; الرحيل... لا .. أول محاولة لإنتاج فيلم روائي إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الرحيل... لا .. أول محاولة لإنتاج فيلم روائي إسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990

مشاهدات 64

نشر في العدد 954

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 13-فبراير-1990

 

 

من الأحلام التي تراود كثيرًا من المهتمين بالقضايا الإسلامية محاولة الاستفادة من الفن السينمائي لخدمة الأغراض الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية... إلخ، وعرضها من منظور إسلامي؛ حيث إن العروض السينمائية والتلفزيونية تلقى قبولًا كبيرًا عند جمهور الناس، مما يؤهلها للقيام بالدور الأهم في عملية التوجيه الإيحائي البعيد عن الكلام المباشر والوعظ الصريح.

وقد تقدمت لجنة مسلمي أفريقيا خطوة إلى الأمام، هي الأولى من نوعها... في هذا المجال، فقامت بإنتاج فيلم سينمائي بعنوان "الرحيل... لا" من واقع المعاناة للإنسان الأفريقي الذي اكتسحته المجاعة، وأثرت في حياته عوامل الجفاف والتصحر، فغدا فريسة للأمراض والأوبئة، ولقمة سائغة للفناء الذي يهدد بابتلاع أعداد كبيرة من ضحايا هذه المأساة الإنسانية الأليمة.

يحكي الفيلم قصة قرية آمنة، كانت تجمع أهلها على الخير والمحبة والترابط، إلى جانب الرزق الوفير، ونتيجة هذا الخير زادت محبة الناس لبعضهم، بل كان خير هذه القرية يفيض عنها؛ ليشمل أولئك الذين يأتون إليها من الخارج، فتمنحهم الرزق والدفء إلى جانب الأمن والأمان.

تتعرض هذه القرية للجفاف، فيقل المحصول، وتكسد التجارة، وينعكس أثر ذلك على نفوس سكان القرية، وتظهر المنازعات والاجتهادات الكثيرة، من مؤيد لترك القرية والهجرة منها، وبين معارض يستنكر هذه الهجرة، وبين مستغل لهذه الظروف الصعبة لصالح أغراضه الخاصة.

في هذه القصة 5 شخصيات رئيسية هي أولًا:

عبد الرحمن الذي يمثل الرجل الصامد رغم الضغوطات التي تحاول أن تجبره على النزوح، وعبد الرزاق وهو صديق عبد الرحمن الحميم، ويلعب دور المنهزم عند أول مصيبة تواجهه، وهي موت ابنته، والتي قرر على أثرها الهجرة؛ لكنه دفع الثمن غاليًا. أما شخصية آدم، فيقوم بدور ابن عبد الرحمن، الذي تشرب القيم العليا من والده ومدرسه، لكن ينتابه الشعور بالحسرة والمرارة لما يراه من أهل قريته وتفككهم وهجرتهم، ثم تأتي شخصية المدرس الذي يبث روح الشهامة والعزة والصبر والترفع.

والشخصية الخامسة هو صاحب البقالة اليهودي الذي كان وما يزال يستغل كل الظروف للاستحواذ على القرية بكاملها.

يبدأ الفيلم بجنود مرتزقة يهجمون على القرية الآمنة، ويدمرون كل ما فيها، ماذا تعني هذه البداية؟

يجيب السيد عبد المحسن المعوشرجي مدير الإنتاج: بأن مشهد المرتزقة يحمل في طياته أن الحروب في العالم الثالث - وخاصة في أفريقيا - ما هي إلا حروب مفتعلة، تحاك من قبل الدول الكبرى، التي تسخر عن طريق إمكانياتها هؤلاء المرتزقة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وعقائدية، وكلما استمرت حاجة هذه الدول كلما استطاعت الدول الاستعمارية فرض سياستها.

أما عن المعايير التي روعيت في هذا العمل الفني الإسلامي فهي:

1.     الارتقاء بفكر واهتمام المشاهد.

2.     طرح قضايا مصيرية.

3.     احترام ذوق المشاهد بطرح فن متميز يخدم الانتماء الديني والوطني والتربوي.

4.     عدم غش المشاهد عن طريق تسخير أجهزة الفن لأغراض مؤقتة، تخدم بعض الأفراد والأحزاب.

5.     إعطاء كل شخصية أو فكرة في الفيلم الإسلامي حجمها الطبيعي دون مبالغة.

6.     طرح الفضائل والابتعاد عن التبذل، وعدم الخروج عن القيم الدينية والاجتماعية.

7.     التزام العاملين بالفيلم بالأخلاق الإسلامية.

8.     البناء لا الهدم، وخدمة المجتمع بكل قضاياه وأفراده وفق الإطار الإسلامي.

9.     العاملون في الفيلم الإسلامي عليهم أن يتذكروا أن عملهم محاولة لكسب الأجر والثواب من الله تعالى.

كما روعي أن تكون لغة الحوار في الفيلم لغة عربية مبسطة.

 

ما هي العقبات التي تواجه مثل هذا العمل الفني الإسلامي؟

يحدد السيد المعوشرجي مدير إنتاج الفيلم أهم العقبات بما يلي:

1.     ندرة من يعمل في المجال السينمائي من الملتزمين بالإسلام.

2.     التردد والحذر الشديدان من بعض المؤسسات الإسلامية في الدخول في هذا المجال.

3.     عدم ثقة المؤسسات الإعلامية - وخاصة الحكومية منها - بقدرة الجهات الخيرية على إنتاج الأفلام الروائية الطويلة.

هذا وإن نجاح عمل فني إسلامي يمكن أن يعمل على إزالة هذه العقبات جميعها، ويدفع بهذه المحاولة إلى مزيد من التقدم والتغلب على الصعوبات.

من جانب آخر يتحدث الأستاذ محمد قطب في كتابه "منهج الفن الإسلامي" عن موضوعات الفن الإسلامي، وهل هي بالضرورة موضوعات دينية بحتة، فيقول: "ليس من الضروري أن يتحدث الفن الإسلامي عن الإسلام - حقائقه وعقائده وشخصياته وأحداثه - وإن كان الجائز بطبيعة الحال أن يتناول كل هذه الموضوعات، ولكنه يتناولها كما يتناول الوجود كله، وكل ما يجري فيه من زاوية إسلامية، ويستشعرها بحس إسلامي.

•       قد يتحدث لنا الفنان عن البرعم النابض الذي ينبثق من ضمير الحياة.

•       قد يتحدث عن صراع الناس في الأرض.

•       قد يتحدث عن ضربة من ضربات القدر.

•       قد يتحدث عن مواجع البشرية.

•       قد يتحدث عن طفلة شريدة.

قد يتحدث عن هذا كله؛ فيكون فنه إسلاميًّا إذا تلقاه في حسه بتصور الإسلام الصحيح، وعبر عنه بروح ذلك التصور.

ثم إن أكثر المواضيع حساسية بالنسبة للفيلم الإسلامي هو موضوع المرأة واشتراكها في التمثيل...

عن زوايا التصوير والأداء الصوتي للمرأة، يتحدث السيد ماجد عبد الله مخرج الفيلم فيقول: كانت محاولة منا في صياغة زوايا التصوير وأحجام اللقطات بالنسبة للمرأة؛ بحيث تبدو في صورة غير مثيرة، وكما هو معروف فإن توزيع الإضاءة على جسم المرأة وزوايا التصوير من الممكن أن تطرحها بصورة مثيرة مبالغ فيها، أو بصورة هادئة لا تشغل ذهن المشاهد بجسد المرأة دون أدائها، وعلى ذكر الأداء فإن المحاولة شملت أيضًا صوتها، فلا يمكن أن يكون صوتها منفصلًا عن موضوع المشهد أو الحوار، ومن أهم الأشياء التي يجب مراعاتها في ظهور المرأة على الشاشة هو صياغة شخصيتها بشكل محترم من حيث الكلمات المستخدمة في الحوار، حتى تتمكن من أدائها بشكل يفرض احترام المشاهد لها ولشخصيتها على الشاشة.

والفيلم - على العموم - يخاطب عقل المشاهد ويحترمه، أما بالنسبة لهذا المشاهد فإن الفيلم لن يثير اهتمام من يريد التسلية؛ لأن هدف الفيلم الاستفزاز وليس التسلية، استفزاز الأخ، وتحريضه لمساعدة أخيه، واستفزاز المسلم للعمل بأرضه، والحفاظ عليها، وهو لا يقدم لشريحة دون غيرها، إذ أنه بسيط الطرح على الرغم من تركيبته المونتاجية التي تحتاج جهدًا في المتابعة، والفيلم لن يخدش حياء أحد، فالابن يشاهده بجوار أبيه، والأخت مع أخيها، لا خدش لحياء أحد.

 

أين يقف هذا الفيلم بين الإنتاج السينمائي العربي الحالي؟

يجيبنا الأخ ماجد عبد الله مخرج الفيلم: بأنه يقف بين الأفلام التي تحمل فكرًا في الموضوع، وإن كان يعاني من نفس المشاكل الإنتاجية للسينما العربية، وإذا أردنا تصنيفه فإن لم يكن بين الأفلام الجادة، فهو بعيد كل البعد عن الأفلام المسفة التي تهتم بإتمام فصول سينمائية مليئة بكل هائل من الطروحات المستهلكة، فهو فيلم يحترم المشاهد.

إن لجنة مسلمي أفريقيا قد خاضت هذه التجربة بكل حذر، وهي متخوفة حتى هذه اللحظة منها؛ لأن الناس تريد أن تنقد أي شخص وأية جهة تخطو خطوتها الأولى في أي عمل، فما بالك بلجنة إسلامية خيرية تنتج سينما روائية؟ هذه الخطوة نحترمها جدًّا للجنة مسلمي أفريقيا؛ حتى إن لم تتكرر التجربة، ويكفيها أنها الجهة الإسلامية الأولى التي تنتج مثل هذا الفيلم.

تم تصوير الفيلم في جزيرة توتي ووادي سيدنا بجمهورية السودان، وقد قدمت وزارة الثقافة ووزارة الدفاع ومنظمة الدعوة الإسلامية الكثير من المساعدات والتسهيلات، كما قدمت وزارة الإعلام في دولة الكويت المساعدات الفنية، وخاصة في مرحلة التصنيع، والجدير بالذكر أن هذا أول فيلم روائي يُصنع بالكامل في الكويت.

وقد روعي في هذه التجربة الأصول والمحاذير الشرعية، وأنتجت وفق فتوى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية رقم 454/89.

ونحن نرجو لهذه التجربة النجاح، وأن تكون رائدة للمؤسسات الخيرية في إنتاج مثل هذه الأفلام الإسلامية الهادفة، كما ندعو للجنة مسلمي أفريقيا بالتوفيق والاستمرار والمزيد من العطاء.

 

 

الرابط المختصر :