; الإسلام.. تلك الحقيقة المتكاملة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. تلك الحقيقة المتكاملة

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005

مشاهدات 105

نشر في العدد 1672

نشر في الصفحة 66

السبت 08-أكتوبر-2005

الذين يدركون حقيقة الإسلام، ويعيشون تجربته يعرفون تماماً أنه نسيج وحده وأن قطع أي خيط من خيوطه المحبوكة بإعجاز رائع كفيل بتمزيق هذه الوحدة المتجانسة.. إن الإنسان الذي يؤمن بالإسلام ذلك الإيمان المبتور المشوه، سرعان ما يجد أمامه هوة سحيقة تمنعه من الاندماج والتعامل الصحيح مع هذا الدين ذلك أنه ألغى الإيمان في قراره نفسه. من بعض عناصر ومقومات الإسلام، وأكده في عناصر ومقومات أخرى.

وهو بعمله هذا لم ينل من وحدة الإسلام الدائم شيئًا، ولكنه وجه ضرباته إلى صميم الكيان الإنساني وإلى وحدة الذات الإنسانية، ذلك أنه سيجد نفسه مضطرًا إلى الاستعاضة عن العناصر والقيم التي رفضها، بعناصر وقيم أخرى يجيء بها من هنا وهناك ويرسها رصًا.. عناصر لا تملك. بمجموعها. توحد القيم الإسلامية وتكاملها لأنها لم تنبثق عن تصوره الأصيل.. ثم هي فيما بينها تعاني تناقضًا محزنًا لأن كل عنصر أو كل مجموعة من القيم، جيء بها من تصور فرد من الأفراد، إنسان من ملايين الناس، وما هي في الحقيقة سوى نتاج ردود فعل نفسية وفكرية لهؤلاء الأفراد مع واقع معين بأمدائه المحدودة بحدود الزمان والمكان.. ومن ثم سيتشتت هذا الإنسان «الآخذ» وسيضيع.. إنه أمن بوحدة عقائدية متكاملة ظاهرًا، لكنه - في حقيقته - تكامل زائف لأنه سعى إلى رسم عناصر لا انسجام فيما بينها ولا تألف في تركيبها، وحاول جهلا وعناداً، أن يجعل منها منهجاً موحداً لحياة موحدة لا تقبل التجزئة. 

وعلى الرغم من تقسيم الفقهاء والمشرعين المعروف للإسلام إلى قطاعات أربعة تشمل العقائد والعبادات وآداب السلوك والتشريعات لغرض التوضيح والتنسيق، إلا أن هذه القطاعات جميعاً متداخلة فيما بينها تداخلًا عضويًا صميمًا، كل منها مؤثرة في الأخرى ومتأثرة بها، لا تنفصل إحداها عن الأخريات، ولا تنزوي في الظلام كي تتيح للإنسان حرية العمل في القطاعات الأخرى كما يشاء وحسبما يملي عليه هواه... 

إن العبادات ذاتها، كعلائق مجردة بين الفرد وخالقه إنما تعني في الإسلام. ذلك المولد الحيوي الدائم الذي يبعث في كيان الإنسان المسلم الطاقة المتجددة التي تدفعه إلى مزيد من النشاط الحضاري، وتلزمه بالعمل بكل أمانة وتجرد وإخلاص فالشعور بالمسؤولية ويقظة الضمير، والإحساس الحاد بالزمن إنما هي أهداف أساسية لهذه الصلات اليومية بين الإنسان والله، أهداف تضفي على الحضارات «الدينية» طابعًا خاصًا من الحيوية والتجدد والاستمرار. 

إن العقيدة. فضلًا عن دورها الإيجابي في توجيه الطاقات البشرية نحو العمل والحركة الدائبة. فإنها تقف في الوقت ذاته - سدا منيعا يصد الإنسان، فردًا وجماعة عن الانحراف عن الطريق المستقيم، ويشد أنظاره دومًا بالأفق الأعلى فيوفر عليه طاقاته، ويحفظ سنيه المحدودة على الأرض من الضياع..

هذا هو المعنى الحضاري لمفهوم التكامل في الإسلام.. الدين الذي قال عنه المستشرق الإنجليزي «جب» في كتابه «مستقبل الإسلام». إنه ليس دينا بالمعنى المجرد الخاص الذي نفهمه اليوم من هذه الكلمة بل هو مجتمع بالغ تمام الكمال، يقوم على أساس ديني ويشمل كل مظاهر الحياة الإنسانية.

إن الإسلام، كما يقول الشاعر الفيلسوف محمد إقبال يبدو للإنسان فردًا وجماعة. حقيقة واحدة وليس هناك. إذن. دين ودولة فالحقيقة في نظر الإسلام هي بعينها تبدو دينا إذا نظرنا إليها من ناحية وتبدو دولة إذا نظرنا إليها من ناحية أخرى وليس صحيحا أن يقال: إن الدين والدولة جانبان أو وجهان لشيء واحد، فالإسلام حقيقة مفردة غير مركبة. لا تقبل التحليل، وهو يبدو في صورة أو في أخرى بحسب اختلاف نظرك إليه.. وهذا الأمر بعيد الأثر، وتوضيحه توضيحًا وافيًا يزج بنا في بحث فلسفي عميق، وحسبنا أن نقول إن هذا الخطأ القديم. وهو الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية نشأ عن تفريع وحدة الإنسان إلى حقيقتين منفصلتين متمايزتين تتصل إحداهما بالأخرى على وجه ما ولكنهما أساسًا متضادتان. والحق أن المادة هي الروح مضافة إلى الزمن المكاني والوحدة التي نسميها الإنسان. هي جسم إذا نظرت إلى عملها بالنسبة لما نسميه العالم الخارجي، وهي عقل أو نفس إذا نظرت إلى عملها باعتبار ما له من غاية، وإلى المثل الأعلى الذي يستهدفه هذا العمل. وروح التوحيد بوصفه. فكرة قابلة للتنفيذ هو المساواة والاتحاد والحرية والدولة في نظر الإسلام هي محاولة. تجربة تبذل بقصد تحويل هذه المبادئ المثالية إلى قوى مكانية زمانية، هي إلهام لتحقيق هذه المبادئ في نظام إنساني معين. 

الرابط المختصر :