العنوان الشهيد الثابت.. معن بن عدي الأنصاري
الكاتب الدكتور أحمد الشرباصي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1975
مشاهدات 85
نشر في العدد 245
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 15-أبريل-1975
في شهر ربيع الأول من السنة الثانية عشرة من الهجرة كانت معركة «اليمامة» التي جاءت امتحانًا عصيبًا لأبناء الإسلام، ومع ذلك ثبتوا له، ونجحوا فيه، وفُتحت أرض اليمامة في بلاد نجد.
وقضت روح الجهاد والاستشهاد على عش الفتنة ووكر الردة، وعلى شيطانها الأثيم، مسيلمة الكذاب، ويده اليمنى «الرجال بن عنفوة»، وعاد الحق إلى نصابه، وهيمن الإسلام من جديد على المكان والزمان والإنسان.
وكان من أعلام هذه المعركة الصحابي المجاهد الشهيد الثابت: معن بن عدي بن عجلان الأنصاري، الذي كان رجلاً مثقفًا في جاهليته، حيث كان يجيد الكتابة بالعربية، والكتابة حينئذ في العرب قليلة نادرة «1»، ولعل هذا قد ساعد على انشراح صدره بالإسلام. ولذلك كان أحد السبعين الذين سبقوا إلـى الاستجابة في بيعة العقبة الأخيرة «3» وحين تمت الهجرة النبوية المجيدة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين معن بن عدي وزيد بن الخطاب «4» - شقيق عمر الفاروق رضوان الله عليهما - وزيد بن الخطاب هو الشهيد الصامت الذي كان أسن من عمر، وأسلم قبله، ونال الشهادة قبله.
ولذلك كان عمر يقول عن أخيه:
«سبقني إلى الحسنيين: أسلم قبلي، واستشهد قبلی»!.
وقد فصلت الحديث عن بطولة زيد بن الخطاب في كتابي «فدائيون في تاریخ الإسلام» «5».
ومن العجيب أن هذين المتآخيين في الله، على يد رسول الله - وهما معن وزيد – قد تآخيا كذلك في الجهاد لوجه الله، وتآخيا لنيل الشهادة معًا في معركة واحدة، هي معركة اليمامة، فمضيا أخوين إلى عالم البقاء، كما كانا أخوين في هذه الحياة.
ولقد حرص معن على مواقف الفداء والوفاء، فشهد غزوات بدر وأحد والخندق، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في غزوة تبوك رأى رسول الله خطورة ما فعله بعض المنافقين وأعداء الإسلام، من بنائهم مسجد الضرار ليفرقوا به كلمة المسلمين، وليمزقوا به وحدتهم، ويتخذوه وكرًا للمؤامرات والدسائس ضد الإسلام، كما صوّر القرآن الكريم ذلك حيث يقول في سورة التوبة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 107-110).
فاختار النبي - صلى الله عليه وسلم- ثلاثة رجال «6»، وأمرهم بالذهاب إلى هذا المسجد وهدمه وإحراقه.
وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وحرقوه.
فاستجابوا لذلك.
وكان هؤلاء الثلاثة هم مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وشقيقه عاصم بن عدي «7».
وعاصم هذا كان من خيار الصحابة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يندبه أحيانًا لبعض المهمات الدقيقة، ومن أمثلة ذلك في غزوة بدر أن يقوم بمهمة عند أهل قباء، ولذلك لم يحضر عاصم غزوة بدر، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام عدّه كمن شهدها وضرب له بسهمه وأجره «8».
وهذا تصوير نبوي رائع لاتساع مجال الجهاد، حتى لا يظن ظان أن الجهاد مقصور على الذين يحملون السلاح، وينخرطون به في الميدان «9».
وكان معن بن عدي يحسن فهم الإسلام، ويحسن إدراك مكان الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومما يشهد لذلك أن المسلمين أخذوا عقب وفاة الرسول - يبكون ويقولون: والله لوددنا أنا متنا قبله، نخشى أن نفتن بعده.
وحينما سمع معن ذلك قال: إني والله ما أحب أني مت قبله، حتى أصدقه ميتًا كما صدقته حيًّا «10».
وكأنه بهذا لا يريد أن يستخف بالمصيبة الكبرى في فقد الرسول، ولكنه يريد أن يشير إلى الثبات على الإسلام، وعلى متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، سواء أكان حاضرًا أم غائبًا، وكأنه يريد أن يقول: إنني صدقت الرسول وهو حي بيننا أشهده وأراه، وسأظل أصدقه وأتبع هديه، وإن غاب عنا بشخصه وكأنه كان يتذكر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 144-148).
ولذلك نرى معن بن عدي يحرص على أن لا تكون هناك فتنة بسبب اختيار خليفة للرسول، وحينما رأى نوعًا من تعدد الآراء في اختيار الخليفة سارع مع الصحابي الجليل عويم بن ساعدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وجعل يقول له مع صاحبه: «إنه باب فتنة نرجو أن يغلقه الله بك» «11».
وكذلك كان، وأنقذ الله عز وجل وحدة المسلمين بمبايعتهم لأبي بكر رضوان الله عليه.
وكان معن بن عدي رجلا يحرص على أن يكون من الأمة الوسط، العادلة المعتدلة، التي لا تنحرف ولا تعتسف ولا تسرف، فهو يلبس لكل حال لبوسها، وهو يعامل كل إنسان بما يناسبه، دون إفراط أو تفريط، ولذلك كان يقول:
وإني لحلو تعتريني مرارة
وملح أجاج تارة وشروب
لكل امرئ عندي الذي هو أهله
أفانين شتى والرجال ضروب «12»
وهكذا يقول القائل الحكيم:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر، كوضع السيف في موضع الندى
وقول الآخر:
وقسا ليزدجروا ومن يك حازما
فليقس أحيانا على من يرحم
وفي معركة اليمامة خرج الأخوان المجاهدان في الله وفي الإسلام: معن بن عدي وزيد بن الخطاب ... وحمل زيد الراية، وهتف معن بالمسلمين ليثبتوا ويتقدموا...
وما زال البطلان يتقدمان ويجاهدان مع زملائهما حتى حققا النصر والفتح ولكنهما دفعا ثمنًا لذلك: هو الشهادة، ورقد البطلان معًا في ثرى اليمامة، ليلقيا الله يوم القيامة، مشتركين في الجهاد، مشتركين في حسن الإعداد مشتركين في نعمة الاستشهاد.
رضوان الله تبارك وتعالى على الجميع...
أحمد الشرباصي
---------------------------------------------------------
«1» كتاب العبر للذهبي، ج 1 ص 13.
«2» الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 3 ص 35.
«3» الدرر لابن عبد البر، ص 76.
«4» الطبقات، ج 3 ص 35، والدرر، ص 100.
«5» فدائيون في تاريخ الإسلام ، ص 174-178.
«6» ويروى أن المأمورين كانا اثنين فقط.
انظر تاریخ الطبري، ج 3 ص 110. والدرر لابن عبد البر ص 257. والطبقات الكبرى، ج 3 ص 36.
«7» الدرر لابن عبد البر، ص 257.
«8» الطبقات لابن سعد، ج 3 ص 36.
«9» شهد عاصم بن عدي غزوتي أحد والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، وقد توفي بالمدينة سنة خمس وأربعين ومائة سنة «الطبقات، ج 3 ص 36».
«۱0» تاريخ الطبري ج 3 ص 207 والطبقات ج 3 ص 35.
«11» العقد الفريد، ج 5 ص 12 طبعة التجارية.
«12» الأجاج: الشديد الملوحة. والشروب: الماء الذي يصلح للشرب مع بعض كراهة.
وضروب: أنواع أو أشكال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل