; من الحياة- هجائية الحب (٢).. بَصَّر ولدك بآداب التعلم | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة- هجائية الحب (٢).. بَصَّر ولدك بآداب التعلم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2011

مشاهدات 49

نشر في العدد 1954

نشر في الصفحة 50

السبت 28-مايو-2011

  • أولادنا بحاجة إلى أن نبصرهم بضرورة إخلاص النية في تحصيل العلم وجعله عبادة

يقول الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في «مختار الصحاح»: البَصَر: حاسة الرؤية، وأَبْصَره رآه، و«البصير» ضد «الضرير»، وبصُرَ بِهِ أَي عَلَمَ، ومِنه قوله تعالى: ﴿قَالَ بَصُرَّتَ بمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه (طه: ٩٦). 

والتبصر: التَأَمل والتعرُّف، والتبصير: التعريف والإيضاح.

والمُبْصِرة: المضيئة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ (النمل: ۱۳). قال الأخفش: معناه أنها تبصرهم، أي تجعلهم «بُصَرَاء».

فالتبصير - إذن - هو التعليم والتعريف والإيضاح والتنوير، ومن أهم واجبات الآباء والمربين التربوية تبصير الأبناء والبنات بآداب التعلم ومهارات تحصيل العلم، وفيما يلي تبيان ذلك.

 أولًا: بضَّرْ ولدك بتطهير القلب:

يقول بدر الدين بن جماعة في كتابه القيم «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم» أن آداب المتعلم أن يُطهر - أي المتعلم - قلبه من كل غش ودنس، وغل وحسد، وسوء عقيدة وخلق؛ ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه، والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم - كما قال بعضهم - صلاة السر، وعبادة القلب، وقربة الباطن.. وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث، فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات، وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها، وإذا طُيب القلب للعلم ظهرت بركته ونما، كالأرض إذا طيبت للزرع نما زرعها وزكا.

وفي الحديث: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (أخرجه البخاري). 

وقد قيل: «حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله عز وجل». 

هذه نصيحة لكل أب يشكو من ضعف ولده في التحصيل الدراسي، أو عزوفه عن العلم، وعليه أن يبدأ بإعمار قلب ولده، وتزويده بالتقوى قال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واَللهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:282).

وهي نصيحة قيمة أيضًا لمن أراد لابنه الطريق السوي، الذي يحقق له الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.

 ثانيًا: بصره بإخلاص النية:

في بداية كل فصل دراسي في أول محاضرة ألتقي بطلابي أو طالباتي أسألهم: لماذا أتيتم إلى الكلية؟ فيجيبون إجابات شتى، ونادرًا ما يذكر أحدهم أنه جاء يطلب العلم قاصدا به وجه الله تعالى، وهذا يؤكد خواء الفكر والقلب، وتقصير الآباء والمربين في هذا المجال، فحري بالآباء والمربين أن يبصروا أولادهم وتلاميذهم بإحسان النية في طلب العلم، بأن يقصدوا به وجه الله تعالى، وإحياء شرعه، وتنوير قلوبهم، وتحلية بواطنهم، والقرب من الله يوم القيامة، والفوز بما أعده الله لأهل العلم من أجر وثواب ونعيم.

ولا شك في أن إحسان النية يحتاج إلى جهد كبير، وقد أشار إلى ذلك سلفنا الصالح. يقول سفيان الثوري: «ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي».

موقف تربوي أسري

ذات يوم استيقظ الزوج على صوت زوجته وهي توقظ ابنهما - وكان آنذاك في الصف الثاني الابتدائي - كي يذهب إلى مدرسته، فدار بين الأم وابنها الحوار التالي:

الأم: انهض؛ لتذهب إلى المدرسة.

الأبن: هو كل يوم مدرسة؟ لماذا أنتم مصرُّون على المدرسة؟ وما الفائدة منها؟

الأم: كيف تقول ذلك؟

الأبن: أنا أسألك أجيبيني وتحاوري معي.

 الأم: نريدك تذهب إلى المدرسة لتحصل على شهادة علمية.

الأبن: ولماذا الشهادة العلمية؟

الأم غاضبة: كيف تسأل مثل هذا السؤال؟

 الأبن: أنا أحاورك فحاوريني بهدوء ودون غضب وصراخ من فضلك.

الأم: تحصل على الشهادة؛ لتجد فرصة عمل.

الأبن: مع أني غير مقتنع بما تقولين، ولكن فلنتحاور إلى النهاية... ولماذا أحصل على فرصة عمل؟

الأم: كي تتزوج وتكون أسرة في بيتك.

الأبن: اسمحي لي أن أقول لك يا أمي إني غير مقتنع بما تقولين، وسوف أحاورك بالأرقام والأدلة الواضحة، فأجيبني: كم بالمائة من أقاربك وأقارب والدي حصلوا على الشهادات العلمية العالية ووجدوا فرص عمل؟ وكم بالمائة ممن وجدوا فرص عمل استطاعوا أن يتزوجوا ويكونوا أسرة من رواتبهم؟

إذن فلا حاجة للمدرسة ولا للشهادة العلمية!! 

ضَجَّت الأم بما قاله الابن ونادت الأب: أسرع لتتحاور مع ابنك، فلقد كدت أنفجر من حواره وكلامه.

الأب: أأنت مسلم يا بني أم غير مسلم؟

الأبن: هل هذا سؤال؟

الأب: نحن نتحاور، فأجبني في هدوء ودون إنكار وانفعال.

الأبن مبتسمًا: أنا مسلم بالتأكيد.

 الأب: مسلم بالقول أم بالقول والعمل؟

 الأبن: مسلم قولًا وعملًا.

الأب: إذن ستعمل بما جاء به القرآن والسنة.

الأبن: بلا شك.

الأب: إذن فاستمع لقول الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ﴾ (المجادلة:۱۱).. ألم نستنتج من ذلك أهمية تحصيل العلم.

وتدبَّر قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر: 9).. وما أكثر الآيات التي تبين عظمة العلم وثواب تحصيله.. أما عن هدي رسولنا الكريم في تحصيل العلم، فما أكثر الأحاديث التي حثت على تحصيل العلم ورغَّبت فيه، بل رفعته إلى درجة الجهاد، وحسبي في هذا السياق أن أُذكرك - بُنيَّ - بقول النبي ﷺ: «مَنْ خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (أخرجه الترمذي).

ثم أردف الأب قائلًا: يا بُني لماذا تنظر إلى النصف الفارغ من الكوب ولا تنظر إلى النصف الممتلئ؟ لماذا نظرت إلى مَنْ حصلوا على الشهادات ولم يجدوا عملًا؟ ولماذا نظرت إلى من وجدوا عملًا، ولم يستطيعوا أن يتزوجوا من رواتبهم؟ لماذا لم تنظر إلى من وجدوا عملًا، وكان العمل سببًا في رفع مكانتهم اجتماعيًا واقتصاديًا؟ لماذا لم تنظر إلى أبيك وتسأل نفسك: ما الفرق بيني وبين أبناء عمومتي ممن لم يحصلوا على شهادات عالية؟ وما السبب في كونك تتمتع بمستوى كريم من المعيشة والحياة، في حين يعاني أبناء الناس الذين لم يحصلوا على الشهادات العليا من تدني مستوى معيشتهم؟

 هذا الموقف الأسري التربوي يؤكد أن أبناءنا بحاجة ملحة إلى أن نبصرهم بإخلاص النية في تحصيل العلم، وابتغاء وجه الله به، والتعبد بتحصيله، فلذلك تأثير أقوى من مجرد الترغيب بشهادة، أو راتب، أو شراء بيت، وتكوين أسرة، وهذا هو الفارق بين المسلكين، المسلك الذي سلكته الأم في ترغيب ابنها أثناء حوارها مع ابنها، في تحصيل العلم، ومسلك الأب الذي ضرب على أوتار الإخلاص والنية أولًا، ثم نبه الأبن بعد ذلك ورغبه في ثمرات العلم الدنيوية. 

يقول الإمام الغزالي - رحمه الله - عن إخلاص النية لدى طالب العلم: «أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة، وفي المآل القرب من الله سبحانه وتعالى، والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين، ولا يقصد به الرئاسة والمال والجاه، ومماراة السفهاء، ومباهاة الأقران...». 

وقال الشيخ الزرنوجي يرحمه الله: «ثم لا بد من النية في زمان تعليم العلم، إذ النية هي الأصل في جميع الأحوال، لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (حديث صحيح)

ويقول ابن الحسن «وهو الشيباني» يرحمه الله: «من وجد لذة العلم والعمل قلما يرغب فيما عند الناس».

 ثالثًا: بصره باغتنام الشباب:

فمن واجبات الآباء والمربين أن يبصروا الأبناء والبنات والمتعلمين بضرورة المبادرة والمسارعة إلى تحصيل العلم في أوقات الشباب. يقول بدر الدين ابن جماعة - المربي المسلم - عن واجب المتعلم في فترة الشباب: «أن يبادر شبابه - أي يغتنم أيام الحداثة وقوة الشباب - إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كان ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب، وبذل الاجتهاد، وقوة الجد في التحصيل، فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرُّب عن الأهل والبعد عن الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك».

 يقول الشاعر عن اغتنام الشباب في تحصيل العلم:

بقدر الكد تُعْطَى ما تروم *** فَمَن رام المني ليلًا يقوم

وأيام الحداثة فاغتنمها *** ألا إن الحداثة لا تدوم

 الشافعي شابًا ومحصلًا للعلم

جاء في «وفيات الأعيان» رواية عن الحميدي قال: سمعت الزنجي بن خالد يعني مسلمًا - يقول للشافعي: افْت يا أبا عبد الله، فقد والله أن لك أن تفتي وهو ابن خمس عشرة سنة.

ويقول الشافعي عن نفسه: قدمتُ على مالك بن أنس، وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أخضر من يقرأ لك. فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ حفظًا.

ومما روي عنه - أيضًا - قوله: «لو كُلَّفتُ شراء بصلة لما فهمت المسألة»، وذلك يدل على نبذه لكل الشواغل والعلائق التي تشغله عن العلم.

وللشافعي شعرٌ يؤكد فيه أن المعاصي من أخطر معوقات تحصيل العلم، إذ أنشد قائلًا:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي

 وأخبرني بأن العلم نور *** ونور الله لا يهدى لعاصي

 رابعًا: بصره بالصحبة الطيبة:

فمن الأسباب القوية لتحصيل العلم أن يصاحب المتعلم الجادَّين في طلب العلم، وأهل الإيمان، فذلك يحفزه على تحصيل العلم، ويشحذ عزيمته ويرفع همته.

يقول الإمام الزرنوجي يرحمه الله: «وأما اختيار الشريك - أي الصديق والصاحب - فينبغي أن يختار - أي المتعلم - المُجد والورع وصاحب الطبع المستقيم، والمتفهم، ويفر من الكسلان والمُعطل والمكثار والمفسد والفنان.

 يقول الإمام علي كرم الله وجهه:

 فلا تصحب أخا الجهل *** وإياك واياه

فكم من جاهل أردى *** حليمًا حين واخـاه

يقاس المرء بالمرء *** إذا مـــا هــــو مــاشـــاه

 على الأب - إذن - أن يبصر أولاده بمعايير الصاحب والصديق، وأن يساعدهم على اختيارهم، وتجنب رفاق السوء، وخصوصًا من عرفوا بالانحراف وكثرة اللهو واللعب، لأن الطباع سراقة وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب المال والعرض، فإن كان الابن قد صاحب أحدًا من هؤلاء فليساعده الأب ولتساعد الأم ابنتها - وكذلك أبوها - على قطع العشرة بتلطف من أول الأمر قبل تمكُّنها فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتُها. يقول ابن جماعة: «من الجاري على السنة الفقهاء الدفع أسهل من الرفع».

يقول أبو حاتم الرازي: بقيت بالبصرة أربع عشرة سنة، فبعت ثيابي حتى نفدَتْ وجُعْتُ يومين، فأعلمتُ رفيقي، فقال: معي دينار، فأعطاني نصفه.

فانظر إلى الصداقة والصحبة كيف كانت وكيف تكون وليتعلم أولادنا ذلك، ليزيدهم صبرًا ومثابرة على العلم، وتقوى روابط الصداقة والأخوة بينهم، وليكونوا زهادًا في الدنيا قانعين في عصر طغت فيه المادة وزخرفها حتى أغرقتهم في التنعم وحب الشهوات، ولينتقوا أصدقاءهم وأصحابهم، ولله در الشاعر إذ يقول:

إن أخاك الصدق من كان معك *** ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك *** شتت شمل نفسه ليجمعك

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد 

الرابط المختصر :