العنوان نص مذكرة الدفاع في قضية تعطيل المجتمع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984
مشاهدات 77
نشر في العدد 681
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 28-أغسطس-1984
حكمت محكمة الجنايات في قضية مجلة المجتمع ببراءة رئيس التحرير وذلك في جلستها المنعقدة يوم 20/ 8/ 1984، وهذا نص منطوق الحكم:
بالاطلاع على أوراق القضية رقم 37/ 84 جنح صحافة المتهم فيها إسماعيل خضر الشطي- كويتي الجنسية بتهمة إثارة البغضاء وبث روح الشقاق بين أفراد المجتمع تبين أن محكمة الجنايات أصدرت بتاريخ 20/ 8/ 1984 حكمًا حضوريًّا قضى ببراءة المتهم مما نسب إليه، وقد أعطيت هذه الشهادة لوكيل المتهم بناء على طلبه.
رئيس القلم الجزائي
23/ 8/ 1984
وكان السيد أحمد عبد اللطيف الرويح المحامي قد ترافع في القضية مقدمًا هذه المذكرة:
أسندت النيابة العامة إلى المتهم إسماعيل خضر الشطي أنه في يوم 24/ 7/ 1984 بدائرة دولة الكويت بصفته رئيسًا لتحرير مجلة المجتمع وكاتبًا للمقال، كتب ونشر بالمجلة المذكورة بعددها رقم ٦٨٠ الصادر بتاريخ 24/ 7/ 1984 بالصفحة رقم (٥٠) في زاوية إلى من يهمه الأمر مقال بعنوان «الظلم لا يكون نسبيًّا» تضمن إثارة البغضاء وبث روح الشقاق بين أفراد المجتمع وذلك على النحو المبين بالتحقيقات، حالة كونه عائدًا إذ سبق الحكم عليه بالغرامة في جرائم مماثلة آخرها الحكم الصادر في القضية 17/ 1983 جنح صحافة بتاريخ 5/ 3/ 1984.
الوقائع
تخلص الواقعة في أن وزارة الإعلام تقدمت بطلب إلى السيد رئيس محكمة الاستئناف العُليا لوقف صدور مجلة المجتمع لنشرها مقالًا على الصفحة (٥٠) من العدد ٦٨٠ الصادر بتاريخ 24/ 7/ 1984 عنوانه «الظلم لا يكون نسبيًّا» الذي تضمن إثارة للبغضاء.
وقد صدر إذن من السيد رئيس محكمة الاستئناف بوقف صدور مجلة المجتمع إلى حين صدور حكم من القضاء بشأنها، كما تم إحالة رئيس تحرير المجلة إلى النيابة العامة للتحقيق، وقد سألته النيابة بالأسئلة الآتية:
س: ما قولك فيما جاء ببلاغ السيد وزير الإعلام؟
جـ- ما حصل والمقال لا ينطوي على إثارة بغضاء أو بث روح الشقاق بين أفراد المجتمع وبالتالي لا يخالف قانون المطبوعات.
س: تضمن المقال أنه حينما يبدأ القرار السياسي الذي يطالب بفصل الدين عنه بالتدخل المستمر والمهيمن على القرار الإداري، ويلغى جميع المعايير والأعراف إلا معيارًا واحدًا هو الولاء للسلطة وليس الله ثم الأمة أو الوطن فيُحْرَم المختلِف مع رأي السلطة من حقوقه ويحترم حقوق الوصوليين والمنتفعين وأن هذا في رأيك ظلم؟
جـ- أنا أقصد بالقرار السياسي القرارات التي يصدرها الساسة الرسميون كالوزير أو من تسلَّم هذه المناصب العليا وأقصد بتأثير مثل هذه القرارات السياسية على القرارات الإدارية بأن اتخاذ أي قرار إداري يجب أن تتخذ معايير إدارية بحتة كالكفاءة والأمانة والنزاهة، أما إذا تدخل القرار السياسي، فإن المعايير السابقة لا تؤخذ في الاعتبار، إنما الولاء للسلطة، وأقصد الولاء للسلطة عدم الاختلاف مع السلطة في الرأي أبدًا.
كما سئل المتهم:
س: هل قصدت شخصًا مسئولًا معينًا باتخاذ قرار سياسي أو إداري في ضوء ما أشرت إليه بالمقال؟
جـ- لا وإنما قصدت بالتعبير عما قلته نصيحة عامة لوجه الله، وإن كانت الأمثلة التي استشهد بها بعد ذلك قريبة من بعض الوقائع التي تحدث في عالمنا العربي وأنا لا أقصد الإساءة، وإنما أقصد النصح والإرشاد، وأنني أظن كمسلم واجبي النصيحة انطلاقًا من قوله صلى الله عليه وسلم -الدين النصيحة- قالوا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله وللمؤمنين.
س: هل قصدت أشخاصًا معينين بتلك الوقائع ومن تسبب فيها؟
جـ- لا
ثم سئل سؤالًا أخيرًا :
س: تضمن المقال في فقرته الأخيرة أن الاستهانة بالظلم وعدم الاكتراث بنتائجه أشد منه، وأن السبب في ذلك هو الغرور الأعمى بالسلطة.
وقد أجاب المتهم أن هذا كلام بصفة عامة وواضح أنني بعدها مثلت بدول زالت نتيجة الغرور بالسلطة والاستهانة بالظلم وما للظلم من نتائج نحو ما ذكرت .
من هذه الأسئلة والأجوبة تبين أن المتهم لم يكن يقصد بمقالِهِ الذي نشره والذي عطلت المجلة بسببه لم يكن يقصد به إثارة البغضاء وبث روح الشقاق بين أفراد المجتمع وإنما كان يقصد به النصيحة والإرشاد لإخوانه من المسئولين في المجتمع وأفراده، وأن الأمثلة التي ذكرها كانت عامة لم يقصد بها حالة معينة وأن المقال جاء بعده نقاط وهي:
- التأكيد على عدم نسبية الظلم مما يعني أن الظلم حجمه واحد فلا يوجد ظلم صغير وظلم كبير وأن تجرُّع الظلم له نفس المرارة مهما اختلفت الكمية، وهذا رأي يتبناه الكاتب ولا غبار على تبنيه هذا الرأي ما دامت حرية التفكير مكفولة بنصوص الدستور.
- استشهد الكاتب بست صور من صور الظلم ليدلل بها على رأيه، ولم ينسب هذه الصور إلى عين من الناس أو إلى جهة من الجهات أو إلى دولة من الدول، بل إن الستّة جاءت بصفة العموم المطلق دون تخصيص أو تقييد، ومن الطبيعي أن يستدل الكاتب بشواهد وصور ليثبت بها رأيه ووجهة نظره حتى يكتسب رأيه صفة الموضوعية العلمية، وما دام قد استشهد بصور عامة تحدث في مختلف بقاع الأرض دون توجيه إلى مجتمع أو شعب ما فلا موضع للتشكيك في نوايا الكاتب، وحتى لو استشهد الكاتب بوقائع محددة الجهة وواضحة الدلالة، فإنه لا يكون موضع الاتهام، فمتى كان الاستشهاد بالوقائع على رأي ما أو نظرية ما موضع اتهام؟
- وينتهي الكاتب في مقاله إلى حقائق علمية صحيحة أراد منها الكاتب أن تكون موضع عبرة وعظة وإرشاد، وهي أن نهاية الظلم في انفلات المعايير واختلال القيم، وتناسَى الناس كل المكاسب، وهنا تكمن المصيبة، وهذا عين الحق الذي تؤكده الكتب السماوية والنظريات الاجتماعية والشرائع الوضعية.
ويحق لنا أن نتساءل بعد هذا التحليل، أين الموضع الذي أشارت إليه التهمة من إثارة البغضاء وبث روح الشقاق.
هل هو في النظرية التي يتبناها الكاتب؟ فإن كان الكاتب يستقي فكره من النصوص القرآنية والنبوية التي تقول:
﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 160- 161)، أو ليست هذه الآية تربط المكاسب الخيرية ربطًا عكسيًّا بوقوع الظلم؟ أو ليست هذه الآية جاءت بصور للظلم الاقتصادية منها كالربا والمنهجية منها كسبيل الله والمالية منها كأكل أموال الناس بالباطل؟ أو يليق أن نلصق تهمة إثارة البغضاء بين أفراد المجتمع على قارئ هذه الآية أو شارحها؟؟
أو ليس القرآن يقول:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116).
أو ليست هذه الآية تتحدث عن نفس النتيجة التي خرج بها الكاتب في نهاية المقال؟؟ أو ليست هذه الآية تقول إنَّ نهاية الظلم هو الدمار الذي لا نجاة منه إلا للناصحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فهل يليق أن نتهم من يقرأ هذه الآية أو يفسرها بتهمة إثارة البغضاء وبث روح الشقاق بين أفراد المجتمع؟
إذا لم يكن في النظرية والنتيجة، وهما ما تبين أنهما حقائق قرآنية قطعية الثبوت والدلالة فهل هي الصور والشواهد.
إننا نطرح سؤالًا محددًا كذلك، أي الصور المذكورة في المقال لا تمثِّل ظلمًا في كل معايير العدالة من خلال النظرة العامة.
أو ليس حرمان تلميذ من درجة يستحقها في الامتحان وإعطاؤها لمن لا يستحقها تمثل ظلمًا، هل في هذا جدال؟
أو ليس تنفيذ العقوبة على شخص ما لجريمة ارتكبها وعدم تنفيذها على شخص آخر ارتكب نفس الجريمة بنفس الظروف والملابسات تمثل ظلمًا؟
أو ليس في حرمان الموظف من حقوقه لمجرد اختلافه في الرأي مع السلطة واحترام حقوق الموظف الآخر المتفق في الرأي مع السلطة يمثل ظلمًا .
أو ليس في سجن شرطي بتهمة سرقة مبلغ ضئيل وعدم سجن وزير أو كبير بتهمة سرقة مبلغ ضخم يمثل ظلمًا، هل في هذا جدال؟
إن بقية الصور التي يتناولها المقال لا جدال في أنها صور عامة للظلم ولا مجال للتهمة لمجرد الاستشهاد بها.
إننا حقًا نسرد دهشتنا واستغرابنا لهذه التُّهمة التي لم نجد لها موضعا يعضد قيامها ضد المتهم من داخل المقال موضع الاتهام.
إن مثل هذا المقال يعتبر قطعة من الفكر الإنساني الذي ينساب في تيار المطالبين بحقوق الإنسان، والمنادين بالحريات العامة والمدافعين عن العدالة والمساواة وإن قراءته لا يمكن أن تتجاوز تلك المضامين النفيسة، وإن اتِّهام كاتب المقال بإثارة البغضاء وبث روح الشقاق يمثل إحباطًا في نفوس السابحين في هذا التيار.
أوَ ليس من حق الكاتب أن يكتب مقاله عندما يقرأ توجيهات معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولَتنهوُن عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه تدعونه فلا يستجيب لكم» (رواه الترمذي)
«والله لتأمرن بالمعروف، ولَتنهوُن عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم» ويقصد بني إسرائیل- رواه أبو داود.
أو ليس مثل هذه النصوص تدفع عقول المصلحين وقلوبهم للنصح وقولة الحق، أو ليس مثل هذه النصوص الشريفة تحدث في القلب هيبة وإجلالًا وتدفع المتدبر فيها إلى إنقاذ قومه من وعيد الله، وهل جزاء من يفعل ذلك أن يقوم جهاز رقابة المطبوعات بوزارة الإعلام باتهامه بإثارة البغضاء وبث روح الشقاق، أبهذه السهولة نتهم المصلحين؟
إن ما نشر لم يكن أكثر من نصيحة وإرشاد في قالب فكري مستقى من نصوص قرآنية ونبوية شريفة كتبها المتهم معبرًا عن رأيه الخاص.
والمادة ٣٦ من الدستور تقرر أن حرية الرأي في البحث العلمي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول والكتابة.
كما نصت المادة ٣٧ من الدستور أن حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقًا للشروط والأوضاع التي بينها القانون.
بناء عليه يلتمس الدفاع براءة المتهم من التهمة المسندة إليه.
وكيل المتهم
أحمد عبد اللطيف الرويح
المحامي