العنوان إقرار شراء المديونيات: المزيد من الضياع لأموال الشعب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 71
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 20-أبريل-1993
أصبح من شبه المؤكد أن مجلس الأمة في
طريقه إلى إقرار شراء الديون المصرفية بأموال الدولة كمبدأ أساسي في حل معضلة هذه
الديون التي يمتنع مئات المدينين فيها عن سداد التزاماتهم المالية إلى البنوك.
وبعد 5 أشهر من الدراسة والبحث أصبحت
اللجنة المالية بالمجلس قاب قوسين من إصدار توصياتها باعتماد أحد الحلول الفنية
المقترحة، والتي تختلف فيما بينها في تفاصيل قديمة لكنها تتفق على جعل المال العام
كبش الفداء في تصحيح الأوضاع الاقتصادية السيئة والمترتبة على استمرار دائنية
البنوك بآلاف الملايين من الدنانير، وتورط شريحة كبيرة من أثرياء البلد وتجارها في
مديونيات متفاوتة مع امتناعهم عن السداد.
والأرقام المعلنة حتى الآن تتحدث عن
5.600 مليون دينار تدفع من المالية العامة لشراء الديون وتنظيف ميزانيات البنوك من
تراكمات هذه الديون لأكثر من عشر سنوات، كما أن هناك مبلغا يفوق خمسة آلاف مليون
دينار يمثل الفوائد التي ستتراكم على المبلغ السابق خلال فترة السنوات القادمة
المحددة في مشروع شراء المديونيات، فالتكلفة الإجمالية للمشروع ستصل في النهاية
إلى 11 بليون دينار، أي ما يزيد على 34 بليون دولار؛ وهو ما يعادل تكاليف حرب
تحرير الكويت المترتبة على الجانب الكويتي بمرة ونصف، وهذه الأرقام الخيالية تدعو
حقا للعجب؛ إذ يشهد الكويتيون هذه المبالغ الطائلة تسحب من رصيد أبنائهم وأحفادهم
وتقدم كحلول متعجلة وباهظة التكاليف لمشكلة افتعلها أشخاص لا يمثلون 1% من الشعب
الكويتي.
وقد يقول المتابعون لتفاصيل الحلول
المقترحة إن المبالغ ستعود إلى خزينة الدولة خلال سنوات قادمة، وإن المدينين
سيدفعون جزءا مما استحق عليهم من أموال، وإن عقارات وأصول المدينين ستؤول للمال
العام، ولكن كل هذا لا يضمن -على ضوء التجارب الحكومية السابقة- أن الشعب الكويتي
سيسترد ولو جزءا قليلا من الأموال التي ستعتمد للبنوك، أو أن قرارات قادمة لن
تتدخل لإخلاء طرف المدينين وتبرئة ذممهم من الأعباء القانونية في لحظة ما في
المستقبل.
والمواطن الكويتي العادي لن يفهم لغة
الاقتصاديين وسيسهل تضليله بما يقوله التجار وأرباب الاستثمار وأساطين البنوك من
أن شراء المديونيات هو السبيل لإنقاذ الاقتصاد الوطني وإنعاش الأسواق وازدهار
الأحوال في البلاد، ولن يشعر هذا المواطن- إلا بعد مضي السنوات- أن حقوقه وحقوق
أبنائه قد اقتطعت من قبل أقلية أساءت التصرف وتجاوزت القوانين واستظلت بالسلطة
لتفلت من العقوبة والمحاسبة وهرّبت أموالها إلى خارج البلاد مدعية العجز والإعسار.
وإذا كان هناك من يستحق المحاكمة على
استفحال معضلة الديون المصرفية الصعبة وهيمنتها على اقتصاد البلاد فهي السلطات
الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. فلقد أسهمت الحكومة -بمعنى السلطة لا
الوزارة- في خلق المشكلة في أوائل الثمانينيات وتغاضت عن ممارسات البعض وتجاوزاته
وخروج البنوك عن لوائحها وتورطها بالاستثمارات الخاطئة في سوق المناخ، مما خلق
أساس المشكلة التي تضخمت بعد ذلك بمزيد من ظواهر القصور والتردد، بل والتورط من
قبل أصحاب القرار السياسي.
وأسهم القضاء الكويتي في استفحال
المشكلة بسكوته عن الأغلال التي وضعت على يديه في معاقبة ومحاسبة الممتنعين عن
سداد التزاماتهم المالية، وفي تعويد المستثمر الكويتي على الاستهتار بالالتزام
المالي، وعلى التسويف في أداء الحقوق للآخرين.
وأسهم مجلس الأمة منذ عام 1982 في
صعود المشكلة وتعقيدها بمجاراته للسلطة التنفيذية في الحلول الترقيعية لمشكلة
المناخ، وفي عدم التصدي لمن غلّوا يد القضاء العادل عن أخذ مجراه وحماية الحقوق
العامة بدعوى الرأفة بالمستثمرين الكويتيين.
ومجلس الأمة الحالي يكاد يقدم مساهمة
أخرى في نفس الاتجاه؛ إذ بإعلانه عن قبول مبدأ صرف الأموال العامة لشراء الديون
فإنه يصدر حكما يساوي فيه بين المدين المتضرر من آثار الغزو العراقي للبلاد، وبين
المقامر المتلاعب الذي استولى على الأموال وزعم الإفلاس وسخر من الشعب وحكومته،
كما يكرر مجلس الأمة مظهر الاستسلام السهل لرغبات السلطة السياسية ولضغوط تكتل
الأثرياء في البلد. وقد يطالبنا أحد الأطراف بتقديم حل بديل للحلول الحالية، ونحن
من جانبنا لن نطرح البديل فنحن لسنا جهة اقتصادية متخصصة، ولكننا نقرر هنا مبادئ
عامة في أن العدالة في توزيع الدخل مهمة أساسية تقع على كاهل السلطات الثلاث وعلى
مجلس الأمة على وجه التحديد، في حين أن الحلول التي أعلنت داخل المجلس لا تضع هذا
المبدأ في الاعتبار.
كذلك فإن مجلس الأمة بموافقته
المبدئية على صرف الأموال يكرر عادة كويتية سيئة، تتمثل في إهدار المال العام
لتصحيح أخطاء البعض وتحميل الشعب الكويتي تجاوزات وانحرافات الأقلية المتنفذة، كما
يكافئ المدين على مماطلته في أداء الدين والمخالف للقوانين على استهتاره برقابة
الدولة والمجتمع ويجعل كافة المدينين سواسية؛ حيث تدفع الأموال بدعوى إنقاذ
التجارة والمستثمرين الشرفاء فيستفيد المقامرون والسارقون ومهربو الأموال وما
أكثرهم.
لقد كان لبعض المتنفذين دور في
اختلاق مشكلة المديونيات وفي تحريك القرار السياسي لخدمة هذه المشكلة وتنفيع النفس
والأقارب والمعارف وحمايتهم، ولقد آن الأوان لكي يطلب مجلس الأمة من هؤلاء أن
يؤدوا ثمن ما اقترفت أيديهم، وأن يأخذ القانون مجراه في الممتنعين عن أداء الحقوق،
وألا يطالبوا 95% من أفراد الشعب ممن لا صلة لهم بالمشكلة أن يدفعوا ثمن حلها.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل