; أفضل جهاد وأفضل شهادة | مجلة المجتمع

العنوان أفضل جهاد وأفضل شهادة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 23-فبراير-1999

معالم على الطريق

      ما كنا نحب أن نخوض في مثل هذه البدهيات؛ لأنها معروفة لكل مسلم، لكن أراد الله أن يظهر لنا أقوامًا مازالوا يجهلون حتى تلك البدهيات، وليس عندنا غضاضة أو إشكال في تعليمهم أمر دينهم، ولكننا فوجئنا بأن تلك الأسئلة يصاحبها وقاحة وسباب، وهذا شيء ما كنا تعهده أو نراه في أي جاهل قبل ذلك، مما يدل على أنه قد انضم إلى عمى الجهل عمى البصيرة والقلب والعياذ بالله.

     وما كنا نحسب أن إطلاق لفظ الشهادة على الشيخ البنا -رحمه الله- وأمثاله ممن قتلوا في سبيل الله من أمثال سيد قطب وغيره- يحرك في قلوب البعض هذا القدر من الدخل والمرض على رجل قتل في سبيل دعوة ربه، صابرًا محتسبًا في ميدان الدفاع عن دينه وعقيدته وشرف أمته، واستطاع -بعون الله- أن يجلي حقائق دين الله، ويظهر جمالها ونفعها وقدرتها على الإحياء والبعث للطاقات الخامدة في الأمة، والنفع والشفاء لأمم الأرض قاطبة، ومازالت دعوته وصيحته بعد استشهاده تفعل فعلها في النفوس والقلوب والحضر والبوادي، ومازال رجاله الذين رباهم حملة للمشاعل وهداة للدرب، وقادة للفكر- يسيرون في نور الله حملة لكتابه ودعاة لدينه، وخدمًا لدعوته بعقل وصبر وعزم، لا يخافون أحدًا، ولا يرهبون ظالمًا، ولا يعبؤون بقتل ولا سجن ولا تشريد.

     وأما ما تريده ردًا على تجنياتك وتجاوزاتك فإليك هو: عن سعيد بن زيد   -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد»، (أخرجه الترمذي رقم ١٤١٨، ١٤٢١ باب فيمن قتل دون ماله، وأبو داود رقم ٤٧٧٢ في السنن، والنسائي ٧/١١٥, ١١٦، وابن ماجه رقم ٢٥٨٠ في الحدود، وأحمد في المسند رقم ١٦٢٨، وإسناده صحيح، وقال الترمذي حسن صحيح)، وقد قال صاحب فيض القدير إن هذا الحديث من المتواتر، وقد قالت الأئمة أبو حنيفة والإمام أحمد والشافعي وغيرهم، إن المقتول دون دينه شهيد، والمقتول ظلمًا شهيد، قال فيه الإمام أحمد لا يغسل؛ لأنه شهيد، (انظر موسوعة الفقه الإسلامي ج ٢٦، ص ۲۷۲، وانظر الإنصاف ٢/٥٠١, ٥٠٢)، وقد عدد العلماء الأحاديث التي ذكرت من يموتون شهداء فقارب عددهم (٤٠) نوعًا، وإليك بعضًا منهم: عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خمسة من قبض في شيء منهن فهو شهيد، المقتول في سبيل الله شهيد، والغريق في سبيل الله شهيد، والمبطون في سبيل الله شهيد، والمطعون في سبيل الله شهيد، والنفساء في سبيل الله شهيدة».

     وفي روايات أخرى صاحب ذات الجنب «مرض» شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، وعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: إن عمر بن الخطاب مات شهيدًا، وكان قد سأل الشهادة في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، (وإسناده صحيح رواه الموطأ ٢/ ٤٦٣، وجامع الأصول ٢/٧٤٨)، وقد وردت أحاديث رواها عبادة بن الصامت وعائشة، وأنس، وجابر، وابن مسعود وأبو هريرة، وصفوان بن أمية، وابن عمر وعبد الله بن جبير، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وسهل بن حنيف، تذكر تلك الأحاديث أنواع الشهداء الذين سماهم رسول الله ﷺ وأعلاها من قاتل في سبيل الله، أو قتل دفاعًا عن دينه أو قتل مظلومًا، أو قتله باغ أو فاسق، والشيخ البنا ألم يقتل دفاعًا عن دينه؟ ألم يقتل ظلمًا؟ ألم يقتله ظالم وباغ وفاسق؟ أم ترى أنه قتل دفاعًا عن أنظمة خربة، أو عقيدة زائفة، أو مذهب شرود؟ ألا تتقون الله في الأمة وفي الإسلام وفي أنفسكم وفي الحق هدانا الله وإياكم سواء السبيل؟ ثم ما الفائدة التي يجنيها هؤلاء من هدم كل رجل مجاهد في سبيل دينه وعقيدته وأمته، وتوهين كل مثل حيوي وفاعل يرود جيله، ويقود مسيرة الفلاح وخطى النجاح في أمة أحوج ما تكون إلى المثل العظيم، والقدوة الحسنة، والريادة المبدعة؟

      إن أمتنا اليوم هي أحوج ما تكون إلى رجال لهم حلوم، وعندهم عزائم، ولهم رؤية، وعندهم عطاء، أصحاب جهاد منتج لا منتن، وأصحاب رؤى سوية لا عمية، وبصيرة نيرة لا مظلمة، قلوب تجمع ولا تفرق، وتؤسس ولا تهدم، وتزرع الوديان، ولا تخرب العمران، لها رحمة الأنبياء، وعطاء الشهداء، وسمت الصديقين، وقلوب العارفين، وعندها القدرة على تحويل الظلام إلى نور، والخراب إلى عمران، والشرود إلى يقظة وبرهان، وهم مع هذا جبال في الصبر، أسود في الحق، صواعق على الباطل، هم ربانيون مجاهدون أشداء على الأعداء، رحماء بينهم، رهبان بالليل، فرسان بالنهار، ملائكة تسير في الحياة، ومصاحف تمشي وسط الناس، في صدورهم نور الله، وفي عزائمهم إرادته، وفي عقولهم منهجه، وفي سواعدهم مدده ونصره وبرهانه، هؤلاء إذا وقفوا كانت لوقفتهم هزة في التاريخ، ومنارة في الزمن، وآثار في الدهور، وبداية للعد التنازلي لكل ظالم أو باغ، فهم المجاهدون بحق والشهداء بصدق، وجهادهم هو الذي عناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أفضل الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر»، (أخرجه أحمد والنسائي، وهو حديث حسن صحيح)، وقوله: «سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (رواه الطبراني والحاكم، وقال صحيح الإسناد ورمز له صاحب فيض القدير بالصحة ٤/ ١٢١)، وقال: المقتول في مواجهة هذا الظالم الجائر سيد الشهداء في الآخرة؛ لمخاطرته بأنفس ما عنده وهي نفسه في ذات الله تعالى، ثم قال المناوي: «مجاهدة السلطان الجائر أصعب من مجاهدة العدو؛ لأن مجاهد العدو متردد بين رجاء وخوف، وصاحب السلطان إذا أمره إنسان بمعروف تعرض للتلف من غير رجاء، فهو أفضل من جهة غلبة الخوف، ولأن ظلم السلطان يسري إلى جم غفير، فإذا كفه فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر».

     وقال ابن حجر في فتح الباري (٦/٩٠): «أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر واحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب، والله أعلم».

     ونحن نقول لهؤلاء الذين يجاهدون على الوسائد الوثيرة، أو الذين يجاهدون في لمز الناس وتشكيك الأمة وتوهينها، أو الذين يدفعون من جهات مشبوهة لإلقاء الشبهات وبث الأراجيف حول رجال الأمة ورواد نهضتها هيهات هيهات:

هي الشمس تبعد من أن تساما *** فعز الفؤاد عزاء جميلًا 

فلن تستطيع إليها صعودًا *** ولن تستطيع إليك النزولا

     هدانا الله وإياكم سواء السبيل، وقد أفضوا ما قدموا، فانظروا إلى ما تقدمون، وإن غدًا إلى لناظره قريب: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ صدق الله العظيم (آل عمران: ٣٠).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

164

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري

نشر في العدد 497

121

الثلاثاء 16-سبتمبر-1980

يا سيد.. ما نسينا أنت قد علمتنا

نشر في العدد 1119

88

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

العمى الشرقي.. هل له من علاج؟!