العنوان من آفاق الهجرة- التخطيط المناسب
الكاتب د. أحمد محمد الخراط
تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979
مشاهدات 64
نشر في العدد 426
نشر في الصفحة 20
الاثنين 01-يناير-1979
الداعية المسلم رجل يعتمد التخطيط الدقيق في تحركاته وسلوكه. فهو إن صح عزمه على أمر يختص بدعوته نراه يدرس أبعاده ونتائجه وأثاره. صحيح أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرتبط بالسماء، ويتلقى من الوحي وأن الله يقول فيه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67) فهو يستطيع أن يهاجر علنًا، وهل كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يضن بالتضحية بالروح؟ إن أسباب الأرض لا يغفل عنها، وذلك ليعطي الدعاة عبر التاريخ دروسًا في أهمية التخطيط لدى التحرك الدعوي، فالداعية رجل يتوكل على الله في مواجهته للجاهلية، والطاغوت، ولكنه في الوقت نفسه يعد للأمر عدته، ويحسب الحساب ويتصور النتائج، ويعدل ويطور في خطته، وتحركه ليصل إلى الهدف باطمئنان، واستقرار، وثبات؛ فيكسب بذلك ما ننشده، ويحقق شخصية متزنة هادئة، وقد توضح مصداق ذلك في مظاهر عدة منها:
- الكتمان: كان أبو بكر قد ابتاع راحلتين، وكان يطمع أن يهاجر مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولم يكن يعلم عن موعدها شيئًا روى البخاري: «وتجهز أبو بكر مهاجرًا، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» وقبل الهجرة بيوم واحد، وفد رسول الله على أبي بكر وقت الهاجرة، ولم یکن رسول الله يزور أبا بكر في هذا الوقت قبلًا، وقال له بصريح العبارة: «أخرج من عندك» واتفق معه على المراحل القادمة بعد أن تلقى الإذن بالهجرة. وهذا الكتمان كان طريقة المسلمين المهاجرين إلى المدينة زرافات ووحدانا، وحين طلبت قریش رسول الله ذهب أبو جهل إلى بيت أبي بكر فخرجت له أسماء ابنته، وسألها عن أبيها فقالت: لا أدري، فما كان منه إلا أن لطمها على خدها فرمى بقرطها. وفي حديث سراقة الذي اعترض الزحف الطاهر في منتصف الطريق إلى المدينة قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اخف عنا» ثم إن صحبة أبي بكر لرسول الله كانت تثير تساؤل التجار في الطريق، وكانوا يعرفون أن أبا بكر الغادي والرائح عليهم في تجارته فيسألون عن رفيقه فيقول: يهديني الطريق.
إن الطاغوت حريص على سلطانه وهيمنته، وهو لن يرضى عن أي محاولة لتحطيمه، وإعلاء شأن لا إله إلا الله، وللدعاة في رسول الله أسوة حسنة إذا أرادوا أن يتحركوا في ساحة الكفر، والحكم بغير ما أنزل الله.
2. الاختصاص وتوزيع الأدوار: حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على تحديد المواقف والأدوار حتى لا تتوزع الطاقات على ثغرة واحدة، وتهدر على ثغرات أخرى، وإنما يتخذ التحرك طريقًا منظمًا من أفراده، وهذا يدفع بالخطة إلى الأمام من ناحية، ويجعل النفس مستقرة مطمئنة هادئة، وهي تستمر في التنفيذ. وقد اتضح توزيع المواقف، والاختصاص في مظاهر عدة، منها ما كان يوم الهجرة، حيث كانت مهمة عبد الرحمن بن أبي بكر بأن يقضى يومه في مكة يختلط مع رجالات الشرك فيها؛ يتلقط أخبارهم ومؤامراتهم، وكيدهم ليصل بها ليلًا إلى ركب الإيمان المهاجر المتربص في غار ثور، ثم يدلج من عندهما بسحر؛ لاستئناف مهمته فيكون كأنه بات مع قريش. ويذكر المؤرخون أن عبد الرحمن هذا كان ثقفًا لقنًا «أي حاذقًا سريع الفهم» فهو إذًا الرجل المناسب في المكان المناسب، ويقوم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بمهمتين: الأولى أن يزيل أثار أقدام عبد الرحمن بن أبي بكر بالماشية التي يرعاها، والثانية أن ينتخب شيئًا من حليب الغنم ليوصله إلى الغار. أما أسماء فكانت تجهز المؤونة من طعام وشراب، وتهيئه في سفرة لتوصله إلى الغار في وقت مناسب. وعلي بن أبي طالب يكلف بمهمتين، الأولى: الإيهام، فقد قال له رسول الله: «نم على فراشي فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» وذلك في ليلة الهجرة. وأما المهمة الثانية: فهي تسليم الودائع التي كانت بحوزة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين. هذا بالإضافة إلى مهمة أريقط دليلًا في الطريق.
وفي المرحلة التالية مرحلة ما بعد الغار يبقى مع الركب عامر بن فهيرة، ويأخذ مكانه خلف أبي بكر ليخدمهما في الطريق.
«ويجدر بنا هنا أن نشير إلى دور الشباب في نجاح الدعوات، وذلك لما يملكون من الاندفاع الجاد في تضحياتهم، وإذا استعرضنا الأسماء اللامعة في تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أن معظمهم شباب استعذب الألم والموت، وما أحرى شبابنا اليوم أن يدركوا ما تحتاج إليهم دعوتهم فيجعلوا نظرتهم للكون امتدادًا لشباب العصر الأول».
3. التوقيت المناسب: لم يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن اطمأن على هجرة أصحابه، لقد كان يستطيع أن ينتهز الفرصة المناسبة، ويهاجر قبلهم، ولكنه من ناحية يمثل قائد الدعوة الذي يريد أن يطلع بنفسه على نتائج قراره الذي اتخذه في الهجرة سواء أكان في مكة، أم في المدينة، ففي مكة قد يكون ثمة أخطار وراء الهجرة، فلا بد أن يتعرض لها بنفسه، ولا يطيق أن يترك المسلمين يتجرعون نتائج قرار اتخذه، وفي المدينة يريد أن يعرف كيف استقبل الأنصار إشارته للمهاجرين بالهجرة إلى ديارهم. ومن ناحية ثانية أدرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جسامة المهمة التي سيبدؤها في المدينة فلا بد أن يكون لها سمة الأمن قبل دخولها حتى لا تتكرر مأساة العنت القرشي، ومن هنا لم يستعجل السفر إليها إلا بعد أن مهد لها بأشكال وفيرة، فقد أرسل مصعب بن عمير قبل فترة طويلة، واستقبل وفود الأوس والخزرج، وعرف إمكاناتهم، ودائرة هيبتهم، واطمأن إلى أن الإسلام هناك غزا كل بيت، كل أولئك دفعه إلى تأخير هجرته إلى أن دخلت مرحلة التوقيت المناسب، مرحلة بدء العطاء المبارك للدولة الإسلامية.
4. اليقظة في الوقت العصيب: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته مثالًا للداعية اليقظ في الوقت العصيب، فهو صاحب فكرة ودعوة، وهذه المسؤولية تملي عليه أن يكون في حيطة تامة لمضمون الدائرة التي هو فيها من دون أن يغفل عن جانب من هذا المضمون مهما كان الوقت صعبًا وشائكًا والمرحلة دقيقة حرجة، وما أحرى الدعاة أن يستقوا هذا الجانب من حياة قائدهم فلا يفرطون في شيء من دعوتهم؛ بحجة أنهم مشغولون في جوانب أخرى أهم. إن حمل الدعوة وتنفيذها يفرض عليهم الانتباه في الأوقات كافة0.
ومن مظاهر تلك اليقظة الحرص على استمرار المعطيات الإسلامية فقد عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالأمانة في قومه، فكانوا يتركون عنده الودائع، والأمانات الثمينة، حتى إذا دنا الرحيل كلف عليّا بالبقاء في مكة لرد الودائع إلى أصحابها فكان علي يطوف بالناس بعد هجرة رسول الله، ويسلمهم ما بحوزته من ودائع. إن عليًّا ببقائه في مكة أثبت للدنيا أن الرجل الذي أطلقوا عليه الساحر الكذاب المجنون لا يزال ذلك الرجل الأمين العفيف الذي عرفوه قبل البعثة وبعدها. كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستطيع أن يستولي على هذه الودائع، ولكن المسلم نظيف يأبى الغدر والخداع، وليس عنده ازدواجية في شخصيته، أمين عفيف تارة، وغير ذلك تارة أخرى، وفي ذلك دليل على أن عدونا يعرف في أعماق نفسه أن الداعية مستقيم، وأنه خير منهم سيرة. وبعد ثلاثة أيام من إقامة علي بمكة أدى الودائع بعد أن طاف بالقوم، ثم لحق بالركب المهاجر. وفي ساعة رحيل المهاجرين نقف لنستمع إلى حوار جرى بينهما، فقد قدم أبو بكر لرسول الله أفضل الراحلتين اللتين ابتاعهما لغرض الهجرة فأجابه الرسول: إني لا أركب بعيرًا ليس لي.. يقول أبو بكر: فهي لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي. يقول الرسول: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتهما به؟ يقول أبو بكر: كذا وكذا يجيبه الرسول: قد أخذتها به. وعلق الإمام السهيلي على هذا الحوار بقوله: «إنما ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله، رغبة منه عليه السلام في استكمال فضل الهجرة والجهاد على أتم أحوالهما» لا نقول هنا: هل هذا وقت السؤال عن مصدر الراحلتين وثمن كل واحدة، إنها فترة يكاد فيها الرجلان يتخطفان من الأرض! ولكنه رسول الله يعرف ما عليه من واجبات وتبعات حتى في الوقت العصيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل