العنوان لوقف انتشار الإسلام الذي يشهد إقبالًا كبيرًا في أنحاء البلاد.. تدريس النصرانية إجباريا بالمدارس الروسية!
الكاتب عبد الحكيم مرة
تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006
مشاهدات 66
نشر في العدد 1726
نشر في الصفحة 28
السبت 11-نوفمبر-2006
نائب رئيس مجلس مفتيي روسيا:
75 مدرسة من أصل 89 بدأت تدريس النصرانية رغم اعتراض ممثلي الديانات
الطوائف الدينية الأخرى:
القرار يمهد لمزيد من الخطوات التنصيرية في بقية المؤسسات الروسية
أثار قرار العديد من المدارس الحكومية الروسية تدريس مادة أسس الحضارة الأرثوذكسية، كمادة إلزامية الكثير من المشاكل بين أتباع الطوائف الدينية المختلفة ومنظمات حقوق الإنسان مؤخرًا.
فقد اعتبر ممثلو الديانات الإسلامية واليهودية والليبراليون ورؤساء الأقليات الدينية غير السماوية هذا القرار مخالفة صريحة لنصوص الدستور الروسي الذي ينص على مبدأ «فصل الدِّين عن الدولة».
تنصير طلاب المدارس: ويأتي خوف رجال الدين غير النصارى من هذا القرار على اعتباره محاولة لفرض الدين النصراني، وفق وجهة نظر الكنيسة الأرثوذكسية على أتباع الديانات الأخرى، فيما يرى العديد من رجال السياسة الروس المعارضون للمشروع، أنّ من شأن ذلك تأجيج الصراعات الدينية في روسيا والمساهمة في نشر الحقد والكراهية والتطرف.
ويتابع هؤلاء السياسيون قولهم: إنّ العدل يفرض - في حال أصرَّتْ الحكومة على موقفها - تدريس المبادئ الرئيسة للديانات الأخرى وحتى الإلحاد.
ويخشى هؤلاء من المدى الذي يمكن أن يصله «اختراق» الكنيسة والمنظمات الدينية التابعة لها للحياة الاجتماعية والسياسية والنظام التربوي عامة في المجتمع الروسي ذي الأديان والقوميات المختلفة.
ولا يقتصر الأمر على تدريس مادة دينية، إنّما يتعدى الأمر إضافة تفسير ديني كنسي على المواد الدراسية الأخرى، مثل: افتتاح واختتام اليوم الدراسي والسنة الدراسية بأدعية كنسية، ووضع رموز كنسية داخل فصول الدراسة وتخصيص غرف صلاة في المدارس وتعميد الطلاب أثناء زيارة الكنائس.
الموقف الحكومي
وكانتْ الحكومة الروسية قد تبنَّتْ المشروع في عام ۲۰۰۲م، وأعلن وزير التعليم السابق «فلاديمير فيليبوف» أنّ «الحضارة الأرثوذكسية» يمكن أن تدرَّس كمادة اختيارية في المدارس الحكومية إذا وافقتْ المناطق التعليمية أو مديري المدارس على ذلك.
وقد أقرَّتْ وزارة التعليم الخطوط الرئيسة للمنهج الذي قام بوضعه تربويون من الكنيسة بإشراف «د. كيبريان باشتشينكو» عميد كلية التربية في معهد «القديس تيخون الديني الأرثوذكسي».
ويحتوي المنهج المُقرَّر على مواضيع دينية بحتة، وتقاليد كنسية، إضافةً إلى مواضيع تتعلق بالزهد والتقشف والأدب النصراني، والعقيدة والعلوم والحرية، والبيئة، والنظام العائلي والفنون.. وغيرها.
ويهدف المنهاج لنشر الديانة النصرانية بين طلاب المدارس، وسيقوم بتدريسه مدرسون حكوميون يساعدهم رهبان من الكنيسة بصفة تطوعية، وذلك رغبةً في صبغ التعليم بصبغةٍ روحيةٍ.
وبرَّرتْ وزارة التعليم موافقتها على تعليم هذا المقرر بقولها: إنّ النصرانية منتشرة في كافّة مناطق روسيا وأنّ أتباعها هم الأكثر وتاريخها يعود لأكثر من ألف سنة، وبالتالي فمن «الضرورة الملحة» للروس أن يعرفوا ديانتهم.
واستندتْ الوزارة إلى كلام «جيورجي بولتافشينكو» مندوب الرئيس فلاديمير بوتين في محافظات روسيا الوسطى أمام مؤتمر الأديان المنعقد في موسكو في الفترة من ١٠- 11 أكتوبر عام ۲۰۰۲م - بأنّه آن الأوان لنشر الحضارة الأرثوذكسية في كافة أنحاء روسيا.
النصرانية بديلًا عن الشّيوعية
ويرى خبراء السياسة الداخلية الروسية أنّ هدف الحكومة من تبني هذا المشروع يعود أساسًا إلى رغبتها في إيجاد «فكرة وطنية» ملهمة للشعب الروسي.
ويستند هؤلاء الخبراء إلى فترة ما قبل ظهور روسيا الحديثة قبل عام ١٩٩١م؛ فقد كانتْ الفكرة الوطنية ترتكز على الشيوعية، وكانتْ كلّ الاهتمامات مُركَّزة لإنجاح تطبيقها، ولكن بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي فقدتْ روسيا هويتها وفكرتها الوطنية بعض الوقت.
وثار جدلٌ خفيٌّ بين منظري العهد الجديد حول تلك الفكرة الوطنية هل تكور «كيان الدولة» أم «الوطن» أم «الروح القومية» قبل أن يستقر الرأي على تغليب الفكرة القومية ذات البعد الديني.
سيطرة كنسية على مرافق الدولة
في تلك الفترة الضبابية كانتْ الكنيسة تحث الخطى للسيطرة الخفية على مرافق الدولة الوليدة.
فقد عادت الكنائس لاستقبال المواطنين الروس بعد انقطاع دام أكثر من سبعة عقود، واستعادتْ الكثير من أوقافهم المصادرة من قبل الشيوعيين، وحصلت على إعفاءات ضريبية هائلة، واحتكرت تجارة أصناف معينة من البضائع، جنت لها مواد مالية ضخمة.
هنا شعرتْ الكنيسة بضرورة تسخير النفوذ المادي للحصول على نفوذ سياسي.
وكان لها ما أرادت، فقد أصبح بطريرك موسكو وعموم روسيا «الكسي الثاني» رغم اعترافه بأنّه كان عميلًا لأجهزة المخابرات السوفيتيية الشهيرة «كي. جي. بي» المرجع الأبرز للرئيسين الروسيين السابق الروحي «بوريس يلتسين» والحالي «فلاديمير بوتين».
لكن الرئيس بصفته حاميًا للدستور وتفاديًا للحرج الذي قد يقع فيه، أشار إلى أنّه يفضّل تدريس مادة تاريخ الدين على تدريس «الحضارة الأرثوذكسية» كي لا يتعارض ذلك مع نصوص الدستور.
وبدأ الزعماء الروس على اختلاف مشاربهم بزيارة الكنائس وحمل الشموع والتمتمة أمام كاميرات التلفاز بكلمات لا يعرفونها. ورغم جهل معظمهم بترديد صلاة كنسية، إلا أنّ همّهم الأول هو التسابق لتصدر مجالس الصفوف الأولى والتفاخر بذلك، لتحسين صورتهم أمام ناخبيهم وكسب التأييد الشعبي، كما بدأ التنافس فيما بينهم لتبنّي المشاريع التي تطرحها الكنيسة.
من جهةٍ ثانيةٍ كان لانتشار الأمراض الاجتماعية التي نتجتْ عن ظهور أنماط معيشية جديدة في روسيا، وعجْز السلطات عن إيجاد حلول لها دور مشجع للكنيسة التي طرحتْ نفسها بقوة كبديل للدولة تعمل على الحفاظ على أخلاق وتقاليد العائلة والمجتمع الروسي.
وقف موجات الدخول في الإسلام
وضمن المبررات المطروحة، وبخطواتها تلك تكون الكنيسة الأرثوذكسية قد ملأت الفراغ الذي كان يشغله الحزب الشيوعي سابقًا، وبدأت باستعادة نفوذها المفقود والأهم من ذلك حماية النصارى من اعتناق أديان ومعتقدات جديدة، خاصّةً الإسلام الذي يشهد إقبالًا كبيرًا من الروس.
وتأمل الكنيسة استعادة سيطرتها بالكامل على كافة أوجه الحياة في روسيا من خلال الجيل الصاعد بعد أن نزعتْ الشيوعية أفكار الجيل الحالي.
وقد لخص «فلاديمير فربيوف» عميد معهد «القديس تيخون الديني الأرثوذكسي» ونائب رئيس «اللجنة التعليمية البطريركية موسكو» ذلك بقوله: إنّه يشعر بالسعادة لبناء كنيسة جديدة أو ترميم أخرى، لكنّه يشعر بالأسَى عندما تبقى الكنيسة خاوية، داعيًا إلى بناء الأفكار الدينية للجيل الجديد كونها أكثر أهمية من بناء الكنيسة ذاتها، لأنّ هذا الجيل هو الذي سيعمر الكنيسة بالتردد عليها.
من هنا جاء الحماس لفرض تدريس الديانة النصرانية على طلاب المدارس قسرًا، ولتحقيق نجاح تأمله بدأتْ الكنائس والمؤسسات التربوية التابعة لها بإعداد معلمين وإعادة تأهيل آخرين بما يتناسب مع المهام الجديدة الملقاة على عواتقهم.
وتمّ اعتماد كتاب «مبادئ الحضارة الأرثوذكسية» الذي ألفته الدكتورة «آللا برودينا» ليدرس في كافة المراحل الدراسية.
موقف مسلمي روسيا
يرى الكثير من ممثلي المسلمين في روسيا خطرًا داهمًا يواجه أبناءهم مستقبلًا، إذا لم يتم اتخاذ خطوات وقائية عاجلة.
وأعرب «مجلس مفتيي روسيا» عن معارضته تدريس تلك المادة بشكل إلزامي، لانتهاكها للدستور الذي ينص على مساواة الأديان أمام القانون.
من جهته اعتبر «مراد مرتضين» نائب رئيس «مجلس مفتيي في روسيا» أنّ خطورة هذه الخطوة تكمن في أنّ ٧٥ مدرسة من أصل ۸۹ مدرسة في الفيدرالية الروسية قد بدأتْ بتدريس هذا المقرر بصورة أو بأخرى.
كما أعرب أعضاء «مجلس التعليم الإسلامي» الذي يمثل مختلف المناطق الروسية عن اعتراضهم على تلك الخطوة، داعين إلى وضع منهاج تعريفي شامل عن الأديان الرئيسة في روسيا، وتخصُّصي لمن يرغب في ذلك من الطلاب، وبموافقة أولياء أمورهم.
كما أعرب ممثلو قطاعات شعبية ومنظمات أهلية إسلامية عن خشيتهم من أن تكون هذه الخطوة مقدمة مبطنة لتنصير المسلمين الروس الذين ينتشرون جغرافيًا في كافّة أنحاء روسيا، خاصّةً أن الكثير من رياض الأطفال قد انضمَّ للمدارس في نشر الثقافة النصرانية.
ويرى هؤلاء الناشطون الإسلاميون أنّ القيم الدينية المشتركة كحب الخير ومعاداة الشر، واحترام الكتب المقدسة وأماكن العبادة ورجال الدين ومكافحة الرذيلة وانتشار المخدرات يجب أن تبقى مشتركة، وألّا تكون حكراً على ديانةٍ دون أخرى!