الثلاثاء 10-أبريل-1990
- رئيس فرع الحزب الشيوعي في موسكو: كلما ارتقيت درجة أعلى في الحزب
أحاطت بك أشكال أكثر من الرفاهية.
من المضحكات المبكيات في حياة
«تشاوشيسكو» أنه في زياراته للمناطق الريفية والعمالية كان يرتدي معطفا قديما بناء
على توصيات من زوجته الرفيقة المليونيرة!
وللرفاق على مختلف زوايا تطرفهم أو
اعتدالهم حياة لها وجهان وجه يبدون فيه أمام البسطاء الكادحين، ووجه يناسب الحياة
الخاصة التي يعيشونها، والتي لا يعرف عنها الكثيرون شيئًا!
ومع تبدل الأوضاع في المعسكر الشرقي
والدول التي تدور في فلكه بدأ الرفاق الأدلاء يتحدث بعضهم عن بعض، وينشرون خفايا
رفاقهم، ومن هذا الذي اطلع عليه غير الرفاق ما نشره «بوريس يلتسن» رئيس فرع الحزب
الشيوعي في موسكو سابقًا، وسنكتفي بنقل مقتطفات تلقي ضوءًا على الحياة الرفاقية في
ظل الماركسية.
يقول يلتسن: «كلما ارتقيت درجة أعلى
في سلم الجهاز المتفرغ للحزب الشيوعي السوفياتي أحاطت بك أشكال أكثر من الرفاهية،
وكلما أصبح أكثر مشقة عليك المغامرة بفقدان هذه المزايا، ولهذا يصبح المرء أكثر
طاعة وخضوعًا».
فما هذه المزايا؟ وكيف يتم توزيعها؟
ولمن تعطى؟ يقول يلتسن: «هذه الامتيازات تخضع لسلم وظيفي منظم بدقة، فرئيس القسم
ليس من حقه الحصول على سيارة خاصة، لكن من حقه أن يطلب سيارة من صندوق اللجنة
المركزية تكون خاصة به ومرؤوسيه المباشرين.
أما نائب رئيس الدائرة فلديه سيارة
شخصية من طراز فولجا، لكن رئيس الدائرة تكون لديه سيارة شخصية من طراز أفضل،
ومزودة بهاتف».
وأما نمط الحياة لأعضاء القيادة
الحزبية فإن الإدارة التاسعة في المخابرات هي التي ترسمه وتشرف عليه، يقول
يلتسن: «حياة العضو القيادي على مدار الساعة هي موضع عناية شديدة من جانب عين
ساهرة لا تنام، وجاهزة في كل آن لتلبية كل حاجة، وإشباع كل رغبة أو نزوة».
وعن حياته التي هي نموذج لحياة كل
الرفاق المتنفذين بقول يلتسن: ومع إنني لم أصل إلا إلى مستوى عضو مكتب سياسي مرشح،
فإن طاقمي المنزلي ضم ثلاثة طباخين، وثلاث خادمات، ومديرة لشؤون المنزل، وبستانيا
يقود فريقًا من العمال التابعين له.
وأما مظاهر الترف التي تحيط بالرفاق
حيثما حلوا فيقول عنها يلتسن: «إذا أردت الذهاب إلى السينما أو المسرح أو المتحف،
أو أي مكان عام على الإطلاق فإن فرقة كاملة من الثقلاء تسبقك إلى المكان، لتقوم
بفحصه وتطويقه كليًا قبل أن يأذنوا لك بارتياده»!
وأما الرعاية الطبية فيقول عنها: إن
الأدوية كلها مستوردة، وكذلك جميع المعدات الطبية، أما مستشفى الكرملين فأجنحة
فسيحة للغاية يحيط به الترف من كل جانب: البورسلين والكريستال والسجاد والشمعدانات..
ولعل أبرز معاناة في دول الستار الحديدي هي طوابير الحصول على المواد الغذائية
التي تمتاز بثلاث مزايا: غلاء السعر، قلة الحصة، تدني الجودة! فكيف تصل المواد
الغذائية إلى الرفاق؟ يقول يلتسن: «أما تموين الكرملين فهو حصة خاصة من السلع التي
يكون من المستحيل الحصول عليها عادة.. أما ثمن هذه الحصة التموينية فتدفعه الدرجات
العليا في الجهاز الحزبي بمعدل نصف الثمن، وتتكون الحصة من أفخم وأرقى المنتجات
والأطعمة، وفي موسكو وحدها يوجد أربعون ألف مسؤول حزبي يتمتعون بمزايا الحصول على
هذه الحصص التموينية بكميات متفاوتة، ونوعيات متفاوتة طبعًا!
وعن مجتمع الكفاية والعدل والمساواة
بين المواطنين، ومحاربة الاحتكار وحكم البروليتاريا، ومنع التمييز.. يقول يلتسن:
«وهناك أقسام كاملة من «الجوم» أي مخازن الدولة الكبرى الموجودة قبالة الكرملين
عبر الميدان الأحمر، مغلقة أمام الجمهور، ومخصصة لاستقبال زبائنها من النخبة.. وهناك
طبقات ودكاكين أخرى للأقل شأنا كل حسب رتبته.
وينسحب هذا التمييز الذي يعيشه
الرفاق على كل مرافق الحياة فهناك كما يقول يلتسن «كل شيء خاص» ورش خاصة، مصابغ
خاصة، عيادات خاصة، مستشفيات خاصة، منازل خاصة، خدمات خاصة.
وكذلك أماكن قضاء الإجازات وهي أيضًا
خاصة على تلال لينين مثلًا حيث توجد ملاعب مقفلة مفتوحة، وحوض كبير للسباحة، ويضيف
يلتسن: ثم هناك الرحلات بطائرتك الخاصة التي قد تكون آي. ال - ٦٢/ او تي. يو ١٣٤/
إذا كنت أمین سر في اللجنة المركزية، أو عضوًا كاملًا أو مرشحًا في المكتب
السياسي، وتكون وحدك في الطائرة باستثناء الحرس وطاقمها طبعًا.
ولكن إلى متى يبقى الرفيق يتمتع بهذه
المزايا؟
يجيب يلتسن بقوله: وإذا ما حجب ولاءه
فجأة عن خدمة النظام، فإن شخصًا آخر سوف يوضع في مكانه فورًا، وبالامتيازات نفسها
التي حرم منها السابق.
والسؤال هنا: هل هناك من يقدم على
الخروج من فردوس الرفاق باختياره، بعد أن انتفت كل الدوافع الذاتية لديه لمخالفتهم
والخروج من ولائهم.. كلما أحاطت بك أشكال أكثر من الرفاهية أصبح أكثر مشقة عليك
المغامرة بفقدان هذه المزايا، ولهذا يصبح المرء أكثر طاعة وخضوعًا.
ثم يضرب «بوريس يلتسن» أمثلة عن نظام
الامتيازات من خلال تجاربه الشخصية عندما كان أحد المسؤولين الحزبيين المنتفعين
بالنظام الدقيق الموضوع فيقول: «إن لكل أمين سر في اللجنة المركزية- سواء كان
عضوًا أو عضوًا مرشحًا في المكتب السياسي- ضابط ملحق به يكون مسؤولًا عن حارسه
الشخصي، وهذا الرجل هو مرافقه ومعاونه الذي يتولى ترتيب أمور حياته، وإحدى المهام
الرئيسية لهذا الضابط المعاون الملحق به هو السهر على تلبية أية رغبة قد يعبر عنها
القيادي الحزبي.. ناهيك عن أنه يكون مسؤولًا عن أمنه وحمايته..
وأما الأمور الشديدة الخصوصية في
حياة العضو فيعرض لها يلتسن في هذه الأمثلة: هل تريد بزة جديدة؟ بالتأكيد! ففي
الموعد المحدد والمتفق عليه بدقة يطرق بابك الخياط الذي يأخذ مقاساتك، وفي اليوم
التالي يعود من أجل التجربة، وفي وقت قصير تتسلم بزة جديدة وأنيقة!
هل ترغب في تقديم هدية لزوجتك
بمناسبة الثامن من مارس يوم المرأة العالمي؟ لا مشكلة على الإطلاق! يأتونك بكتالوج
يتضمن سلسلة من الخيارات والبدائل للهدية تكفي لإرضاء أي ذوق لأية امرأة صعبة
الإرضاء، وكل ما عليك هو أن تختار؟! ويضيف يلتسن: ويمكن القول على وجه العموم إن
النظام الموضوع للامتيازات يلحظ عناية جيدة بالعائلات، فهناك سيارة فولجا في خدمة
الأسرة يتناوب على قيادتها عدة سائقين ليلًا ونهارًا، والسيارة تحمل لوحة
«الكرملين» وبهذه السيارة تذهب الزوجة إلى العمل وتعيدها إلى المنزل، وتأخذ الأسرة
إلى المنزل الريفي وتعيدها منه... إلخ.. لكن السيارة الأخرى من طراز زيل فهي مخصصة
لرب الأسرة فقط»!