العنوان أتستبدلون العامية بالفصحى؟!
الكاتب محمد شلال الحناحنة
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1637
نشر في الصفحة 51
السبت 05-فبراير-2005
تتقدم الأمم وتسير في ركب الحضارة الإنسانية النافعة بقدر إيمانها وعملها وتطبيقها لعقيدتها، وليست الحضارة إلا ميراثًا إنسانيًّا يتراكم على مر العصور ويقوم على تفكير منظم قابل للتطبيق بيسر وسهولة، وينمو التفكير المنظم ويزدهر من خلال لغة حية أشبه بروضة مزهرة يفوح شذاها في كل الأرجاء! وليس انتكاس اللغة وهبوطها في الأمة إلا انتكاسًا لتفكيرها وحضارتها!
ومن المؤلم حقًّا أن نجد أصواتًا تعلو اليوم في آفاق أمتنا تدعو إلى التنكر لتراثنا وتاريخنا ولغتنا بدعوى الانفتاح على الحضارة والتقدم والتطور المادي الذي يعيشه العالم, وكأن ما تعانيه الأمة من ضعف وتمزق وهزائم هو بسبب تمسكها بعقيدتها وتراثها ولغتها، مع أن الواقع يدل على عكس ذلك تمامًا ولن أفند هذا الزعم لتلك الأصوات، فقد تناوله مفكرون وعلماء بكتابات ومؤلفات جادة دحضت ذلك منذ عقود مضت، ولكنني سأتحدث عن محاولات وأد لغتنا الفصحى وإحياء العامية وإظهارها، بدعوى صعوبة الفصحى وأنها لغة طبقة خاصة تعيش في أبراج راقية بعيدة عن هموم الشعوب ونبض الشارع العربي في آماله وآلامه، وفي جده وهزله، فالعامية أقرب وأصدق تعبيرًا عن هذا الواقع كما يزعمون, لعلي أنطلق في وقفات مبتدئًا بهذا الزعم:
إقليمية اللهجة العامية، وضيق انتشارها, فلهجة إقليم تختلف عن لهجة إقليم آخر، كما تختلف القرى في الإقليم الواحد، فما بالك بالقرى في القُطر الواحد، إضافة للأقطار العربية الكثيرة مما يعيق انتشارها؟
صعوبة فهم اللهجة العامية بين قطر وآخر أو بين الأقاليم والقرى في البلد الواحد أو البلدان المتفرقة، بل قد نجد مفردات تفيد عکس الدلالة اللفظية بين أفراد الشعب الواحد، مما يستحيل معه أن تكون العامية لغة التفاهم والتخاطب والتعبير، بينما الدلالات اللفظية للفصحى واحدة مع قرائنها.
اللهجة العامية ابنة بيئتها وعصرها وأحداثها اليومية، فهي متغيرة باستمرار لا تستطيع البقاء والخلود لتشكل لغة للأمة وثقافتها وتراثها؛ لأنها تعتمد على مدلولاتها الآنية الوقتية ولا تنطلق من رؤى وقواعد ثابتة، بينما الفصحى واسعة ممتدة خالدة خلود القرآن الكريم وامتداده واتساعه.
في اللهجة العامية إسفاف وابتذال في استخدامها مما يناسبها لطبقات محددة، لكن الفصحى ترتقي وتسمو في أسلوبها وتعبيراتها مما يمنحها هيبة وترفعًا عن كل ابتذال.
تزدهر العامية وتنتعش قليلًا في أوقات ضعف الأمة، بينما لم يكن لها وجود يذكر في عصور تقدم الأمة وازدهارها.
لذلك تأتي هذه الدعوات للعامية بكل حماس محاولة بعث الحياة فيها وجعلها تمتد بأدب مكتوب والعمل على حفظه وشيوعه وانتشاره.
قلة مفرداتها فلا تتجاوز المئات مما يجعلها تضيق عن المعاني الإنسانية، والمشاعر والرؤى التي تزخر بها الحياة والنفوس، فهي ضيقة في مكانها وزمانها .
يستحيل تدوينها لافتقارها إلى قواعد التدوين والنطق، فتتبدل حروفها وتتغير فتنقلب القاف همزة والضاد ظاء أو دالًا، والثاء سينًا، كما تحذف بعض الحروف على حسب اللهجات واختلافها من قطر لآخر.
كثرة حروفها الزائدة التي تزيدها صعوبة واضطرابًا وجمودًا وعبثًا مثل: حرف الشين في آخر الأفعال المنفية (ما عملتش ما تذهبش) أو الباء التي تدخل على الفعل المضارع فيها مثل: بيعمل بنريد وغيرها من الحروف. ضعف تراكيبها وأساليبها التعبيرية، وندرة قواعدها، وعدم ثباتها، واعتمادها على طرق الإلقاء، مما يجعل قراءتها شيئًا صعبًا.
كما أنها ليست عربية خالصة بل هي خليط من العربية والإنجليزية والفارسية والتركية، مما يشتتها بعيدًا عن قواعد ثابتة.
من أبرز دعاتها المستشرقون الحاقدون على أمتنا وتراثها ولغتها الفصحى ومن سار في ركبهم من العلمانيين ودعاة التغريب.
فهل نطيع أعداءنا وننفذ رغباتهم وأطماعهم الشريرة؟!
أبرز الردود على دعوات العامية
رد على هذه الدعوات الكاتب الإسلامي أنور الجندي يرحمه الله في كتاباته الفكرية والأدبية الكثيرة ولا سيما كتابه «أخطاء المنهج الغربي الوافد».
كما رد على ذلك الأديب د. محمد محمد حسين -رحمه الله- في كتابه «الإسلام والحضارة الغربية» وكتابه «حصوننا مهددة من الداخل» وكذلك كتابه «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصرة».
ومن الردود المتميزة «تاريخ الدعوة إلى العامية في مصر» لنفوسة زكريا. ومن الردود المستفيضة رد كاظم الظواهري في كتابه «كناسة الأدب قضية عزل الفصحى وأدبها» ودراسته «قضية الفن الأول» ودراساته الكثيرة في مجلة كلية اللغة العربية في المنوفية.
وكذلك ردود الأديب الإسلامي محمود شاكر في كتابه «أباطيل وأسمار»
ومنها «دراسة مشكلات اللغة العربية» لمحمود تيمور.
ردود د محمد غنيمي هلال في مجلة الكاتب في العدد العاشر عام ١٩٦٢م على محمد مندور في العدد التاسع من المجلة.
كما رد على ذلك الأستاذ يوسف الشاروني في كتابه «دراسات أدبية»
كذلك جاء رد الأستاذ عبد الله حمد الحقيل في كتابه «رفقًا بالفصحى».
أخيرًا رد كاتب هذه السطور أكثر من مرة أهمها مقال: «نون النسوة التي يحاولون وأدها» في مجلة المجتمع الكويتية في ٢٩ ربيع الأول ١٤٢٠هـ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل