; المتلاعبون بالعقول - نصيحة من الآخر لنفسه.. وتجذير لنفسه | مجلة المجتمع

العنوان المتلاعبون بالعقول - نصيحة من الآخر لنفسه.. وتجذير لنفسه

الكاتب محمود الكسواني

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 77

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

التغريبيون من بني قومنا ما زالوا يصرون على أن الحضارة الغربية لاتضر بقيمنا ولا تؤثر سلبًا على مصير الأجيال المقبلة وبالتالي فإنهم يقبلون على منتجات الغرب الثقافية بكل ثقة واطمئنان بدعوى أن التقدم الذي يشهده الغرب ما هو إلا نتيجة حتمية للفكر الغربي بكل معطياته اقتصادية كانت أو اجتماعية ثقافية أو معرفية، كما يصر المنظرون للتغريب على الدوران في فلك الغرب بكل سلبياته.

وقد سبق أن كتبت المجتمع عن ضرورة التفرقة بين الثقافة كمنتج حضاري وبين المعرفة كمنتج إنساني، وأشير إلى أن الحضارة شيء والمدنية شيء آخر، فالحضارة معطى من ذات الفكرة، والمدنية معطى خارجي مشترك لجميع بني البشر، ولكن إصرار التغريبيين على عدم التفرقة بين المفهومين، يجعلنا نعيد النظر في أسلوب الحوار مع الرأي الآخر، فمادام أن الآخر من بني قومنا يمثل حالة الاستسلام للغرب والركون لما عند الآخر الغربي فلا نرى بأسًا في محاورة الخصم بأدلة يعترف بها ويذعن لمعطياتها، ونعني بها تلك المجادلات بين مفكري الغرب فيما بينهم، فلعل التغريبيين من بني جلدتنا، يلمسون خطورة ما يدعون إليه من خلال أقلام غربية بحتة لا ترى في حضارة بني قومها سوى السراب يحسبه الظمآن ماء، وأن الحضارة الغربية كما تؤكد أصوات هؤلاء المفكرين الغربيين ما هي إلا صورة من صور استغلال الإنسان لأخيه الإنسان من خلال ما يسمى بالحرية الفردية. 

الكتاب الذي نرصده للأمريكي هربرت شيللر أستاذ مادة وسائل الاتصال بجامعة كاليفورنيا بسان دييجو وترجمه للعربية عبد السلام رضوان صدر لأول مرة في الولايات المتحدة عام ١٩٧٤م. وكان المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت قد ترجمه ونشره باللغة العربية سنة ١٩٨٦م وأعادت الكويت إصداره عبر سلسلة عالم المعرفة العدد ٢٤٣ لشهر مارس من عام ١٩٩٩م.

لقد صيغ تحت العنوان الرئيس للكتاب السؤال التالي: «كيف يجذب محركو الدمى الكبار في السياسة والإعلان ووسائل الاتصال الجماهيري خيوط الرأي العام؟».

وإنه لعنوان مثير هذا التساؤل يرغم القارئ على المتابعة فهناك إشارة واضحة إلى أن الإعلام الغربي وعلى رأسه الإعلام الأمريكي هو إعلام سياسي من الدرجة الأولى هدفه على الدوام تضليل الرأي العام أو توجيه مساره وفق إرادة الملأ وذوي السلطة.

وسؤالنا لبني قومنا من التغريبيين: إذا كان هذا هو حال المواطن الأمريكي إزاء عالم التلاعب بالغقول من قبل ساساته فكم كان التغريبيون من بني قومنا عرضة للتضليل من قبل ساسة الغرب ومفكريه الذين استنسخوا من أفكارهم آلاف الأفكار في عقول المنبهرين بسحر الحضارة الغربية؟

سوف نختار مقدمة الكتاب كمادة للتعليق، ثم نختار بعضًا من تحذيرات الكاتب لبني جنسه فلعل ما يصرح به مفكرو الغرب يكون مقبولًا عند التغريبيين المهرولين نحو مفرزات الحضارة الغربية.

تلخيص مقدمة الكتاب:

يتبنى «شيللر» في مقدمة كتابه ما ذهب إليه «باولو فرير» من أن النخبة الحاكمة لا تحتاج لتضليل الشعب الواقع تحت مطرقة القمع، لأن سيطرتها عليه واقعة بالفعل من خلال وسائل قمعية، إذ لا ضرورة عندها لتضليل المقموعين المضطهدين عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع. إنما تلجأ النخبة إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة عندما يبدأ الشعب في الظهور ولو بصورة فجة كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية، ويعتبر باولو فرير عملية التطويع تلك «أداة للقهر».

فباستخدام الأساطير التي تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود بل وتضفي عليها أحيانًا طابعًا خلابًا يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية، وعندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة

وإذ يستثني «شيلر» السود والملونين الذين تعرضوا للقمع داخل القارة الأمريكية الشمالية وخصوصًا الولايات المتحدة- وهو استثناء يشمل الملايين- فإن القمع على حد تعبيره: لم يكن يمثل الأداة الرئيسة للسيطرة الاجتماعية في أمريكا ولم تدع الحاجة لاستخدام القمع ووضعه موضع التنفيذ إلا في مناسبات متباعدة وقصيرة الأمد بوجه عام، فمنذ عصر الاستيطان في القارة ظل المهيمنون على النظام الاجتماعي يمارسون بفاعلية تامة تضليل الأغلبية البيضاء «أي استمالتها والتمويه عليها» وقمع الأقلية الملونة من خلال عبقرية مرعبة تمثلت للنخبة السياسية الأمريكية منذ البداية في قدرتها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكبر مصالحه أهمية».

ويذهب «شيلر»، إلى أبعد من ذلك حين يصف الولايات المتحدة بأنها مجتمع منقسم يمثل فيه التضليل الإعلامي إحدى الأدوات الرئيسة للسيطرة في أيدي مجموعة صغيرة حاكمة من صناع القرار من أصحاب الشركات ومسؤولي الحكومة الذين أتيحت لهم أكثر من طبقة الملونين والعمال مزايا مؤثرة أهلتهم في نهاية المطاف لجعل خيوط السيطرة الاجتماعية والهيمنة السياسية دقيقة للغاية أو غير مرئية.

فصول الكتاب ومواضيعه الأخرى:

 جاء الكتاب في ثمانية فصولى عناوينها ذات طابع إعلامي وذلك أن «شيلر»، يرى أن السيطرة على أجهزة المعلومات والصور على كل المستويات «بما فيها برامج الأطفال والصور المتحركة والأفلام والمسلسلات.. إلخ» تمثل وسيلة أساسية من وسائل التضليل، فجميع وسائل التضليل رغم تنوعها ترجع إلى هذا الأصل.

فكانت عناوين الفصول هي:

- التضليل الإعلامي والوعي المعلب: يتحدث فيها «شيلر» عن خمس أساطير مؤسسة هي أسطورة الفردية والاختيار الشخصي وأسطورة الحياد وأسطورة الطبيعة الإنسانية الثابتة وأسطورة غياب الصراع الاجتماعي، وأسطورة التعددية الإعلامية.

ويخلص في نهاية الفصل إلى أن السلبية هي الهدف النهائي لتوجيه العقول، ذلك أن السلبية تعزز وتؤكد الإبقاء على الوضع القائم، وذلك في الواقع هو الذي يعيق الفعل، فليس بالإمكان أبدع مما كان.

- صناعة المعرفة: العنصر الحكومي: يتحدث شيلر من خلال هذا الفصل عن دور الحكومة في إنتاج المعرفة وجمع المعلومات.

 - صناعة المعرفة: العنصر العسكري- الصناعي.

 - الترفيه والتسلية: تعزيز الوضع الراهن. 

- صناعة استطلاع الرأي: قياس الرأي وتصنيعه.

- توجيه العقول: ينتقل إلى ما وراء البحار: تصدير تقنيات الاستمالة.

- توجيه العقول في بعد جديد: من قانون السوق إلى السيطرة السياسية المباشرة.

- التكنولوجيا الإعلامية بوصفها قوة مضيفة للطابع الديمقراطي.

 الكتاب رغم مرور أكثر من ربع قرن على صدور الطبعة الأولى منه لا يزال يعكس الوضع الراهن، ونحن أحوج ما نكون فيه إلى قراءة انتقادات الغربي لذاته لعل قراءتنا تكون خيرًا من قراءة من سبقنا، وخاصة أننا على ثغرة من ثغور الإسلام، ومدعوون لإعادة بناء سد بين مجتمعاتنا وطوفان الحضارة الغربية، الذي جرف ولا يزال يجرف أعدادًا غفيرة من المنبهرين والمهزومين أمام حضارة الآخر، عسى أن يكون في جيل اليوم من يحسن العمل كما يحسن القراءة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

124

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟