة السلمي» أن المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية لديه مشروع خاص في تصوره للدولة الناشئة يقوم على ركيزتين أساسيتين، الأولى تتعلق بضمان وضعية مميزة للقوات المسلحة فيما يتصل بالميزانية والرقابة عليها والمشروعات الاقتصادية المدنية، والركيزة الثانية تتعلق بضمان هوية الدولة الجديدة.

الطرف الثالث

وشهدت الفترة التي سبقت إجراء الانتخابات البرلمانية مصادمات دامية في الشوارع، كان بعضها مفتعلًا ومدبرًا، بهدف عرقلة إجراء الانتخابات، وأيضًا بعد الانتخابات البرلمانية مباشرة وقعت مصادمات في الشوارع وسقط العديد من الضحايا والمصابين وكان الهدف واضحًا، إما استدراج الإسلاميين إلى الصدام المبكر مع العسكر إذا ما انضموا إلى المتظاهرين والمعتصمين جماعات وتكوينات مختلفة، أو اتهامهم صراحة بالتخلي عن الثورة والثوار وشرعية الميدان ومهادنة المجلس العسكري، وبالفعل نشطت القنوات الفضائية والصحف في ترويج هذا الاتهام عندما أثرت القوى الإسلامية الالتزام بضبط النفس والاكتفاء بالتعبير عن إدانتها لاستخدام العنف مع المتظاهرين.

ومن العجيب أنه لم يتم أبدًا التعرف على الطرف الذي يقوم بالاعتداء على المتظاهرين، وقتل الشخصيات المرموقة، وطلاب الجامعة، وسجل النساء وحرق المباني الحكومية والأثرية، وقدم للمحاكمة متهمون مشكوك في اتهامهم، وتم تقييد القضايا ضد مجهول «الطرف الثالث غير المعروف»، أو أنه «اللهو الخفي».

إضعاف البرلمان

وعندما عقد مجلس الشعب جلساته الأولى اصطدم مباشرة بالكارثة الكبرى، «كارثة بورسعيد» التي اعتدى فيها مجرمون وبلطجية على مشجعي النادي «الأهلي» في إستاد بورسعيد عقب انتهاء مباراة «الأهلي» مع النادي «المصري»، وراح ضحيتها أكثر من ۷۰ شخصًا معظمهم من الشباب، وأكدت كل الشواهد التي جمعتها لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس الشعب والتحقيقات التي باشرتها النيابة العامة أن الجريمة مدبرة بفعل فاعل، وهذا الفاعل كان حريصًا جدًا على ألا يترك وراءه أثرًا يدل عليه، ومن هذه الشواهد أن قوات الأمن وقفت تتفرج على المجرمين وهم ينفذون جريمتهم ولم تتدخل، كما أن أبواب الإستاد كانت مغلقة باللحام حتى لا تكون هناك أي فرصة للهروب من المذبحة.

وكان من نتيجة «مذبحة بورسعيد» أن زاد الغضب على الحكومة والبرلمان معًا، وبدا واضحًا أن المطلوب توصيل رسالة إلى الشعب مفادها أن البرلمان عاجز وضعيف ولن يفعل شيئًا .

وعند هذه النقطة بدأ الصدام العلني بين البرلمان بأغلبيته الإسلامية والمجلس العسكري لأول مرة، فالبرلمان يريد أن يحاسب الحكومة مثلما يحدث في كل الدول الديمقراطية ويسقطها ويشكل حكومة ائتلافية من الأحزاب الممثلة في مجلس الشعب، والمجلس العسكري يرفض المساس بالحكومة، ويؤكد أن أمرها بيده وحده، وأن الإخوان المسلمين يسعون إلى «التكويش على السلطة».

الترويج للانقلاب

ومع اتجاه الطرفين إلى التصعيد، انجاز الليبراليون مباشرة إلى المجلس العسكري ضد الإخوان الذين ساندهم السلفيون، وبدأت حملة التخويف والترهيب من وقوع انقلاب عسكري يطيح بالإسلاميين من البرلمان، ويحرمهم من الترشيح للانتخابات الرئاسية، وشاركت المنابر الإعلامية الفضائية في هذه الحملة إلى جانب الصحف الخاصة والحزبية نكاية في الإسلاميين الذين يرونهم غرباء ودخلاء على المسرح السياسي المحجوز مقدمًا لليساريين والليبراليين والعلمانيين المحترفين، وساعد على ذلك الأغلبية التي دخل بها الإسلاميون إلى الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، والتي أثارت كثيرًا من الاتجاهات ضدهم، وقد بدا هذا واضحًا في حملة الانسحابات المتتالية من الجمعية، وإعلان العديد من المنسحبين أنهم تعرضوا لضغوط شديدة لإجبارهم على الانسحاب.

وفي الوقت الذي ذهبت فيه الجمعية التأسيسية للدستور إلى المحكمة الإدارية لتصدر حكمًا بوقف تشكيلها، ظهرت دعوى قضائية أخرى تطالب بعدم دستورية مجلسي الشعب والشورى، وهو ما يعني بكل وضوح الانقلاب على الشرعية وسحب البساط بالكامل من تحت أقدام الإسلاميين، وهدم المعبد على من فيه، وتزامن ذلك مع أخبار تم تسريبها بشأن خروج بعض المرشحين الإسلاميين من سباق الرئاسة، حتى يفسح المجال لترشيح اللواء عمر سليمان، نائب «مبارك» ورئيس جهاز المخابرات العامة السابق باعتباره مرشح العسكر.

وهنا رأى الإخوان أن من واجبهم تغيير الإستراتيجية التي يعملون بها، والتي دفعتهم مبكرًا إلى إعلان عدم الترشح للانتخابات الرئاسية حماية للثورة ولمشروع النهضة الذي وعدوا الناخبين به، وتصوروا أن بالإمكان تنفيذه دون الحاجة إلى منصب الرئاسة، لكن تشدد المجلس العسكري في حماية الحكومة، والدفع بسليمان في الانتخابات الرئاسية مع تحصين قرار اللجنة العليا للانتخابات بالقانون ضد أي طعون، يعني أن هناك مشروعًا يجري التخطيط لتنفيذه خطوة خطوة لإعادة إنتاج نظام «مبارك» وإجهاض الثورة. 

ويبدو أن البرلمان استشعر خطرًا حقيقيًا داهمًا من مخطط ترشيح سليمان وما يمكن أن يتبعه، لذلك اتجه إلى توجيه ضربة استباقية للجنرال والقوى التي تسانده، وجاءت هذه الضربة في صورة قانون لمنع رموز النظام السابق من الترشح للانتخابات الرئاسية لمدة عشر سنوات، بهدف حماية الثورة، وقطع الطريق على أي محاولة للالتفاف عليها، كما عادت القوى الإسلامية إلى حشد الجماهير في مظاهرات مليونية بميدان التحرير والميادين الكبرى بالمحافظات، ومد الجسور مع التيارات والأحزاب الأخرى لإحياء روح الثورة.

وهكذا وضع المجلس العسكري نفسه مرة أخرى أمام الاختيار في لحظة الحقيقة، إما الانحياز للشعب ومشروع الثورة والتغيير الديمقراطي الكامل، أو الانحياز إلى مشروع إعادة إنتاج نظام «مبارك» تحت راية فرعون جديد .. إما حماية مشروع الثورة إلى نهايته أو الصدام معه والانقلاب عليه.

الضبابية تلف عملية تشكيله

المجلس القومي للمرأة.. تهديد للأسرة المصرية

ثلاثون اسمًا ثلثهم من أعضاء الحزب الوطني المنحل تم اختيارهم دون أجندة عمل ولا مرجعية تشريعية

إلغاء المجلس القومي للمرأة أحد الحلول المطروحة لأن ما بني على باطل فهو باطل

الإسراع بتشكيل مفوضية المرأة كان غطاء لتمرير التمويل الأجنبي

المواطن المصري بعد الثورة لن يرضى أن تنفق الدولة حوالي ۲۰۰ مليون جنيه سنويًا على فلول الوطني في هذا الكيان ليقترحوا السياسات العامة

د. منال أبو الحسن «*»

«ضجة كبرى أحدثتها القوى العلمانية التي شنت أعتى حملة على تشكيل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، انتهت بصدور حكم قضائي من المحكمة الإدارية يوم الثلاثاء 10/4/2012م بإعادة تشكيل الهيئة لتضم كل أطياف المجتمع المصري.. لكن المتباكين على «أطياف الشعب المصري»، ودعاة مزاعم أن اللجنة انفرد بتشكيلها التيار الإسلامي، رغم أنها تضم ٥١% تقريبًا من خارجه، تغافلوا عن التشكيل الأخير لــ «المجلس القومي للمرأة»، وهو من المجالس الإستراتيجية في مصر، والذي جاء تشكيله الأخير بفضيحة كبرى لهؤلاء جميعًا، إذ شكل ثلث أعضائه من نساء «الحزب الوطني» المنحل.. وهذا المقال يكشف كيف تم التشكيل.. فهل يتحرك أحد للقضاء ليوقف هذا التشكيل المهزلة المسكوت عنه من العلمانيين؟!».

يمثل قرار إعادة تشكيل المجلس القومي للمرأة الصادر يوم 11 فبراير ۲۰۱۲م، قبل وضع دستور البلاد وقبل استكمال إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الثورة المباركة تهديدًا جديدًا للأسرة المصرية لا يقف عند حد أيام أو أشهر قليلة انتقالية، كما هو الحال بالنسبة لباقي مؤسسات الدولة والحكومة التي شكلت في فترة الحكم العسكري الانتقالي، ولكنه يتعداها لما بعد تكوين دستور البلاد وانتخاب رئيس الجمهورية.

لقد كانت ثورة تونس المباركة شعلة لجميع ثورات الربيع العربي كله، وكانت معظم تداعياتها تماثل تداعيات الثورة في البلدان العربية، فالحكم الدكتاتوري السلطوي واحد، ونهب ثروات الشعوب سمته واستئثار قلة من أتباع النظام على ثروات البلاد وتمثيلهم للمواطنين في الخارج وتعاونهم مع الجهات الخارجية على فساد البلاد والعباد، وحرمان الشعوب من حقوقهم وسلب كرامتهم رغم ما أنعم الله على هذه البلاد بالخير الكثير والنعم التي لا تحصى.

وربما يماثل الوضع في تونس بعد الثورة ما يحدث الآن في مصر فيما يخص المرأة، فقبيل انتخاب رئيس الجمهورية قامت الحكومة التونسية المؤقتة بعد الثورة برفع تحفظات تونس كاملة عن اتفاقية «سيداو» «اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة» من خلال الوفد الممثل لتونس في الأمم المتحدة، كما قامت المغرب في سبتمبر ۲۰۱۱م برفع التحفظات عن الاتفاقية.

ولم تكتف التكتلات العلمانية في تونس بهذا الإجراء، ولكنها تابعت السير قدمًا نحو إضافة مادة في الدستور تمنع إعادة النظر في اتفاقيات المرأة والطفل، كما تمنع الرجوع عن قرار رفع التحفظات أو مراجعته، وهي التحفظات التي وضعتها الدول العربية والإسلامية لمخالفة بعض بنود الوثيقة للشريعة الإسلامية أو القيم والعادات الشرقية والأخلاقية، والمواد التي تتعدى على سلطة الدولة.

تمرير الوثيقة

لم تفتر في مصر عزيمة تابعات زوجة المخلوع، واللاتي عملن على تمرير الوثيقة من خلال المجلس القومي للمرأة، ومن خلال بعض جمعيات المجتمع المدني وبعض عضوات الجمعيات الدولية اللاتي يعملن لهذا الغرض لم يفترن جميعهن عن العمل جاهدات لاستمرار مكتسباتهن المادية والمعنوية، ولم يتوقف عملهن داخل المجلس القومي للمرأة والأمومة والطفولة لاستكمال تنفيذ الآليات المقررة لهن ومن خلال الحكومات المؤقتة.

مفوضية المرأة

وقد تقدمت بعض النساء بعرض قوائم لمن يمكن دمجهن في هذا الكيان، ووضعوا اقتراحًا بمفوضية للمرأة، واستمر جدالهن حول الدستور أولًا أم الانتخابات أولًا، حتى بعد عقد جلسات مجلسي الشعب والشورى، فالرغبة الشديدة لإنشاء كيان للمرأة يتم من خلاله تمرير المواثيق الدولية واستكمال تلقي المعونات الدولية، والتي كانت تتم تحت سلطة المجلس القومي للمرأة، وكانت الدولة تسمح بها كأحد مصادر التمويل لهن، فلم يعملن لتحقيق أهداف الثورة من عدالة اجتماعية ولا تنمية مجتمعية، كما لم يحترمن الإرادة الشعبية التي أسقطت النظام ورموزه، فكان التشكيل الجديد دليلًا صارخًا على هذا الوضع المخزي في مصر.

سيطرة الفلول: ثلاثون اسمًا تحوي أكثر من ثلثها أعضاء في الحزب الوطني المنحل وأعضاء سابقين للمجلس القومي للمرأة، ومن فلول النظام ومن كان على رأس مؤسساته، ومن هي عضو برلماني حالي، تم عرض الأسماء من خلال وسائل الإعلام قبل إبلاغ بعض أصحابها بالتعين، ولم تعرف هؤلاء النسوة لماذا اخترن؟ وتحت أية قوانين ولوائح سيعملن؟ وما هي أجندتهن؟ ولماذا اخترن في هذا الوقت بالذات؟ فقبل أكثرهم التعين، ورفض قليل منهم احترامًا لإرادته وللإرادة الشعبية، وتعظيما لمكتسبات الثورة والثوار، وممن جاء أسماؤهم في القائمة: الدكتورة هدى عبد المنعم محمد فرج «عضو الحزب الوطني المنحل»، والدكتورة عزة أحمد عبد المقصود هيكل «الكاتبة الصحفية عضو الحزب الوطني المنحل»، وابتسام إبراهيم أبو رحاب «عضو مجلس الشورى المنحل ۲۰۱۰م عن الحزب الوطني - زوجة أمين الحزب الوطني المنحل عن محافظة الوادي الجديد- عضو المجلس سابقًا»، د. درية شرف الدين «عضو المجلس السابقة -عضو أمانة الإعلام للحزب الوطني المنحل برئاسة د. علي الدين هلال- كانت على قوائم المرشحين للانتخابات كوتة المرأة لمجلس الشعب ۲۰۱۰م بمحافظة البحيرة والمتحدث الرسمي الآن للمجلس القومي للمرأة»، د. حسن سعد محمد عيسى سند «أستاذ القانون بجامعة المنيا وكيل كلية السياحة «مرشح المجمع الانتخابي للحزب الوطني المنحل في انتخابات مجلس الشعب ۲۰۱۰م عن دائرة ملوي- محافظة المنيا»، غادة فتحي إسماعيل والي «الأمين العام الحالي للصندوق الاجتماعي للتنمية التابع لمجلس الوزراء المصري- عضو اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطني المنحل»، الدكتورة نهاد لطفى أبو القمصان «عضو المجلس السابقة- الأمين العام الحالي للمجلس القومي للمرأة»، السفيرة میرفت مهنا أحمد التلاوي «وزيرة التأمينات والتضامن الاجتماعي السابقة في حكومة الحزب الوطني المنحل- عضو في أمانة المرأة المركزية للحزب عضو المجلس والرئيس الحالي للمجلس القومي للمرأة»، هاجر محمد صلاح الدين شاكر «عضو حزب مصر الحديثة من فلول النظام السابق»، هالة فوزي إبراهيم أبو السعد «مرشحة الحزب الوطني في انتخابات الشعب ۲۰۱۰م كوتة المرأة محافظة كفر الشيخ».

اختيار بالانتخاب !!

فما أغرب أن ينشر الإعلام أن المجلس اختير بالانتخاب، وأنه يضم كافة الطوائف في مصر، وأن عضواته لسن من المجلس السابق، وأن المجلس مكن المرأة المصرية سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وكأنهن في عالم آخر يعشن مترفات هانئات بما أوتين من تمويل وإعلام ونفوذ. 

في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة الأمية إلى أكثر من ثلث الشعب المصري، وتشردت أسر بكاملها وزادت نسب الطلاق «أربعة ونصف مليون»، والعنوسة «تسعة ملايين» بشكل مخزي كشكل من أشكال التمكين الاجتماعي الذي يدعون إليه، ومنهن من شاركن سياسيًا كشكل من أشكال التمكين السياسي الزائف في منظومة التزوير، ونهبت ثروات الشعب المصري، وتكدست ثروات القلة من الكسب غير المشروع فعاشت غيرهن تحت خط الفقر كشكل من أشكال التمكين الاقتصادي الذي يدعون إليه خلال عقدين.. فعن ماذا يدافعن ولمن؟!

إن الثورة فضحت أين ذهبت أموال الفقراء والعجزة، وأين ذهبت أموال التبرعات للتعليم والمعاقين والأطفال والثقافة، وأين ذهب الذهب والبترول والآثار المصرية.

لا أعتقد أن المواطن المصري الحر بعد الثورة يرضى أن تنفق الدولة ما يقرب من ۲۰۰ مليون جنيه سنويًا على هذا الكيان من ميزانيتها من أجل أن يقوم فلول النظام ورموزه باقتراح السياسة العامة للمجتمع ومؤسساته الدستورية، أو وضع مشروع خطة قومية للنهوض بالمرأة، وحل المشكلات التي تواجهها على الطريقة السوزانية، أو أن يتابعوا لنا تقييم السياسة العامة في مجال المرأة أو يبدون الرأي في جميع الاتفاقيات المتعلقة بالمرأة أو تمثيل المرأة المصرية في المحافل والمنظمات الدولية المعنية بشؤون المرأة أو الإنفاق على عقد مؤتمراتهن، أو تنظيم دورات تدريبية بأجندات وآليات أجنبية مشبوهة، أو إصدار النشرات والمجلات والمطبوعات المتصلة بأهدافهن.

غياب الدستور

ولا أن يضعوا لائحة لتنظيم العمل فيه بدون الرجوع لدستور البلاد الجديد، ولا أن يقوموا بتنظيم شؤون العاملين والشؤون المالية والإدارية بما يسمح لهن تقاضي أموالًا طائلة من أموال الشعب والتمويل الخارجي ونشر الفساد بالتعين بالمحسوبية والولاء لهن ولأفكارهن.

لا أعتقد أن الشعب المصري بعد الثورة المباركة أصبح بهذه السذاجة، ليفتح أعوان النظام البائد ملفًا جديدًا للفساد يتهمون فيه الإسلاميين بعدم قدرتهم على إدارة البلاد، ويتهمونهم بالردة عن المواثيق الدولية والرجعية وظلم المرأة.. وما يقوم به إعلامهم الآن إلا تطبيقًا فاعلًا لتوجهاتهم السلبية تجاه الثورة والثوار.

قد تجد الشعوب العربية نفسها في مأزق لتنفيذ ما وقعته النظم البائدة من مواثيق باسم الشعب، وعنهم ظلمًا وعدوانًا ولكن المأزق الأكبر أن تستكمل مسيرة الفساد، وتلغى التحفظات الباقية، ومنها التحفظات التي تعرض الدول للمحاكم الدولية «الفقرة الأولى من المادة ٢٩ والتي تنص على التالي: «يعرض للتحكيم أي خلاف بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية لا يسوى عن طريق المفاوضات، وذلك بناء على طلب واحدة من هذه الدول، فإذا لم يتمكن الأطراف خلال ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم، من الوصول إلى اتفاق على تنظيم أمر التحكيم، جاز لأي من أولئك الأطراف إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية بطلب يقدم وفقًا للنظام الأساسي للمحكمة»».

استرداد الأموال المنهوبة

وهذا أمر وارد مما يضر باستقرار العلاقات بين الدول التي قد تختلف في التطبيق أو الآليات.. فهل ضمن أجندة أصحاب المجلس القومي للمرأ استرداد أموال الشعب المنهوبة من فلول النظام بالتعاون مع محكمة العدل الدولية؟ أو هل يمكن أن يطالبوا بمحاكمة رئيسة المجلس القومي للمرأة ومعاونيها على الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟!

والتحفظ على المادة (۷)، وتتعلق بحظر التمييز في الحياة السياسية والعامة، فهل ضمن أجندة المجلس القومي للمرأة ما يثبت قديمًا وحديثًا عدم تمييزهم للمرأة في الممارسة السياسية بعدما أدخلن أعوان النظام من السيدات مجلس الشعب بتزوير إرادة الأمة! وبعدما رضين بالتمييز الصالح فلول النظام وأعوانهم في تشكيل المجلس الجديد.

والمادة (١٦)، تتعلق بحظر التمييز في الزواج والعلاقات الأسرية، فهل سيلغون المهر باعتباره انتقاص للمرأة باعتباره ثمن للعروس؟! هل سيمنعون تعدد الزوجات أو سيسمحون بتعدد الأزواج؟! هل سيطلبن تقاسم الثروة بين الزوجين؟ وهو ما تدعو إليه إحدى العضوات الآن!!

وللمجلس القومي إستراتيجيات لإقرار «سيداو» مع وجود التحفظات وخاصة ما يتعارض مع الشريعة منها ما استخدم ومنها ما يسعون إليه، حيث يتم الاستعانة برجال ونساء متخصصين في الدراسات الدينية ليس لهم مرجعية سياسية وطنية ثورية ولا يعملون من خلال ترشيحهم لأداء هذه المهمة من قبل مؤسسة دينية يقومون بنشر فكرة عدم تعارض اتفاقية «سيداو» مع الشريعة، ونشر ذلك على الرأي العام لتأهيله قبل إصدار قوانين من خلال وسائل إعلام معينة، ومن خلال المؤتمرات والتوصيات عقب الندوات والمؤتمرات، واستخدام المؤسسات التعليمية لنشر الفكرة على الساحة الشبابية، ودعم الدراسات العليا التي تدعم الفكرة وتؤكدها وتصل إلى نتائج على نهجها لاستخدامها في تدعيم رؤاهم، وقد عقدت مؤتمرات خاصة بإدماج الشواذ من خلال مناقشة مريض الإيدز واحتياجاته ودمجه في المجتمع وكسر حاجز الخوف لديه، واعتباره مريض مثل أي مريض يجب أن يلقى رعاية الدولة، وإنشاء مستشفيات خاصة له، وإطلاق خط ساخن له وتكريم الممثلين ذوي النوايا الحسنة لدعم الشواذ على حساب المواطن السوي ومن ميزانية دولته، كما يتم تفتيت المواد داخل الاتفاقية ليتم تحويلها لقوانين بشكل جزئي حتى يمكن تمريرها على الناس، وما كان من تزوير في مجلس الشعب ودعم سيدات لدخول البرلمان بالتزوير إلا لرفع حصتهن في التصويت لهذه الاتفاقيات، وتطبيق مواد التمكين السياسي الزائفة عليهن لإقناع المجتمع الدولي بالعمل بإخلاص لتطبيق مواثيقه. 

وما كان لوسائل الإعلام الفاسدة قديمًا وحديثًا إلا أن تطرح على الجمهور نفس القضايا، وتبين للرأي العام كيف يمكن حدوث ردة عن القوانين التي تم تمريرها؟ وما مردود ذلك على المرأة المصرية من وجهة نظرهم إلا تخلفًا ورجعية، ولكنها تصطدم بالإرادة الشعبية والوعي الجماهيري لحقيقة ما يروجون له وحقيقة زعمائهم.

وعلى الرغم من وجود المادة (٢٦) من الاتفاقية التي تسمح للدول التي وقعت على الاتفاقية بإعادة النظر في هذا التوقيع إذا وجدت مصلحة لذلك. فإن البند (۲۸) من الاتفاقية يلغي أي تحفظ يتعارض مع روح الاتفاقية وغرضها الأساسي، وهو التساوي التام بين الرجل والمرأة، في حين أن البنود المتحفظ عليها تجسد روح الاتفاقية وغرضها الأساسي، والتحفظ عليها يعني رفض مبدأ التساوي التام والمطلق بين الرجل والمرأة، بينما توجد بالفعل فوارق بين الرجل والمرأة بيولوجيا ونفسيًا، من شأنها الحفاظ على توازن البشرية، وتكامل الجنسين في أداء أدوارهما داخل الأسرة وخارجها.

بدائل المجلس الحالي

وعرضت العديد من الجهات المعنية الرافضة للمجلس القومي للمرأة العديد من البدائل منها إلغاؤه، فما بني على باطل فهو باطل، وعدم إنشاء هياكل جديدة له فلا يؤمن عاقبته، فيمكن الالتفاف حوله لاستكمال مسيرة الفساد، مثل ما دعوا إليه من مفوضية للمرأة تغني عن وجود المجلس وتسعي إلى نفس الهدف، وعدم دمج المجلس في مجلس قومي أخر، أو قيام مؤسسات بحثية بالدور الاستشاري لمشكلات الأسرة والطفل والمرأة أو قيام وزارة التضامن الاجتماعي بمهمة دعم تنمية الأسرة، أو استحداث وزارة للأسرة، أو تفعيل دور الجمعيات الأهلية الخاصة بالأسرة في دعم تنمية الأسرة والمرأة والطفل ومساعدة الجهات المعنية لها.

«*»أمينة المرأة بالقاهرة عن حزب «الحرية والعدالة»

الرابط المختصر :