العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2013
مشاهدات 58
نشر في العدد 2036
نشر في الصفحة 58
السبت 19-يناير-2013
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية
إن واقعنا التربوي ينطق بقصور شديد في أداء المؤسسات التربوية والقائمين عليها، كما يؤكد انفصالًا بين أساليبنا التربوية وأساليب سلفنا الصالح؛ المسلمين والعرب، وكما كانت هذه الأمة لن يفلح آخرها إلا بما فلح بها أولها ، فسوف أحاول في هذا المقال وما يليه –إن كان في العمر بقية –أن التقط بعض الصور والنماذج والمواقف التربوية لسلفنا الصالح، عسى أن نستفيد منها ونفيد أفلاذ أكبادنا.
روى المفضل الضبي قال: نزل علينا بنو ثعلية في بعض السنين، وكنت مشغوفاً بسماع أخبار العرب وجمعها، فأخذت أجول بين خيامهم، وأتحسس من أحوالهم، وإذا أنا بامرأة واقفة في خفاء حبائها، آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله، وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب يسترق السمع، ويترشفه القلب، فكان أكثر ما أسمعه منها (بني، وأي بني)، وهو يتبسم في وجهها وقد غلب عليه الحياء والخجل، كأنه من ربات الحجال –أي النساء المستورات في بيوتهن –فلا ينطق جوابًا، ولا يبدي خطابًا، فاستحسنت ما رأيت، واستحليت ما سمعت فدنوت فسلمت، فرد علي السلام، ووقفت أنظر إلى المرأة والغلام، فقالت لي: يا حضري، ما حاجتك؟ قلت: الاستكثار مما أسمع، والاستمتاع بما أرى.
فبتسمت وقالت: يا هذا إن شئت سقت إليك ما هو أحسن مما رأيت، فقلت: هاتي، حفظك الله: قالت: ولد هذا الغلام، فكان ثالث أبويه، قربي بيننا كأنه شبل، وكنت أقيه برد الشتاء وحر الهجير، حتى إذا ما تمت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب، فحفظه القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه، وطلب مآثر آبائه وأجداده، فلما أن اشتد عظمه، وكمل خلقه، حملته على عناق الخيل، فتفرس وتمرس، ولبس السلاح ومشى الخيلاء بين بيوتات الحي، وأصغى إلى أصوات ذوي الحاجات، فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام، وأنا عليه وجلة أحرسه من العيون أن تصيبه، ومن الألسن أن تعيبه، إلى أن نزلنا في بعض الأيام منهلًا من المناهل بين أحياء العرب، فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم، وشاء الله تعالى أن أصابت الغلام وعلة شغلته عن الخروج.
حتى إذا أمعن القوم ولم يبق في الحي غيره ونحن آمنون وادعون، فوربك ما هو إلا أن أدبر الليل وأقبل الصبح، حتى طلعت علينا طلائع العدو، وغرر الجياد –أي كرام الخيل –ثوارًا لا زوارًا، فما كان إلا هنيهة –أي زمن قصير –حتى أحرزوا الأموال وهو يسألني: ما الخبر؟ وأنا أستره عنه إشفاقًا عليه وضنًا به، حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات –أي النساء المحجبات –رمى دثاره –أي ما يتغطى به النائم، وثار كما يثور الضرغام –أي الأسد –إذا أغضب، فأمر بإسراج فرسه، ولبس درع حربه، وأخذ رمحه بيده، وركب حتى لحق حماة القوم، وأنا أنظر إليه، فطعن أدناهم منه فرمى به، ولحق أبعدهم فقتله، فانصرفت إليه وجوه الفرسان، فرأوه غلامًا صغيرًا لا مدد وراءه، فحملوا عليه فأسرع يوم البيوت، حتى إذا خلفهم وراءه وامتدوا في أثره، عطف عليهم ففرق شملهم، وشتت جمعهم، وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق، ومرق كما يمرق السهم من الرمية، وناداهم: خلوا عن المال، فوالله لا رجعت إلا به، أو لأهلكن دونه.
فتداعت إليه الأقران، وتمايلت نحوه الفرسان، وتميزت له الفتيان، وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنة –أي نصل الرمح –ومالوا عليه بالأعنة –جمع عنان وهو لجام –الفرس –فوثب عليهم وهو يزأر كالأسد، وجعل لا يحمل على ناحية إلا حطمها، ولا كتيبة إلا هزمها، حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه، ففاز بالأموال، وأقبل بها، فكبر القوم عند رؤيته، وفرحوا فرحًا عظيمًا بسلامته.
فوالله ما رأينا قط يومًا كان أسمح صباحًا وأحسن رواحًا من ذلك اليوم، ولقد سمعته ينشد من وجوه فتيات الحي هذه الأبيات:
تأملن فعلي هل رأيتن مثله *** إذا حشرجت نفس الكمي عن الكرب؟
ألم أعط كلاحقه ونصيبه *** من السمهري اللدان والصارم العضب
أنا ابن أبي هند بن قيس من خالد سليل المعالي والمكارم والسيب والكمي هو الشجاع، والسمهري: الرمح الصلب، واللدن: اللين، والمقصود: الطيع في يده، والعضب: أي السيف القاطع، والسيب جمع السائب من سيب الشيء: أي تركه وأهمله.
إن هذا الموقف التربوي يؤكد اهتمام سلفنا بالتربية الشاملة، فواضح اهتمامهم بالتربية القرآنية والعلوم الشرعية، والشعر والأدب والفروسية، وأنها تربية عملية تقوم على الدربة والمحاسبة.
عقبة ومربي ولده:
روى الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب قال له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت
وعلمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكلن على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك. (عبد الله ناصح علوان: تربية الأولاد في الإسلام).
وفي هذه الصورة التربوية إشارة واضحة إلى القدوة وتأثيرها التربوي في الأولاد، يقول ابن خلدون: «إن خير وسيلة للتربية الأخلاقية هي القدوة الحسنة، فإن الأطفال يأخذون بالتقليد والمحاكاة أكثر مما يأخذون بالنصح والإرشاد».
هارون الرشيد ومربي ولده:
روى ابن خلدون في مقدمته، أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب قال له: «يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه، فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته، فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة».
ويتضح من خلال هذا الموقف التربوي أن هارون الرشيد لما دفع بولده إلى المربي استهل ذلك ببيان قدر ولده، فكأنه يؤكد للمربي أنه وضع في يده أمانة ثمينة غالية جديرة بالاهتمام، حيث أكد له أنه مهجة نفسه، وثمرة قلبه.
كما أعطى الرشيد مربي ولده صلاحياته وأعلنها، عندما قال: يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، ثم أوصاه قائلًا: فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا من أوقاته.
وذلك جدول أعمال تربوي عظيم، أود أن أشير إلى بعض بنوده التي غابت عن تربيتنا أو قل اهتمامنا بها، مثل: معرفة الأخبار، ورواية الأشعار، وإكسابه فنون اللغة ومكارم الأخلاق.
المأمون مع ولده:
قال المأمون لأحد أولاده، وقد سمع منه لحنًا؛ أي خطأ في النطق: ما على أحدكم أن يتعلم العربية، فيقيم بها أوده، ويزين بها مشهده، ويفل بها حجم خصمه بمسكنات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه، أويسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده أو أمته، فلا يزال الدهر أسير كلمته؟ قاتل الله الذي يقول:
ألم تر مفتاح الفؤاد لسانه *** إذا هو أبدى ما يقول من الفم؟
وكائن ترى من صاحب لك معجب *** زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فهذا ملمح أساسي من ملامح التربية عندهم، ألا وهو الاهتمام باللغة العربية، فلننظر إلى أحوالنا نحن: هل ننزعج انزعاج المأمون على ولده عندما يخطئ أولادنا في اللغة العربية، وعندما لا يستطيعون التحدث، أم أننا رمينا لغتنا العربية الجميلة المصطفاة من قبل ربنا عز وجل، إذ أنزل بها قرآنه، واختارها دون سائر اللغات؟! أعتقد أن الإجابة واضحة من ألسنة أحوالنا، وإذا أردت أن تتأكد من ازدراء العرب للغتهم لغة القرآن فشاهد المسلسلات والأفلام التي تسخر منها وتهينها وتهين أهلها، واستمع أيضًا إلى أخطاء المذيعين في الإذاعات والفضائيات، ولا أشك في أن الأذن ستتألم من أخطائهم الفادحة البشعة، ولا يفوتني أيضًا أن تنظر إلى زهد الناس في المدارس العربية التي ربت أجيال العلماء والمبدعين والمبتكرين، فعزف أولياء الأمور عن مدارسنا العربية، وأقبلوا بنهم على المدارس الأجنبية، حتى رأينا من أولادنا من الصعب أن نتفاهم معهم بالعربية، وقد اعوج لسانهم بالفرنسية أو الإنجليزية.
والمرأة العربية مربية ناجحة:
روت كتب التاريخ والأدب أن المفضل ابن زيد رأى ولدًا ومعه أمه من الأعرابيات، فأعجب بمنظره فسألها عنه فقالت: «إذا أتم خمس سنوات أسلمته إلى المؤدب، فحفظ القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه، ولقن مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل، فتمرس وتفرس، ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحي، وأصغى إلى صوت الصارخ..» (عبدالله ناصح علوان: تربية الأولاد في الإسلام) وإن كان لنا من فائدة نستخلصها من هذا الموقف التربوي فلعلها تكون توصية للآباء الذين لا يتقنون فن التربية، ولم يتعلموا أصولها، أو انشغلوا بأمور الدنيا، فلا أقل من أن يدفعوا بأولادهم إلى المربين والمتخصصين الأمناء، كي يساعدوهم في مهمة التربية، لا أن يكونوا بديلًا تربويًا عنهم، فلا يمكن الاستغناء عن الدور التربوي والنفسي للوالدين.
ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي إذ يقول:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من *** هم الحياة وخلفاه ذليلًا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أمًا تخلت أو أبا مشغولًا
فالأبناء والأطفال هم الأكباد تمشي على الأرض، وهم ريح من ريح الجنة، وهم زينة الحياة الدنيا كما قال ربنا عز وجل: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦)، وهم –في المستقبل –حماة الحمى ورجاله، وموضع فخره واعتزازه، ولذلك لما سئل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: ما حق الولد على أبيه؟ فقال: «أن ينتقي أمه، ويحسن
اسمه، ويعلمه القرآن».
وها هو ذا الحسن بن علي رضي الله عنهما يوجه ولده ويرشده تربويًا، معلمًا إياه فن الاستماع، فيقول: «يا بني، إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما يتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يمسك».
وما أجمل أن أختم مقالي هذا ببيتين من أشعار صالح بن عبد القدوس، إذ يقول:
وإن من أدبته في زمن الصبا *** كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقًا ناضرًا *** بعد الذي أبصرت من يبسه
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل