العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1455)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1455
نشر في الصفحة 50
السبت 16-يونيو-2001
قصة قصيرة
عندما يزهر ضمير المدينة
نردين أبو نبعة
في هذه الغرفة الكئيبة.. ابتدأت أزمان مزهرة.. على أنقاض أرصفة تبيع أبناءها.. «كانت الغرفة مليئة بالحشرات والجرذان مسجونون كأننا مجرمو حرب.. اجترحنا فضاءات الوطن ولوثنا قسماته بالخراب».
«رموه داخل الغرفة.. كأنه كيس قمامة.. أو علبة مليئة بالفيروسات المعدية.. اعتدل في جلسته رتب هندامه.. نظر في أنحاء الغرفة.. رنت ضحكته، واختلطت بالجدار البارد، وضع رأسه بين كفيه، وذهب في مهمات الحراسة والإنشاد من جديد».
ثبت رفيقي سميح نظراته في السجين الجديد.. كان له وجه مائل للسمرة.. يغمره الهدوء والدهشة:
- مرحبًا بك يا أخي.
ظل السجين الجديد.. صامتًا.. كأنه سافر إلى مدينة أخرى.. صمت سميح واعتلت وجهه علامة استفهام كبرى!
مضى اليوم الأول.. نقضم الوقت بلا شهية.. نتابع السجين.. الجديد.. الذي حيرنا.. بقعة كبيرة في عينيه يستوطنها الحزن.
قلت في نفسي.. لابد أن أحاول مرة أخرى.. تشجعت.. اقتربت منه.. سميح يتابعني.. كأنه يراهنني بأنني لن أفلح.. في الحديث معه لكنني.. صممت.
اقتربت منه.. ابتسمت له.. «هل أعد لك كوبًا من الشاي بالنعناع.. نظر السجين إلى بامتنان أعددت الشاي.. قدمته له.. شكرني بإيماءة».
صوت خطوات الضابط قادم.. يمسك بمفاتيحه الثقيلة.. الصوت يقترب ويقترب.. يستغرق السجين في التحديق صوب الباب.. حركات أصابعه تضطرب.. تسقط قطرات من الشاي على جسده.. ينتفض.. يقف..
فتح الباب.. صرخ الضابط.. جواد الراغب زيارة.. عندما سمعنا اسمه.. بدأ الأمر وكأننا نضيع شوارعنا الجريئة التي توصلنا إلى الرؤية وسط زحام العناوين.
ركضت إليه والضابط يقتاده..
يجب أن تتحدث عندما تعود..
بالتأكيد
جواد الراغب.. جواد الراغب يا سميح.. قفز سميح من مكانه.. كم نحن أغبياء.. أليس هو.. قال سميح.. بصوت متهدج.. هو.. هو آه.. آه..
أرجوك يا سميح.. أغلق فمك.. التقط أنفاسك الغبية.. ألم تكن صورته تملأ شاشات التلفاز والجراند «يا أخي تغيرت ملامحه.. كأنه استنشق الوطن.. جرعة واحدة.. فغدا عملاقًا».
مر الوقت بطيئًا، ونحن ننتظر عودة جواد.. تحاصرنا.. الرؤى والحكايا.. التي سيحكيها لنا.. أتذكر.. أتذكر.. يا سميح.. أتذكر المذيع وهو يطل بهيئته الحجرية.. يخرج منه صوت مترع بالفصام وهو يردد قام الإرهابي جواد الراغب بقتل فتيات.. تقلهن حافلة من الضفة الأخرى.
يومها ضرب كفًا بكف وصرخت الله أكبر.. الله أكبر.. أما من يقتاتون لحمنا منهم فهم مجرد مجانين.. أه.. أخجل أن تغتال الصباحات الجميلة في وطننا.
صمت الزمن.. جلست من جديد أمام الباب.. سميح يغمر رأسه بيديه.. يجول في الغرفة.. صوت خطوات تقترب.. تقترب.. أزيز باب يعلو.. يفتح الباب.. قفزت من مكاني.. ركض سميح.. اندفع الدم في جسدي وأنا أمسك بيده.. نظرت في عينيه.. قامته طويلة.. طويلة.. قلت في نفسي أسوأ شيء في العالم ألا ترى الأشياء الجميلة مع أنها ساطعة.. ابتسم جواد.. أمسكت كلتا كفيه بيدي.. شعرت بتيار كهربائي.. يسري في جسدي.. بدأ جواد.. عاشقًا للصمت.
توضًأ صلى.. عيونه تصعد إلى السماء.. عاشقًا راجيًا يراسل أبناء من على سجادة الصلاة يدعو أن يزهر.. ضمير المدينة الغائب في الشوارع.. في الأزقة في الأمسيات.
انتهى جواد من صلاته أسند ظهره إلى الجدار البارد.. جرد يمر من جانبه يرمقه بنظرات مرحة.. ثم يهرب يبتسم جواد.. يكمل تسبيحه.. ارتياح يعم وجهه يضيء جبينه تشجعت اقتربت منه:
آه يا أخي.. كم تمنيت لقاك.. سمعت القصة من التلفاز والجرائد انتابني في تلك اللحظات شعوران شعور بأن العالم غريب وضيق وشعور بالرضا والاضطجاع على سهل الكون بقوة.
أحب أن أسمع منك.. مع أني أصدقك، ولكن ليطمئن قلبي.
أحس أن الكلمات تقضه الحدث.. تتلصص عليه.. لكنها.. لا تعكسه في مراتها.... كنت في عناق مع سماء الوطن شرقه وغربه.. أقف على نقطة الحدود بيني وبين وطني الآخر.
رويدًا رويدًا.. اقتربت حافلة من الضفة الأخرى.
الشمس ترسل أشعتها الحمراء.. إيذانًا بالوداع.. أدركت حينها.. أن صلاة العصر قد تفوتني.. توضأت.. استقبلت القبلة، وبدأت أصلي، وإذا بأعشاب طحلبية تنمو حولي بشكل مفاجئ يصرخن يسحبون السجادة من تحت قدمي يهتز جسدي تحت وطأة الشد والصراخ.. يقفون أمامي يضعون أصابعهم في أذانهم يخرجون ألسنتهم من أفواههم.
غلبني الذهول.. صحوت.. أدركت أني لم استعد بشكل كاف لما يواجهني من أحداث.
الكتابة على الملابس
ظاهرة الكتابات غير العربية على الملابس وخاصة ملابس الأطفال ظاهرة شكا ويشتكي منها قطاع عريض من الناس، حيث إن معظم هذه الكتابات لها ارتباطاتها الدينية والعقدية بالمنتجين والمصنعين لها، وحسب استقرائي البسيط لها، فقد انقسم الناس حيالها إلى أقسام عدة:
الأول: غير مبال بتلك الكتابات ونسأل الله أن يتيقظ من غفلته.
الثاني: من يتحرز عند شراء مثل هذا النوع من الملابس، فيشتري ما لا فيه مصادمة لديننا ومبادئنا الناصعة ويتساهل في الكتابات المحايدة مثل الكتابات والصور التي تعبر عن شعارات الأندية غربية رياضية أو اجتماعية.
الثالث: من يقلقه هذا الأمر، وإنه وإن خلص نفسه، ووجد البدائل ولو كانت صعبة لتلك الملابس فإنه يهمه أمر مجتمعه المسلم الذي يحب له ما يحب لنفسه وأولاده، وحسب احتكاكي المباشر بالمجتمع لقد لحظت حلولًا فردية لهذه المشكلة منها: أن بعض الناس عندما يعجبه لباس أو يهدى إليه لباس لطفله وعليه شيء من هذا، فإنه يذهب به إلى الخياط لنقض تلك الكتابة، ويستبدل بها أخرى مناسبة لواقعنا الإسلامي، ومنها أنه يوجد عند بعض المحلات التجارية قطع من القماش منقوش عليها صور من الفاكهة مثلًا، ثم استخدام كلمة المكواة يتم لصقها على الكتابة، أو الصورة الموجودة، حيث إن هذه القطعة قد أعدت أساسًا لذلك، ومنهم وإن كانت هذه الحالة ليست متداولة بشكل كبير، إلا أنه لا ينبغي أن يفوتني عرضها وهي أن بعض الآباء أو الأمهات يشتري قمصان لأطفاله، ليست عليها أي كتابة، فيذهب إلى الخياط الوضع الصورة أو الكتابة الهادفة التي يريد، وعندما كنت برفقة زوجي إلى الولايات المتحدة، فقد اطلعت على سلسلة من الآلات البسيطة المربوطة بجهاز حاسب الي يأتي الزبون بقميص «سادة» وبالكتابة أو الصورة المراد طبعها على القميص فيقوم صاحب الآلات هذه بنقل المراد إلى ذاكرة الحاسب الآلي بطريقة «المسح الضوئي»، ومنه إلى صدر القميص.
وبهذه يكون ولي الأمر قد شكل لأولاده الملابس بالكتابات أو الشعارات المطلوبة.
وقد ألمحت سابقًا بأن هذه حلول فردية للقضية التي نحن بصددها، إلا أنني اعتقد جازمة بأهمية إيجاد حل جذري وجماعي للمشكلة، ومن ذلك مناشدة رجال الأعمال الذين يملكون مصانع النسيج أو أي مصانع لمستلزمات الأطفال بأن يأخذوا على عاتقهم هذه المسألة، بحيث لا يكتب ولا توضع صور على الملابس إلا ولها ارتباط بحضارتنا.
إن أبطال هذه القضية هم رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال الذين يحبون مجتمعاتهم ومنهم نبع الطيب والخير لبلادهم والله معهم ولن يترهم أعمالهم.
كما أن هذه وسيلة ومن وسائل نشر الخير والثقافة وتعميمها بين الناس وربط الطفل والأسرة بكاملها بحضارتنا الإسلامية وكفهم عن الغزو الفكري الذي طالما اشتكى منه الجميع.
ومن العناوين التي يمكن أن نكتب عنها جملًا معينة أو شعارات تدل على:
حب الإسلام- حب الوطن- عيد الفطر- عيد الأضحى- حب العمل والتعاون- حب المسجد الأقصى الأسير- مفاهيم في الاقتصاد الإسلامي- يتامى الحروب- بر الوالدين- الوقت وأهميته- الالتزام بآداب وأنظمة القيادة - الآداب المتنوعة في ديننا الحنيف.. مدن تاريخية كالأندلس.. إلخ..
إن ناقل هذه الرؤية للرجال أو للنساء المعنيين يدل على وعيه ومحبته لمجتمعه المسلم الذي تتناوشه السهام من كل مكان، وقد تدرج ما سبق على جميع منتجاتنا الوطنية التي نرجو لها سموًا ورفعة في وجه التنافس العالمي..
رقية محمد الكريداء
إيمان ماتت!
شعر: صالح علي محمد العمري
| إيمان ماتت، وأودى غصنها النضر | وقبلها مات فينا العز والظفر | |
| واغتالها الحقد في ريعان بسمتها | وشلوها في لفاف المهد منتثر | |
| دم البراءة مسفوح ومرقدها | أزكى من المسك والوجدان منفجر | |
| لم يبق في الجسد الغض الشفيف هنا | إلا عيون الندى والمبسم العطر | |
| قذائف زلزلت أركان منزلها | وكان يكفي لقتل الطفلة الحجر | |
| لكن هو الحقد أصناف مجندة | وناره من عيون القرد تستعر | |
| غيلت، ولم تحب للقيا وما وقفت | وما رأى ركضها روض ولا زهر | |
| غيلت، ولم تله في الدنيا، وما انتفضت | وما أعد لها نبل ولا حجر | |
| ولم تذق قبلها حلوى، وما ركبت | أرجوحة أو همي من فوقها المطر | |
| طغى عليها سعير الحقد فانسحقت | وما تبدى لها صيف ولا ثمر | |
| ماتت ولم تدر أن القدس محتبس | وأن عزتنا القعساء تنتحر | |
| ماتت ولم تدر أن العرض منتهك | وأن مليارنا أودى به الخور | |
| إيمان: للصدر آهات مصعدة | تكاد منها نياط القلب تنبتر | |
| لا لوم للعين يا إيمان إن سكبت | وإن تقاطر من أجفانها البصر | |
| يا شعر أشجاك صوت القدس منتحبًا | أم صوت إيمان أم أترابها الآخر | |
| ما زلت تجتر أحزانًا مخضبة | وما لها اليوم في ساح الفدا أثر!! | |
| ماذا دهى أمة الإقدام فانخذلت | أين الإخاء؟! ألا للحق منتصر؟ | |
| إيمان إيمان نادت كل ذي شمم | لو كان فيها لأهل البر معتبر | |
| عذرًا بنية إن القوم في شغل | عن العلا، ولهم عند الهوى خدر | |
| «سيشجبون» ولكن بعد مؤتمر | نادى به -بعد طول العهد- مؤتمر | |
| و«يعلنون» بنود «السلم» في سفه | والله ينذر والآيات والسور | |
| ويركعون الهيئات، منصره | ومن مخالبها يستوثق الخبر | |
| ويعزف الخطب فينا ألف راقصة | وقد يجاهد في ساحاتنا الوتر | |
| لا تعذليها فما دانت لخالقها | ولم يسس أمرها عمرو ولا عمر | |
| إيمان: للثأر أيام موثقة | قريبة العهد والعقبى لمن صبروا | |
| يظل نعشك في سمع الزمان صدى | عليه من نفحة الإسراء مدثر | |
| فامضي إلى حضن إبراهيم شافعة | لوالديك إذا ما الخلق قد حشروا | |
| الحق أبلج، والطغيان مرتكس | فلتنظري إنني ما زلت أنتظر | |
كتاب «في الشعر الجاهلي» ليس فيه شيء من العلم
ترك محمود محمد شاكر الدراسة في كلية الآداب أنفة من أن يأخذ العلم عن طه حسين الذي لا يحترم أصول العلم ولا مبادئه
بقلم: د. عبد السلام الهراس
شاهدت عبر القناة الجزائرية قبل مدة لقاءً ثقافيًا بين صحافي جزائري يعنى بالجانب الثقافي وهو برنامج متنوع وناجح وبين الدكتور ناصر الدين الأسد الأستاذ الجامعي المعروف بأبحاثه الجادة وتحقيقاته العلمية الرصينة، وقد كان من كبار المسؤولين عن الثقافة والتراث بالجامعة العربية، ومديرًا للجامعة الأردنية بعمان، وهو الآن أمين عام لمجمع علمي ثقافي بالأردن وعضو بمجامع أدبية ولغوية وثقافية عدة بالعالم العربي عرفته بالقاهرة في منزل شيخنا الجليل شيخ العربية والبحث العلمي الجاد في عصره محمود محمد شاكر وكنت من أوائل الذين اقتنوا كتابه «مصادر الشعر الجاهلي»، وهو رسالة دكتوراه نالها بتقدير ممتاز سنة ١٩٥٥م، وقامت دار المعارض بمصر بطبعها سنة ١٩٥٦م.
والكتاب هو آخر حلقة في سلسلة الردود على كتاب «في الشعر الجاهلي» للدكتور طه حسين، لكنه ينفرد بمنهج جديد ومتقن ويتميز بأسلوب ناعم ويعتمد في ردوده على الطريقة غير المباشرة والمهذبة، لأن تفنيد مزاعم وضع الشعر الجاهلي ونحله من الرواة والبارعين من الوضاع مركب صعب وأمر ذو خطورة، لأن تلك المزاعم لم تعد مرتبطة بالمستشرق مارجليوث ومناصريه من الخلف والسلف من بني هواه ومن جنس معسكره، بل أصبحت الفكرة مرتبطة في العالم العربي بالدكتور طه حسين وبها صار يعرف هذا الرجل، فما ذكر الرجل إلا وذكرت قصة الشعر الجاهلي وما ذكرت القصة إلا ذكر الرجل معها، والدكتور طه حسين لم يعد فقط عميد الأدب العربي، بل أصبح له من النفوذ ذو السلطة في المجال الجامعي والثقافي ولا سيما بالجامعة العربية وكليات الآداب وببعض المؤسسات الأدبية ما يحسب له ألف حساب.
الفكرة ليست من إبداع طه حسين
ومن المعلوم أن طه حسين مسبوق بالفكرة، فقد حاكها وخاطها المستشرقون قبله وتزعمها مارجليوث، لكن الدكتور لبسها وادعاها لنفسه فبادر محمود محمد شاكر أحد طلابه الأفذاذ الأحرار، إلى فضح انتحاله لها وادعائه ابتكارها وقد حارب على واجهة المتنبي وعلى واجهة المعري كذلك.
ولم يعدم زعم ما رجليون ردودًا، فقد تصدى له بعض المستشرقين وعلى رأسهم ليال الذي فند الزعم وسفهه بالحجة والبرهان.
لكن قصة الانتحال أو النحل التي ادعاها الدكتور طه حسين وأخرجها بأسلوبه الموهم بالجدة والابتكار والموضوعية والمنهجية الديكارتيه أثارت انتفاضة، وردودًا متفاوتة كان بعضها حادًا وصاخبًا وليت قصة هذا الكتاب الزعم بقيت في مجال النقد والردود العلمية إلا أنها تجاوزت هذا المجال إلى البرلمان والمحاكم والأزهر الشريف والشارع مما أشعل فتنة وزادها أوارًا، فكان ذلك في صالح الدكتور طه الذي كان أستاذًا عاديًا، وإذا به يصبح ذا شهرة كبيرة، كما راج كتابه التافه مثلما وقع في قضية الكاتب الفاشل التافه سلمان رشدي والباحث السطحي نصر حامد أبوزيد، فقد اشتهر الدكتور طه حسين وكتابه منذئذ، ولاشك أنه كان مسرورًا بتلك المحاكمة القضائية والفتنة العارمة وظاهرة هذا النوع من الفتن التي غالبًا ما تكون لصالح الضحية، تتكرر دائمًا في مصر.
أول من تصدى
كان شيخنا محمود شاكر -يرحمه الله- أول من تصدى لهذا الكتاب والتشهير به، إذ كان على دراية واطلاع بأصحاب الفكرة من المستشرقين لأنه كان يقرأ بالإنجليزية، ولم يستسغ أبدأ دعاء طه حسين أن الفكرة فكرته وأنه توصل إليها بالمنهج الديكارتي. وقد حاول بعض المستشرقين الإيطاليين ثني محمود محمد شاكر الطالب بالسنة الثانية بكلية الآداب عن موقفه، ولكنه أبى إلا الاستمرار في المعركة مع أستاذه وأخيرًا غادر الجامعة أنفة من أن يأخذ العلم عمن لا يحترم أصوله ومبادئه، فلقد رأى وسمع قلب الحقائق ورواج الادعاءات الكاذبة والأفكار المتهافتة المتساقطة يروج لها في مدرجات الجامعة باسم البحث العلمي والمنهج الموضوعي، وكان مستمرًا في معركته مع أستاذه على واجهة المتنبي لولا وفاة أستاذه وصديقه مصطفى صادق الرافعي، ولكنه لم ينس أبدًا أن كتاب في الشعر الجاهلي، يجب أن تستأصل فكرته وآراؤه الخاطئة الخطورة مقاصده وخبث مراميه.
وفي منتصف الخمسينيات ظهر كتاب «مصادر الشعر الجاهلي»، للدكتور ناصر الدين الأسد وهو كتاب علم وفكر ومنهج أعتبره من أعظم ما ألف في الموضوع إن لم يكن قد انفرد بالامتياز والسبق مع ما للسابقين من ردود علمية رصينة من فضل. وعندما أكرمني الله بتعرف شيخنا محمود شاكر -يرحمه الله وقد كنت ألقى عنده من حين لآخر الدكتور ناصر الدين الأسد- ربطت بين مشروع هذا الكتاب النفيس وبين ما يحمله الشيخ محمود من هموم واهتمام بموضوع «الشعر الجاهلي»، فلم أستبعد أن يكون أستاذنا الشيخ محمود وراء مشروع هذه الرسالة اقتراحًا وتوجيهًا وإمدادًا بالأصول وبمواد مهمة، فمكتبته العامرة والنادرة معدن غني بما يخدم هذا المشروع وغيره.
قدر لهذا الكتاب أن يتسلل إلى سوق الوراقة دون إشهار ودعايات ومع ذلك فقد أقبل على شرائه وقراءته الأساتذة والطلاب والمثقفون وأذكر أن جميع زملائي بكلية دار العلوم قرأ هذا الكتاب شراء أو استعارة أو في مكتبة الكلية.
كان الدكتور الأسد آنذاك موظفًا بسيطًا بالقسم الثقافي بالجامعة العربية وكان رئيس اللجنة الثقافية بها هو الدكتور طه حسين، ومرت سنة على طبع الكتاب دون أن يطلع عليه الدكتور طه، إذ كان غائبًا عن مصر في رحلة طويلة بالخارج، فلما عاد أطلعه كاتبه الخاص شحاتة على الكتاب وقد قرأ عليه ما يهمه منه أو ربما لخص له فكرة الكتاب، فاستشاط عميد الأدب العربي غضبًا وأرسل كاتبه الخاص إلى الدكتور ناصر الدين ليبلغه أن الدكتور طه حسين يريد رؤيته وانتظر الدكتور الأسد موعد هذه الرؤية، وإذا بالدكتور طه يدخل عليه مكتبه وكاتبه يقوده، ودون تحية أو سلام انفجر الأستاذ العميد غاضبًا على الدكتور الأسد وهو من أقرب طلابه إليه، زيادة على العمل تحت إمرته ورئاسته بالجامعة العربية، وكانت غضبة قاسية صاحبتها غلظة وأسمعه من الكلام الجاف والعبارات الشديدة ما أذهله وعقد لسانه فلم ير بدا من اللوذ بالصمت وهو الذي كان بالأمس يجلس في المدرج طالبًا معجبًا بأستاذه، وكان حريصًا على أن يربط معه علاقة ما، وكثير من أمثاله الطلبة والمتخرجين كان يتقرب إلى هذا الأستاذ القطب وقد أصبح عميد الأدب العربي بل وعميد التوظيف والترقيات والتلميع، وقد سمعوا، بل وشاهد بعضهم عاقبة التمرد على الأستاذ العميد ومن أبرز من ناله الأذى من أولئك الدكتور محمود نجيب اليهبيتي الذي لم يعد له مكان بالجامعات المصرية فاضطر إلى الهجرة للعراق ثم استقر بالمغرب حيث توفي -يرحمه الله رحمة واسعة- وقد كان ملسوعًا، من أستاذه طه كثير الانتقاد له ولأفكاره ولا تخلو جلسة أو محاضرة من التحدث عن معركته معه.
لم يحك الدكتور الأسد الحكاية بتمامها وبتفصيلاتها ولعله كتمها آنذاك حتى لا تشيع ولم يشر بهذه المناسبة إلى ما قد يكون أو كان تعرض له أستاذه المشرف الدكتور شوقي ضيف صنيعة الأستاذ العميد ومريدة الأثير المدلل بجرأته على إشرافه على هذه الرسالة المناوئة صراحة لما جاء في كتاب في الشعر الجاهلي، من أراء حول نفي أصالة هذا الشعر وإني أستبعد، بل لا أشك أنه لم ينج من توبيخ أستاذه بشكل أو بآخر، ومهما يكن من شيء فإن الدكتور شوقي ضيف غامر فأشرف على هذه الرسالة وشجع الطالب الناشئ على المضي في إنجازها وأسبغ عليها ثناء وتقديرًا مثلما فعل كل من الدكتور إبراهيم سلامة والأستاذ مصطفى السقا والدكتور عبد اللطيف حمزة والأستاذ السباعي بيومي: أعضاء لجنة المناقشة.
إن الإشراف على عمل يقتضي الاقتناع والإقرار بمشروعيته ثم إن الاستمرار في الإشراف والإذن بطبع الرسالة وإجازتها للمناقشة يعني الرضا بالمستوى العلمي الذي نالته الرسالة منه وربما يكون المشرف معجبًا بهذا المستوى أقصى الإعجاب وما إخال إلا أن تكون هذه الرسالة من هذا النوع.
لكن الجدير بالذكر والتسجيل أن الصحافي الأديب الجزائري وجه سؤالًا كان محرجًا للدكتور ناصر الدين الأسد وهو ما رأيكم بصراحة في كتاب «في الشعر الجاهلي»، فأجابه الدكتور بهدوء واطمئنان وصراحة:
إن هذا الكتاب ليس فيه شيء من العلم لأن أحكامه ونتائجه مبنية على مقدمات غير علمية، ولكن الكتاب بالرغم من ذلك كان له فضل في تحريك وتنشيط الأوساط الأدبية بمصر بما كان هناك من ردود وانتقادات وهجوم ودفاع، ثم أثنى الدكتور على الأستاذ العميد ثناء عاطرًا وقال إنه ظل على علاقة حميمة به إلى وفاته.
وهذا الحكم من الدكتور الأسد على كتاب في الشعر الجاهلي بهذه الصراحة والموضوعية بعد خمس وأربعين سنة من صدور كتابه «مصادر الشعر الجاهلي»، وبعد سبع وعشرين سنة من وفاة طه حسين الذي ثار على الدكتور الأسد لإدراكه لأول وهلة أن كتاب تلميذه الفلسطيني كان من أوله إلى آخره تسفيهًا لكتابه وهدمًا لآرائه ونقضًا لأحكامه بعبارات حريرية ناعمة وبمنهج «وإياك أعني واسمعي يا جارة»، إن هذا الحكم يعتبر شجاعة عند البعض وجرأة عند البعض الآخر، والحقيقة أن ذلك يعتبر شهادة باحث كبير أداها بالصيغة المطلوبة منه وقد أقامها صراحة لشعوره بالمسؤولية والواجب المنوط به أمثاله ومن هو في مستواه.
وكان من المنتظر أن يكون هذا الحكم قد صدر من صاحبه في وقت كان فيه طه حسين الأمر الناهي في الجامعات المصرية وفي مجالات الثقافة والتربية والتعليم، ولكننا نلتمس العذر له إذ نحسب الرجل قد أدى ما عليه في الشهادة العلمية الصريحة الواضحة من خلال كتابه مصادر الشعر الجاهلي، ولم تكن الظروف مواتية لتجاوز الإشارة إلى صراحة العبارة وإلا لحل به ما قد حل بغيره والعاقل من اتعظ بما جرى للآخرين.
وكنا نود لو التفت في هذا الحوار التلفازي إلى ما لشيخنا محمود شاكر -يرحمه الله- من فضل على هذا البحث أو ما له من أثر في توريط الدكتور ناصر الأسد في هذا المأزق، وصاحب القضية الدكتور طه حسين في أوج سلطته الأدبية والإدارية، ولكنه قد يكون اكتفى بما قد قاله في آخر مقدمته لكتابه في الطبعة الأولى سنة١٩٥٦م وقد جاء فيها
«أما أخي الصديق الأستاذ محمود محمد شاكر فإن فضله لا يقتصر على هذا البحث وحده فلطالما اعترفت من علمه وأفدت من مكتبته وانتفعت بنصحه وتوجيهه وما أكثر ما كان ينفق من وقت يناقش معي بعض وجوه الرأي ويبصرني بما لم أكن لأصل إليه لولا غزير علمه وسديد نصحه، ولقد كان له أكبر الفضل -بإخائه وعونه الكريم- في حثي على مواصلة العمل وفي إخراج هذا البحث في كتاب يتداوله القراء» «ص ۱۰ من المقدمة».
وقد نرى في كتاب الدكتور ناصر الأسد جبهة أخرى يناضل فيها معه الشيخ محمود محمد شاكر الذي كان يرد على الدكتور طه حسين وقد أخذ بخناقه إلا أن وفاة صديقه مصطفى صادق الرافعي حالت بينه وبين الاستمرار في مجلة الثقافة المصرية بعنوان «المتنبي ليتني ما عرفته»، وقد قرأنا للشيخ محمود شاكر أن الدكتور طه حسين أقر له أخيرًا أن نفيه للشعر الجاهلي وأنه منحول قد تراجع عنه، لكنه لم يصرح بذلك أمام الملأ وهكذا يكون بطل المقاومة لفكرة طه حسين قد توفي وهو مطمئن أن ملف الشك في الشعر الجاهلي قد طوي وأن النصر تم للبحث العلمي الرصين.
لغويات سياسية
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء. حتى السياسة».
أفل نجم زعيم ما، وليكن الرئيس الزائيري «موبوتو سيسي سيكو»، الذي أذاق شعبه الويلات وسرق ثروات بلاده، وعاث فيها فسادًا وظلمًا وبغيًا، طوال مدة تزيد على ثلاثين عامًا. فماذا حصل؟
تفل عليه شعبه، حتى من كان يصفق له رغبًا أو رهبًا.
جفل أقرانه ونظراؤه في التسلط والاستبداد، خوفًا من مصير مثل مصيره.
وما حفل بمأساته أحد ممن كانوا يحفلون به حين كان على كرسي الحكم، فلقد سفل حيًا حين كان يظن نفسه عاليًا، وهو في قمة السلطة.
وسفل ميتًا في قبره، فعد في حياة شعبه وتاريخه من السافلين، وهبط بعد موته إلى أسفل السافلين.
أما أهله وعشيرته، وأعوانه الظلمة، فقد قَفَلَ كل منهم عائدًا إلى مصيره الأسود، لتقفل عليه بوابة سجن، أو بوابة قبر، أو بوابة منفى. إلى ما شاء الله.
ولقد كفل خلفه للناس في بلاده، أن يمحو من ذاكرة الشعب والوطن والتاريخ كل أثر من آثاره، أما أمواله التي سرقها وهربها إلى خارج البلاد، فما كفلت له العيش الرغيد الذي كان يحلم به ويخطط له، ولا أدامت له ثواب النعيم الذي رفل به حينًا من الدهر، فقد تركه ورحل إلى مصير لا يعلمه إلا الله، بعد أن عرف مصيره في الدنيا أهل الدنيا.
ألا هل من معتبر؟!
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: 83)
عبد الله عيسى السلامة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل