; العقيدة وأثرها في بناء الجيل - الحلقة الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان العقيدة وأثرها في بناء الجيل - الحلقة الأخيرة

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1975

مشاهدات 86

نشر في العدد 235

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 04-فبراير-1975

العقيدة وأثرها في بناء الجيل - الحلقة الأخيرة ولقد ربت هذه العقيدة نماذج يحسبها المرء أساطير ولكنها الحقائق التي هي أكبر من الخيال. فلقد عاشوا للحق به يمسكون مهما علت التضحية ودعني أسق لك بعض الأمثلة: • أولًا: كان لسعيد بن المسيب التابعي العظيم رأي في البيعة لولي العهد، لا يراها في وجود الوالي لحديث فهمه على وجه صح عنده، واعتقد أنه مقصود بالحديث، وقد آذاه الولاة في سبيل هذا، وثبت على رأيه إلى أيام عبد الملك بن مروان أراد أن يبايع لابنه الوليد وكتب لولاة الأمصار بأخذ البيعة له، قال يحي بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان: إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب أن اعرضه على السيف، فإن مضى، فاجلده جلدة وطف به أسواق المدينة، فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتاب عبد الملك إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالًا ثلاثًا فأعطنا إحداهن فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب في لا تقل، لا، ولا نعم، قال: يقول الناس بايع سعيد بن المسيب، ما أنا بفاعل، وكان إذا قال لا، لم يستطيعوا أن يقولوا نعم، قالوا: فتجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أيامًا، فإنه يقبل منك إذا طلبك في مجلس فلم يجدك قال فأنا أسمع الآذان فوق أذني حي على الصلاة، وحي على الصلاة، ما أنا بفاعل؟ قالوا: فانتل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك، قال أفرقًا من مخلوق؟ لقد كان الجواب مفحمًا متضمنًا سر هذه الصلابة بجانب الحق، إنه عدم الخوف من البشر. • ثانيًا: ومن ذلك أيضًا أنه ترك لحم الغنم لما فقدت شاة في الكوفة إلى أن علم موتها، لأنه سأل عن لحمها سبع سنين تورعًا منه لاحتمال أن تبقى تلك الشاة الحرام فيصادف أكل شيء منها فيظلم قلبه، إذ هذا هو شأن أكل الحرام وإن انتفى الإثم، للجهل بعين الحرام([() أخلاق العلماء أحمد سليمان ص100.]). • ثالثًا: وفي «ترجمة إمام الحرمين» أن أباه (أبا محمد الجويني) كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضًا إلى أن حملت بإمام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بكسب الحل فلما وضعته أوصاها ألا تمكن أحدًا من إرضاعه فاتفق أنه دخل عليها يومًا وهي متألمة والصغير يبكي وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منها قليلًا، فلما رآه شق عليه، وأخذه إليه ونكس رأسه ومسح بطنه وأدخل أصبعه في فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شربه. وهو يقول: يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه برب لبن غير لبن أمه، ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه بعض الأحيان فترة من مجلس المناظرة فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة. • رابعًا: قال القعقاع بن حكيم كنت عند المهدي وأتى سفيان الثوري فلما دخل عليه، سم تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة و«الربيع» قائم على رأسه، متكئًا على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق وقال له: يا سفيان تفر هاهنا وهاهنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: إن تحكم في يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى لسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على ألا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفع إليه، فأخذه وخرج ورمى به في دجلة وهرب فطلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة تولاه شريك النحفي فقال الشاعر([() ص5، 8 الخيرات الحسان نقلها عنه محمد سليمان في كتابه أخلاق العلماء ص100.]): تحرز سفيان وفر بدينه وأمسى شريك مرصدًا للدراهم • خامسًا: وكم يهزني موقف سعيد الحلبي أمام إبراهيم باشا -وهو صاحب الهيل والهيلمان والسلطان- عندما دخل إبراهيم المسجد بقي الشيخ سعيد جالسًا مادًا رجله، وأقبل الناس جميعًا يحيون ويصافحون ووقف إبراهيم باشا طويلًا أمام الشيخ سعيد الذي لم يقبض رجله وسار وهو يغلي غيظًا وقد استشاط غضبًا، فأخذ صرة من النقود وقال لحاجبه ادفعها للشيخ فعندما وضعت في حجر الشيخ سعيد قال للحاجب «قل لسيدك إن الذي يمد رجله لا يمد يده»(2). أما المجتمع الذي صنعته هذه العقيدة: فإنه مجتمع يعز على الخيال أن يتملاه. 1- فهو مجتمع آمن: كل فرد من أفراده آمن على عرضه: فالزنا من أكبر جرائمه يستحق عليها المحصن عقوبة الموت رجمًا بالحجارة. وهو آمن من أن يمس جنابه بكلمة سواء كانت كلمة قذف في عرض إذ أن هذه الكلمة توجب جلد ثمانين أمام الناظرين. ولا يمس طرفه بكلمة معيبة. وهو آمن على ماله: فالسرقة كبيرة ومن سرق من ماله مقدار ربع دينار فإن هذا المبلغ يعرض يد السارق للقطع. وهو آمن من أن يعرض ماله للضياع عن الطرق المحرمة فالربا محرم، والاحتكار ممنوع، والغش منفي بتاتًا، والقمار رجس من عمل الشيطان. وهو آمن على نفسه: فكل يد تمتد لتسفك دمه ظلمًا فلن يكتب لهذه اليد البقاء إذا أصر أولياؤه على الثأر من القاتل. فهذا المجتمع فيه ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: 45). وهو آمن على نفسه وماله وعرضه من الحاكم لأن الحاكم والمحكوم مقيدون بأحكام الشرع لا يستطيعون أن يخرجوا عليها. 2- وهو مجتمع متحاب: أفراده كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. مجتمع إذا صاحت امرأة مستغيثة في عمورية هب الخليفة لنجدتها من بغداد وتحرك الجيش بأسره لمجرد صرخة ألم انطلقت من فم مسلمة. مجتمع يقول فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه «لئن أتقدم إلى سيف فيقطع عنقي في غير معصية أحب إلي من أن أتآمر على أناس فيهم أبو بكر». مجتمع يقول فيه الشافعي عن الإمام أحمد بن حنبل: قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت المكارم لا تفارق منزله إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له ويقول أحمد عن الشافعي «لقد كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للجسد وهل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض»([() أخلاق العلماء لمحمد سليمان ص32.]). ويقول أحمد بن حنبل «ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له»([() أخلاق العلماء لمحمد سليمان ص32.]). ويقول الشافعي «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»([() أخلاق العلماء ص31.]). وهو مجتمع نظيف ليس فيه من الزبد ما يطفو على وجهه، ولا من الأقذار والمشاكل ما يعكر صفوه، مجتمع لا ترفع فيه قضية واحدة خلال عام كامل في زمن أبي بكر. وهو مجتمع غني يجمع والي أفريقيا في زمن عمر بن عبد العزيز الزكاة وينادي شهرًا كاملًا ليأتي مستحقوها لأخذها ولم يتقدم أحد فأمره عمر أن يشتري رقيقًا ويعتقهم. وهو مجتمع متراص متضامن لا خلل فيه ولا جيوب فلا يستطيع أي جسم غريب أن يتخلل فيه أن يعيث فسادًا. ولقد حاول ملك الروم أن يراود كعب بن مالك في أزمته التي وصفها القرآن ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ...﴾ (التوبة: 118) في هذا الوقت الذي قاطعته المدينة بأسرها كما يقول كعب في رواية البخاري عنه «ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي ...» ([() انظر أخلاق العلماء ص160.]) يقول كعب: «فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه في المدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاء فدفع إلي كتابًا من ملك غسان وكنت كاتبًا، فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وأن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيممت به التنور فسجرته به»([() انظر كتاب ربانية الإرهبانية للندوي ص5.]). إنه مجتمع عجيب حقًا، يعجز ملك غسان أن يستميل إلى جانبه رجلًا منبوذًا منه تنكرت له الأرض التي يعيش، وتنكر له الناس الذي عاش وشب بين ظهرانيهم. وهو مجتمع أفراده على قلب رجل واحد منهم، ملتفون حول قائدهم، يتحركون بإشارته، ويضحون لمجرد نظرة من الأمير. هذا المجتمع الذي قاطع كعب بن مالك -حتى عن رد السلام والكلام- قاطعه حتى لم يعد يحظى بكلمة واحدة من أي فرد من أفراده، وذلك بمجرد كلمة سمعها المجتمع من الرسول القائد صلى الله عليه وسلم. ودعنا نستمع إلى الإمام الأعظم -أبي حنيفة- وهو يعبر بكلماته القليلة عن معنى الطاعة في أعماقه للأمير، فلقد منعه المنصور من الإفتاء وفي إحدى الليالي جرح أصبع ابنته فجاءت تسأله عن تأثير الدم على وضوئها فقال: اسألي حمارًا، فلقد منعني أميري من الإفتاء وما كنت لأطيع أميري بالغيب. (فتح) الباري 9/412. (2) ابن كثير 2/398. فيا أبناء هذا الجيل، هذه لمحة موجزة أشد الإيجاز عن العقيدة وأثرها في بناء النفس وإنشاء المجتمع عرضنا فيها لأركان العقيدة وعن أثر الانحراف الخطير في حياة المجتمع إذا تخلل الانحراف إلى العقيدة، ولقد نبهنا أن ما تعانيه البشرية اليوم من ضنك وشقاء وبؤس كان سببه عبث أيدي البشر بالعقيدة الربانية حتى حصل هذا الانفصام النكد بين الدين والعلم وأصبح العلم عدوًا لدودًا للغيب والعلم، ولكن العلم والحمد لله أخذ يتراجع أمام ضغط الحقائق ولم يعد يستطيع التحمل والمماكحة أمام الاكتشافات العلمية خاصة في ميداني النفس والفلك. يا أبناء هذا الجيل لا مفر من العودة إلى ظلال هذه العقيدة، ولا بد لكم أن تفيئوا إليها، هذا إذا كنت تفكرون في الخلاص من شقائكم وبناء أنفسكم وإلا تسلكوا هذه الجادة فإنكم هالكون لا محالة، خاسرون دنياكم وأخراكم بكل تأكيد. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38). ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: 11). والبشرية بأسرها لا يمكن لفطرتها أن تحتمل هذا الشقاء، ولقد أضناها السير في هذه المغازة المهلكة. لا بد أن تعود بعد أن جربت جميع الأنظمة من اشتراكية وقومية ورأسمالية فتحطمت جميعًا تحت مطارق الفطرة وكان الإنسان هو الضحية والفداء. عودوا واحملوا الإسلام وقدموه للبشرية المنكودة التي تنتظر من ينقذها. التفوا حول من تثقون به ممن يحمل هذا الدين علمًا وعملًا وحياة عقيدة وعبادة ودستور حياة. وأوصيكم وصية بسيطة أن تتعرفوا على كتاب الله وحبذا لو حمل كل واحد منكم مصحفًا صغيرًا في جيبه حتى يتعرف على رسالة رب العالمين التي أرسلها إليه ويقرأها. وبودي لو اشترى كل واحد كتابًا مبسطًا للحديث الشريف وليكن مثلًا رياض الصالحين. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الرابط المختصر :