العنوان افتراءات وتنازلات. ملف خاص عن زيارة «تواضروس الثاني» للفاتيكان
الكاتب د. زينب عبدالعزيز
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013
مشاهدات 40
نشر في العدد 2055
نشر في الصفحة 41
السبت 01-يونيو-2013
- الزيارة خطوة نحو تحقيق مشروع «يوحنا بولس»، بتوحيد كافة الكنائس للتصدي لموجة المد الإسلامي
- «رويترز»: «فرانسيس» والباطريارك «تواضروس الثاني» قاما بالصلاة معا وتحدثا على انفراد وتناولا علنا معاناة المسيحيين ومساهمتهم في وحدة أتباع الكنيسة
- «المجلس القومي للكنائس المسيحية بمصر» تم إنشاؤه استجابة لرغبة ملحة لدى «تواضروس الثاني» في التصعيد والاستقواء داخليًا وخارجيًا
- جريدة لوموند الفرنسية: البابا القبطي بحاجة إلى مساندة زميله الكاثوليكي حتى وإن أدى ذلك إلى كتمان الخلافات العقائدية التي لا تزال قائمة
تعد زيارة البابا تواضروس الثاني للفاتيكان «۹-١٣/٥/٢٠١٣م» أول رحلة له خارج البلاد منذ توليه منصب البابوية يوم ٤/١١/٢٠١٢م، والتعليقات الصحفية والإذاعية التي تناولت لقاءه مع البابا «فرانسيس»، تكشف عن موقف مرتب مسبقا، بغية التصعيد في اتجاهين التقارب بين الكنيستين القبطية والكاثوليكية رغم كل ما بينهما من خلافات عقائدية أساسية من جهة، وزعم تزايد اضطهاد الأقباط يوميا منذ تولي الإخوان المسلمين السلطة، من جهة أخرى.
فقد فسر موقع «زنيت» التابع للفاتيكان هذه الزيارة على أنها محاولة تقارب، وأن الباطر يارك «تواضروس الثاني» يطوي صفحة غير مرحب بها، فقد كان شنودة الثالث قد اعترض على عبارات «بنديكت السادس عشر»، في عام ٢٠١١م، حينما أدان العنف الذي يتعرض له مسيحيو الشرق، واعتبره تدخلا في الشؤون الداخلية؛ لذلك تم اعتبار زيارة «تواضروس الثاني»، تقاربا ورغبة منه في مزيد من التعاون بين الكاثوليك والأورثوذكس في مصر.
اتهامات بالاضطهاد
ويوضح «إسكندر يوتشانتي»، مراسل القناة الخامسة للتلفزيون الفرنسي في مصر، أن «تواضروس الثاني» على عكس شنودة»، قد بدأ مشواره البابوي بتوجيه النقد للسلطة الحاكمة في مصر التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون لصمتها على أحداث الكاتدرائية التي «اعتدى عليها المناضلون» الإسلاميون-كما وصفهم-وقامت الشرطة باستخدام القنابل المسيلة للدموع ضد الأقباط وهي واقعة لا سابقة لها، وظلت مثلها مثل كافة الاعتداءات على المسيحيين دون أي محاسبة. ثم يضيف المراسل: وقد ازداد الوضع سوءا منذ مجيء الإخوان المسلمين إلى السلطة في مطلع عام ۲۰۱۲م، فلا يمر أسبوع دون أن تتم محاكمة مسيحي لازدرائه الإسلام أو دون أن يتم الاعتداء على كنيسة، أو أن يطرد المسيحيون من قراهم، أو أن يتم حرق بيوتهم أو باختصار: دون أن يتم قتلهم وتعلو المبالغة ليضيف قائلا: «إضافة إلى هذه المضايقات اليومية، وخطاب القنوات الإسلامية المعادي للمسيحيين، فقد اضطر المسيحيون إلى الفرار من مصر، فوفقًا لما أعلنته الكنيسة يبلغ عددهم مائة ألف هارب من مصر»
أما جريدة «لاكروا» الكنسية، فقد ركزت على مدى التقارب بين الكنيستين، وعلى رغبة «تواضروس الثاني» في اعتبار يوم ذلك اللقاء مع بابا الفاتيكان عيدا سنويا، مذكرا أن الكنيستين قد تم ريها بدماء كثير من الشهداء، ودعا بابا الفاتيكان لزيارة مصر.
بينما علق بابا الفاتيكان مشيرًا إلى الوحدة في الآلام والمعاناة، وموضحا: «مثلما كان دم الشهداء بمثابة قوة وإخصاب للكنيسة، فإن الآلام والمعاناة اليومية يمكنها أن تصبح أداة فعلية للوحدة»، وزاد بالقول: «هذا المفهوم على العلاقات بين المسيحيين وغير المسيحيين، إذ ابتدأ من المعاناة المشتركة يمكن بالفعل أن. ينبثق العفو والمصالحة، ولمن لا يعرف معنى هاتين الكلمتين في القاموس الكنسي، فإنهما. من الكلمات التي تشير إلى التبشير والدخول في سر المسيح.
وكان «تواضروس الثاني» قد أوضح في كلمته أن المجتمع المصري مبني على أعمدة تحمل المجتمع، ومن هذه الأعمدة الأزهر والكنيسة والسلطة القضائية، وأن المساس بهذه الأعمدة أو هدمها تكون نتيجتها انهيار المجتمع».
أما «وكالة أنباء رويترز»، فقد وصفت هذه الزيارة بأنها شديدة الرمزية، فقد قام البابا-«فرانسيس» والباطريارك «تواضروس الثاني» بالصلاة معا، وتحدثا على انفراد، وتناولا علنا معاناة المسيحيين ومساهمتهم في وحدة.أتباع الكنيسة، ناقلا عبارة فرانسيس» من أن. تقاسم الآلام اليومية يمكنها أن تصبح أداة. فعالة للوحدة».
بينما كتب موقع «راديو فرنسا الدولي». عنوانا صارخا يقول: «الباطريارك القبطي تواضروس الثاني يتهم السلطات المصرية. باستخدام تصرف كاسح مخز» «drastique deshonorable». ولام الرئيس «محمد مرسي» على أنه تدخل بعد مرور ٤٨ ساعة من الاعتداءات المعادية للمسيحيين وأشاد-الموقع بـ «تواضروس الثاني» الذي تصرف عکس سابقه «شنودة الثالث» الذي كان يلجأ-إلى الاعتكاف فحسب. ثم اختتم الموقع مقاله بعبارة لها مغزاها للبابا السابق «بنديكت١٦» عندما تم انتخاب «تواضروس الثاني» قائلًا: «في هذه الأزمنة الصعبة من المهم أن يعرب كافة المسيحيين عن المحبة والصداقة التي تربط بينهم وفقا لرجاء يسوع حين أعلن أن يكون الجميع واحدا حتى يؤمن العالم». وهو ما يشير إلى أن توحيد الكنائس يتم وفقًا لـ «مجمع الفاتيكان الثاني» «عام ١٩٦٥م» ووفقًا لما أعلنه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، وأورده في كتاب «الجغرافيا السياسية للفاتيكان لا بد من توحيد كافة الكنائس للتصدي لموجة المد الإسلامي».
تصعيد واستقواء
بينما تناولت مجلة «نوفل أوبسير فاتور» الخبر بتوضيح أن الباطريارك «تواضروس الثاني» كان قد اشتكى من تدهور وضع الأقباط في مصر، أما في مداخلاتهما العلنية فلا البابا «فرانسيس» ولا «تواضروس الثاني» قد ذكرا أحداث العنف في مصر بين المسلمين والمسيحيين.
أما خطاب «تواضروس الثاني»، فأول ما بدأ به هو أهمية حوار الأديان، ثم استطرد قائلا: «إن الكنيسة القبطية من أقدم الكنائس وقد رويت بدم الشهداء منذ القدم وحتى يومنا هذا، وهو ما يزيدها قوة بينما شكر البابا «فرانسيس» ضيفه على الاهتمام الذي يوليه للحوار مع الكاثوليك بإنشائه «المجلس القومي للكنائس المسيحية بمصر» في فبراير ۲۰۱۲م المزيد من الحوار حتى يضعوا أنفسهم في خدمة المجتمع بأسره، وإن دل هذا المجلس عن شيء الذي تم إنشاؤه على غرار مجلس الكنائس العالمي، فهو ينم عن الرغبة الملحة للبابا «تواضروس الثاني» في التصعيد والاستقواء داخليا وخارجيا حتى بالأكاذيب والفريات.
وفي الحادي عشر من مايو، أي في اليوم التالي لتلك الزيارة التاريخية، أعلن البابا «فرانسيس» عن رغبته في زيارة مصر، ردا على دعوة «تواضروس الثاني» له، وهو ما أوضحه هذا الأخير في حوار مع راديو الفاتيكان، ولم يتم تحديد موعد لزيارة «فرانسيس»، بابا الفاتيكان، إذ يجب أن تسبقها دعوة من جهات أخرى، كما أوضح البيان.
أما جريدة «لوموند» الفرنسية، فبعد أن تناولت اضطهاد الأقباط اليومي في مصر كتبت: «لقد تباعدت الكنيسة القبطية طويلًا عن زميلتها الكاثوليكية بسبب الريبة بل العداء نتيجة لسيطرة روما واستعراض مبشريها الكاثوليك أيام الاحتلال أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والكنيسة القبطية أقدم من الكاثوليكية، وتعتبر نفسها الكنيسة الكبرى، إلا أن حيوية الأعداد البشرية الكاثوليكية وحجمها العالمي قد قلص القبطية إلى مجرد كنيسة محلية». ثم أضافت الجريدة الرسمية الفرنسية «وحيال هذه التهديدات فإن البابا القبطي بحاجة إلى مساندة زميله الكاثوليكي حتى وإن أدى ذلك إلى كتمان الخلافات العقائدية التي لا تزال قائمة، أما بالنسبة لـ«فرانسيس» الكاثوليكي فالمشكلة مختلفة تماما: هل يميز الحوار مع السلطات الإسلامية الجديدة في الحكم والمتصاعدة في العالم العربي، أو يحمي الأقليات القبطية في الشرق الأوسط».
محاولة للفهم
ومن الأهمية بمكان توضيح الخلافات التي تعددت الإشارة إليها في الجرائد والإذاعات الفرنسية والإيطالية، حتى يفهم القارئ المسيحي قبل المسلم كيف يتم التلاعب بالعقائد وفقا للأهواء والأحداث السياسية عبر المجامع واللقاءات على مر التاريخ.
وعلى الرغم من كم الخلافات الرئيسة أو الجزئية بين الكنيستين الأورثوذكسية والكاثوليكية، فإنه يمكن اختصارها إجمالا إلى أربع نقاط أساسية اثنتان منها عقائدية واثنتان متعلقتان بالتنظيم الكنسي، وهما تباعا:
1. نسب الروح القدس: امتدت المشاحنات بين الكنائس وأساقفتها طويلا التحديد نص عقيدة الإيمان، وبدعة تأليه يسوع المسيح، رغم كل ما هو وارد بالأناجيل من أعداد تؤكد أنه نبي من الأنبياء، وتم صياغة وفرض عقيدة مساواته بالله عز وجل في مجمع نيقية، سنة ٣٢٥م، لكن الخلافات لم تهدأ، إذ بدأت مشكلة هل له طبيعة واحدة «إلهية-إنسانية». أم طبيعتان مستقلتان إلهية وإنسانية؟ ثم بدأت مشكلة هل له إرادة واحدة أم إرادتان؟ وتزامنت معها مشكلة الروح القدس، وهل هو منبثق من الله فقط مثله مثل المسيح أم منبثق من الله ومن المسيح وبالتالي يكون الروح القدس ابنهما، أم يتساوى ثلاثتهم؟ وقد تم حسمها في الغرب في مجمع القسطنطينية. عام ۳۸۱م، واعتبروه مساويا لله وليسوع وأن الثلاثة واحد. لكن الخلافات لم تهدأ، فكل تعديل أو تحريف جديد تترتب عليه مشكلات أخرى جديدة لم تكن في الحسبان، واستمر الصراع بين السلطتين المدنية والدينية، وبين الكنيستين خاصة أيام «شارلمان» عام ٨٠٠م وتشعب الصراع العقائدي بين الكنيستين لتتم القطيعة بينهما يوم ٢٤ يوليو عام ١٠٥٤م تلك القطيعة التي بدأ البابا شنودة الثالث» محاولة رأبها عندما زار الفاتيكان منذ أربعين عاما.
٢-الحمل العذري بمريم: والمقصود به ليس حملها في يسوع وعذريتها التي توصلوا بعد المشاحنات المجمعية والتعديلات إلى «أن عذريتها امتدت قبل وأثناء وبعد الحمل والوضع» وإنما المقصود هو حمل أمها بها خارج نطاق ما يطلقون عليه الخطيئة الأولى «أي الوسيلة الطبيعية للحمل» وهو تحريف جديد يرجع إلى القرن التاسع عشر، وهذا التحريف الجديد يتناقض مع ما سبق، وفرضته الكنيسة من خلال المجامع ونصوصها أن يسوع بصفته الإله الأوحد، كما يقولون هو المنقذ والشفيع الوحيد لكل الإنسانية، بما في ذلك أمه. فكيف تصبح أمه مخلصة وشفيعة مثلها مثل ابنها؟!
من المهم توضيح الخلافات بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية حتى يفهم القارئ المسيحي قبل المسلم كيف يتم التلاعب وفقا للأهواء
3. سيادة بابا روما: وتعني مهما انقسمت العقائد والكنائس أو حتى إن كان هناك منصب بابوية لكل كنيسة من الكنائس المنشقة، فقد شاءت روما أن تحتل الصدارة ويكون عند المواقف الجماعية بابا روما هو الرئيس الأوحد الذي يترأس كافة الكنائس بل ويحق له أن يقيل الأساقفة «وهي الرتبة التي يتم منها اختيار البابوات»، وذلك بزعم أن بابا روما قد تسلم سلطة التحدث عن جميع المسيحيين من المسيح شخصيًا، وذلك في زمن لم تكن فيه كنيسة أيام السيد المسيح ولا بابوات ولا أي شيء من هذه البدع التي تم نسجها عبر المجامع على مر العصور. بدليل ما نطالعه في أعمال الرسل بأن أول اجتماع للحواريين تم بعد «صلب المسيح»، كما يقولون، كان في بيت «يعقوب» شقيق السيد المسيح، حوالي عام ٥٠م، وبعدها تم تسمية هذا اللقاء «جمعية». وهي مأخوذة من كلمة «إكليزيا » اليونانية التي أعطت كنيسة فيما بعد. فكيف تسلم البابا سلطته من السيد المسيح؟!
معصومية البابا من الخطأ: من البديهي أن أول ما يشير إليه هذا التحريف الذي تم فرضه في مجمع الفاتيكان الأول» «۱۸۷۰م» هو مساواة البابا فرضًا بالثالوث الإلهي، الذي من المفترض أنه المعصوم من الخطأ، ومن المعروف أن هذا المجمع كان قد اجتمع المحاربة العلم والتقدم اللغوي الذي كشف الكثير من التحريف الذي أبعد الأتباع في الغرب عن الدين. ولا تزال الخلافات قائمة إلى اليوم.
ولا نهاية لكل ما ألم بهذه المؤسسة من تغيير وتعديل وتبديل، لكن يبقى السؤال مطروحا رغم الفريات والأكاذيب: هل سيقوم الباطريارك «تواضروس الثاني»، كما يلقبونه في كافة المقالات في الغرب، فلا بابا إلا في روما هل سيقوم بأخذ رأي شعب الكنيسة القبطية التي يترأسها في «التعديلات العقائدية» التي ينوي القيام بها في العقائد الإيمانية الأورثوذكسية التي تسير عليها الكنيسة هنا منذ إنشائها، في سبيل الاستقواء بالفاتيكان المحاربة الإسلام والمسلمين، أم سيقوم بفرضها على الأتباع صمتا أو تمويها؟!