العنوان مأزق الرئيس المصري والخيارات الصعبة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 2031
نشر في الصفحة 16
السبت 15-ديسمبر-2012
فرص نجاح الرئيس تكبر كلما كان أكثر التصاقًا بالشعب
المطبات التي تعترض سبيل "مرسي" عديدة ومتشعبة أبرزها اتفاقية كامب ديفيد والعلاقات مع دول الخليج
قد يكون مفهومًا ومقبولًا نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، فذاك ثمرة كفاح الشعب المصري وانتصار إرادته، بعد أن عانى من الظلم والاستبداد وحكم العسكر عقودًا من الزمن، وقد تقبل بعض الجهات داخل مصر وخارجها ما تمخضت عنه الثورة المصرية من نتائج، لكن ليس مفهومًا ولا مقبولًا لدى الكثيرين من هؤلاء وأولئك أن يصل إلى سدة الحكم رئيس إسلامي وليس إسلاميًّا وحسب، بل ومن جماعة الإخوان المسلمين، التي يرى الغرب والشرق فيها خطرًا على مصالحهم.
فقد أبعدت عن الوصول للحكم منذ تأسيسها عام 1928م، ثم ازداد استهدافها منتصف القرن الماضي (العشرين) باغتيال مؤسسها حسن البنا، واتخذت قرارات على أعلى المستويات السياسية داخليًّا وخارجيًّا كي تبقى بعيدة عن السلطة، فحوربت ولوحقت وزج بأبنائها في السجون، واستعملت كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من أجل الحيلولة بينها وبين الوصول للحكم لكنها لم تتوقف عن النضال والكفاح لتحقيق أهدافها إلى أن جاء الربيع العربي، وشارك الإخوان في الثورة، شأنهم شان كل الحركات الإسلامية في البلاد العربية، وقبلوا بقواعد اللعبة الديمقراطية وخاضوا غمار الانتخابات، وفازوا عبر صناديق الاقتراع، فاعتلى مرشحهم "محمد مرسي" رئاسة الدولة كأول رئيس مدني لمصر منذ نيل الاستقلال، والآن وبعد انتصار الثورة صار الجميع ينظر للإخوان وللرئيس المنتخب منهم بحذر وتربص، وما كان يشكل في اللحظات الأولى لانتصار الثورة فرحة عارمة، سينقلب إلى مسؤولية ثقيلة مضنية وسيستيقظ الإخوان المسلمون على حقل ألغام، وأرضية أفخاخ لا يحسدون عليها، إنهم أمام واقع الكل يريد إخفاقهم، الكل يريد سقوطهم الكل يبحث لهم عن سيئة.
يرى البعض أن وصول »مرسي« للسلطة في مصر معناه وصول الخطر إلى نقطة حساسة تضع مصالح كل المتناقضين تحت التهديد، لم يعد عندها لدى صناع القرار الدولي من أمريكيين وأوروبيين وغيرهم، القدرة على السكوت أو الانتظار بعد أن بذلوا جهودًا مضنية في منع الإسلاميين من الوصول للسلطة؛ فمصر بالنسبة لهم هي مركز الثقل في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها بـ "إسرائيل" خط أحمر لا يسمح بتجاوزه أو المساس به بأي سوء يصيب إسرائيل، وتحت أي ظرف كان، وإن إسقاط »حسني مبارك« عن سدة الحكم معناه الاقتراب من دائرة المواجهة بين الإخوان وبين كل التيارات السياسية العلمانية التي كانت تقف وراءه وتدعمه، أو تقف على النقيض منه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لكنها اليوم في مواجهة خطر مشترك، وهؤلاء جميعًا من فلول النظام السابق، أو من قوى وأحزاب وشخصيات متنوعة الاتجاهات غير متجانسة وغير متفاهمة، ولا يجمع بينها سوى الوقوف في وجه الإخوان، ومنعهم من الوصول إلى سدة الحكم.. ولذلك حشدت تلك القوى إمكاناتها واستجمعت كل ما لديها من خبرات ووسائل مادية ومعنوية في سبيل الوقوف في وجه الإخوان، بعد أن نجحوا واعتلى كرسي الرئاسة شخص منهم، وبعد كل تلك المجابهة الشرسة والمفصلية في الانتخابات، فستعمل هذه القوى على وضع العصي في دواليب عربته كي لا يحقق إنجازات ويفشل برنامجه الانتخابي.
تحديات عظيمة
عظيمة هي التحديات التي تواجه الرئيس »مرسي« وواسعة هي دائرة النقد له والنيل منه، وسيقف الكثيرون له »على ركبة ونصف« كما يقول المثل الشائع من أجل عرقلة خططه ووضع العصا في دواليب مسيرته، لا لأنهم لا يحبون مصر ولا يبغون الخير لها أو لا يريدون نهضتها؛ فالكل يرومهم مجدها ويسعون لرفعتها، لكن فئات عريضة من هؤلاء يسعون بالإضافة لحبهم لمصر لمصالح شخصية ضيقة ولأغراض حزبية ومطالب فئوية مرتبطة بأجندة داخلية أو خارجية، وكان من المفترض أن الرئيس »مرسي« قد اختار فريقه الوزاري ممن لهم القدرة على الاستشراف للمستقبل، والفهم للواقع والتحرك ببصيرة نافذة ومدركة لما يرسم في الخفاء أو يدبر من مكائد في الغرف السوداء.
ويرى المراقبون أن النهج الذي تدار به الساحة المصرية الداخلية، أو ما يتعلق بالسياسة الخارجية لمصر قد لا يكون على المستوى المطلوب والشواهد الدالة على هذا عديدة؛ ففي المجال الدبلوماسي أوقع المستشارون رئيسهم بالمطب البروتوكولي عبر خطاب تعيين السفير المصري لدى ما يسمى إسرائيل، واقتتص الإعلام من نص الرسالة عبارة تستعمل بشكل تقليدي بالمخاطبات الرسمية بين الدول، وهي مخاطبة «مرسي» للرئيس الإسرائيلي، في بداية الخطاب بعبارة «عزيزي وصديقي العظيم»، وختم الخطاب بـ «صديقكم الوفي محمد مرسي» ليغمزوا من شخصية الرئيس «مرسي«.
وإنه - أي مرسي - ترك مثل هذه القضايا الحساسة لتسير مسارها التقليدي الرسمي دون الإشراف على تنفيذها مباشرة، وهو ما أخذ عليه بشدة، وصوره الإعلام وكأنه فضيحة له، إن «محمد مرسي«، والحالة هذه صُوِّر وكأنه يواجه ازدواجية السلطة، وقرارات «مرسي« كما يقول المثل: يجب أن تكون محسوبة بين شقي الرحي.
مصائد ومکائد
ويرى المراقبون أن البعض يدبر لـ «مرسي» في الخفاء مصائد ومكائد تجعله في حيرة من أمره، وتشغله عما يهدف لتحقيقه، ويكفي للدلالة على ذلك ما نقل عن وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" أنها هدأت من روع إسرائيل بعد انتخاب »محمد مرسي»؛ لأن إسرائيل كانت خائفة من جماعة الإخوان، وخاطبت »كلينتون» الإسرائيليين بأن مشكلات مصر الداخلية سينشغل بها الحكام الجدد فترة طويلة من الزمن وعليهم أن يتفرغوا لها، والمتابع لحقيقة ما يجري في مصر يجد تطبيقًا لهذا على أرض الواقع؛ فالمطبات التي تعترض سبيل "مرسي" عديدة ومتشعبة، خارجية وداخلية، من أبرزها مستقبل العلاقة مع إسرائيل ومآل اتفاقية كامب ديفيد، وأيضًا العلاقة مع دول الخليج.
عبقرية اقتصادية: ومن أبرز المطبات أمام "مرسي" أيضًا الحالة الاقتصادية لمصر؛ إذ يدرك الرئيس "محمد مرسي" يقينًا أن نجاحه اقتصاديًّا هو المفتاح الرئيس لأي نجاحات أخرى، وهو يحتاج ليقود البلد بعبقرية اقتصادية تستمد نجاحها من منجهية الاقتصاد الإسلامي النابعة من وسطية وعدالة الشريعة الإسلامية، وأن يكون أسلوبه في الإدارة ممزوجًا ببراجماتية سياسية؛ فهذان هما أساس المخرج من حال التخبط الذي تشهده مصر، وستكون التجربة التركية نبراسًا لـ»مرسي«، وفريقه ومثالًا يحتذى به…ومن المطبات أيضًا طريقة الحكم، فهي مسألة جوهرية ينبغي الالتفات إليها بعين البصيرة والحكمة؛ فقد فاز الرئيس "مرسي" بنسبة 51% من الأصوات، ولهذا يشير "راشد الغنوشي"، زعيم حركة النهضة التونسية عليه وعلى الإخوان بقوله: «حصول محمد مرسي مرشح الإخوان على 51% من الأصوات ليس كافيا لحكم البلاد« وفي نفس الإطار يتوجه إليهم "طارق الكحلاوي"، رئيس معهد الدراسات الاستراتيجية في تونس: »إن جماعة الإخوان المسلمين في مصر سوف ترتكب خطأ كبيرًا إذا كانوا يصرون على أن تكون الوجه الرئيس في رئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة ويفترض ألا تغيب مثل هذه الحقائق عن بال الرئيس المصري الجديد وفريقه وجماعته جماعة الإخوان من ورائه، لهذا كان لزامًا عليه (مرسي) وعلى الإخوان أن يتقاسموا الحكم مع أكثر الشرائح السياسية، لخلق نوع من الاستقرار السياسي، ولبعث رسائل إلى الداخل والخارج، أن عهد الحكم الانفرادي قد ولى إن كانوا فعلًا يتمتعون بسعة الأفق وبعد النظر وبالواقعية السياسية في معالجة الأمور«.
إن التعامل مع تراكمات ثورة يناير ومحاكمة "مبارك" وأعوانه إشكالية أخرى جديرة بالرئيس «مرسي« التعامل معها بحذر ومسؤولية، وإن الثورة قد قامت لتغيير الأوضاع السيئة، والانتقال لوضع يتسم بالعدالة والحق وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، والمساواة في الحقوق والواجبات...
مسؤولية ثقيلة
مطبات وعقبات كأداء أيضا تضع الرئيس «مرسي« أمام وضع محرج له، إنهم المستشارون.. أو مستشاروه، ويسميهم البعض صناع الأزمات في طريق الرئيس «مرسي»، وأخطاء المستشارين تضع الرئيس في مأزق قانوني، ويرى بعض المحللين السياسيين أن على »مرسي« أن يقنع المصريين بأنه لا يمثل فقط الإخوان المسلمين، وأن يهدئ من المخاوف، ويعلن بأن هدفه الأساس السعي لربط فكرة المواطنة ربطًا أكثر إحكامًا بالإسلام، فما كان يشكل في اللحظات الأولى من فوز "مرسي" بالانتخابات فرحة عارمة فإنه سينقلب إلى مسؤولية ثقيلة مضنية وسيستيقظ الإخوان المسلمون على حقل ألغام، وأرضية أفخاخ لا يحسدون عليها إن لم يفكروا بشكل جاد وموضوعي في مستقبل العلاقة بينهم وبين الشارع المصري، وبينهم وبين السلطة والدولة.
إن فرص النجاح تكبر أمام الرئيس"مرسي" إن أدرك سر ذلك النجاح وهو الالتصاق بالشعب والاقتراب منه؛ فذاك عامل نجاحه الأول والأخير، وهو السبيل الأنجع للخروج من المأزق والشراك التي ينصبها له مناوئوه، لا شك أن الرئيس «مرسي« وجماعته سيكونون بعد الآن أمام واقع جديد متحفز ومندفع، الكل يريد إخفاقهم، الكل يريد سقوطهم الكل يبحث لهم عن «سيئة«.. فهل يفكرون هم بعقلية الخروج من هذا إلى النجاح وإلى المستقبل الأفضل لهم ولمصر؟
(*) مدير عام مركز الكلمة للدراسات الاستراتيجية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل