العنوان هل يصبح الأطفال غير الشرعيين في المجتمع الغربي هم الأغلبية؟
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 88
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-يناير-1989
الحضارة الغربية المادية هي موطن الداء وسبب البلاء فمنذ أن دفعت المرأة خارج البيت باسم الحرية والمساواة وتحت شعار الاستقلال وعدم التبعية والاعتماد على النفس فوجدت نفسها في احتكاك دائم مع الرجال، أخذ وضع الأسرة يهتز وأخذت الروابط الأسرية تنحل؛ وذلك لأن فرص الالتقاء بين الجنسين صارت متاحة على أوسع نطاق وفي أكثر من مكان، فكانت النتيجة في غياب الوازع الخلقي والديني مزيدًا من الفساد والتفسخ والانحراف وبناء علاقات جنسية غير شرعية، ثم جاءت فورة الثورة الجنسية في أواسط الستينات لتكمل هدم ما تبقى من أعراف أسرية وقيم أخلاقية شريفة وفضائل تعفف، وقد وصل الأمر بالمجتمعات الغربية اليوم إلى ما لا يخطر على بال من تلاعب بعواطف الأمومة والأبوة عن طريق تأجير الأرحام وبنوك الحيوانات المنوية وبيع الأطفال الرضع، وأخيرًا وليس آخرًا محاولات العبث بالجينات البشرية التي تحدد الخلقة الأدمية، وإذا كانت هذه سيرة المجتمعات الغربية فلا يجب أن نعجب أو نستغرب عندما يقال إن ربع أطفال فرنسا هم أطفال غير شرعيين حسب نشرة معهد الإحصاء الفرنسي العام 1988.
ما بين الشرعي وغير الشرعي ذابت الفوارق
لا شك أن الأسرة ما زالت قائمة في المجتمعات الغربية وأن قوانين الزواج والطلاق الذي أبيح رغما عن الكنيسة ما زالت قائمة هي الأخرى، ولكن عندما تجد إلى جانب ذلك إباحة المعاشرة -معاشرة الأزواج- دون عقد وحرية إقامة العلاقات الجنسية قبل الزواج والتساهل بخصوص الخيانات الزوجية وعندما نجد الذكور والإناث يتعرون أمام بعضهم البعض وينامون مع بعضهم البعض، وعندما نرى أن الملذات والشهوات تتغلب على التعقل والحياء وعندما تعرف أن البكارة لا قيمة لها عند الغربيين وأن بقاء الفتاة ببكارتها من العيوب وهو عندهم دليل على سذاجتها وجهلها وعدم إقبال الشبان عليها، وعندما نضيف إلى هذا كله ما تموج به مدنهم وأحياؤهم وفنادقهم ونواديهم من عاهرات «يعملن» أفرادًا وجماعات فذلك بلا شك كم سيكون عدد الأطفال غير الشرعيين في تلك المجتمعات وأنه لا بد أن يختلط قسم كبير منهـم بالأطفال الشرعيين، ومن هنا لا نشتط إذا قلنا لقد اختلط الحابل بالنابل عندهم واختلطت الأنساب وأصبحت تلك المجتمعات أقرب ما تكون من هذ الناحية إلى مجتمعات الكلاب والقطط ولا يميزها عنها سوى ركوب البعض على البعض في غرف مغلقة.
لقد أوردت مجلة نوفال أبسرفاتور الفرنسية في عددها رقم 2228 بتاريخ 18 نوفمبر 1988 في تحقيق عن الخيانة الزوجية أن 39 من الفرنسيات والفرنسيين يمارسون الخيانة الزوجية أو هم على استعداد لممارستها متى توفرت الفرصة، ولكن الدكتور شاول جلمان المتخصص في علوم الجنس يقول في نفس المجلة إنه قبل عشرين سنة لم يكن يعترف بالخيانة الزوجية إلا قلة من المثقفين، أما اليوم فقد تغير الوضع ونحن نشهد تعميم هذا السلوك وشموليته لأن الخيانة دخلت فعلا الحياة اليومية للأزواج وأعتقد أنها تشمل ثلاثة أرباع الأشخاص البالغين، فحتى العمال المعروفون بعفتهم والمعلمون المعروفون باستقامتهم وأخلاقهم العالية يأتونني للحديث في الموضوع. ثم يضيف قائلا: «لقد استقبلت هذا العام زوجًا من الفلاحين تبادليا (أي يتبادل زوجته مع آخر) وهذا لم يكن يخطر على بال منذ عشر سنوات فقط...
هكذا يتحدث طبيب فرنسي مختص عن العلاقات غير الشرعية بين الفرنسيين والفرنسيات؛ فماذا ستثمر مثل هذه العلاقات غير أطفال غير شرعيين وإن انتسبوا إلى أبناء الله يعلم إن كانوا آباءهم الحقيقيين أم لا.
إن الانحلال الاخلاقي المتزايد وانتفاء الروح الديني في المجتمعات الغربية جعل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين لا تقتصر على اللقطاء الذين لا يعرف لهم آباء والذين يودعون غالبا في بيوت ودور لها أسماء توحي بالرعاية والشفقة مثل «دور رعاية الطفولة المشردة» و«بيوت الأيتام» وغير ذلك من التسميات، بل تشمل كذلك أعدادًا كبيرة من الأطفال يعيشون ضمن الأطفال الشرعيين في أسر تبدو من الخارج لا غبار عليها، وكيف لا يكون الأمر كذلك ما دام الفرنسي اليوم لا يطلق زوجته بسبب «خيانة عرضية!» في حين كان عام 1955 يقتل الزاني بزوجته وتبرئه المحكمة؟
وليس هذا الوضع خاصًّا بفرنسا بل هو يشمل كل الدول العربية وربما كان أسوأ في بعض الدول مثل بريطانيا وهولندا والسويد والدنمارك، وأكثر الدول الغربية المعروفة بمحافظتها في هذه الناحية وهي إيطاليا التحقت في السنوات الأخيرة بركب الفجور والدعارة والخيانة الزوجية؛ إذ يكشف سير لآراء مجموعة من الإيطاليات المتزوجات أو اللاتي على علاقة لها برجل أن 52 منهن قمن بمغامرات جنسية وضاجعن رجالا آخرين، كما يقول تقرير سير الآراء السابق أن 37٪ من الإيطاليين يخونون زوجاتهم.
ما بين كرامة المرأة ومنع الحمل والإجهاض
رغم كل ما يقال ويدعى عن تحرر المرأة الغربية واعتناقها من قيود الذل والمهانة التي كبلها بها الرجل، ورغم كل ما يقال عن المساواة السياسية والاقتصادية والتعليمية بين الرجل والمرأة في الدول الغربية، فإن الذي لا يكتفي بظاهر الأمور ويترك السطح البراق ليغوص في الأعماق يكتشف زيف تلك الأقوال والادعاءات، ويضع يده على الحقيقة التي لم تعد آثار المدنية الغربية قادرة على إخفائها، وتلك الحقيقة ببساطة هي أن المرأة في الدول الغربية لا تزال مهدورة الكرامة رغم ما يتوفر لها وقد لا يتوفر لغيرها من زخرف مادي، وسبب ذلك وببساطة أيضا ثقافتهم التي تقوم ضمن ما تقوم عليه على نظرة الدون للمرأة. إن رواسب الماضي لم تنمح من عقول الرجال في الغرب، وإذا كان مجمع «ماكون» في القرن الخامس الميلادي قد بحث مسألة كون المرأة شيطانا أم إنسانا، وخرج بقرار يقول إنها إنسان أي نعم، ولكنها إنسان شرير وهي خلقت لخدمة الرجال ومتعتهم وإرضاء لغرائزهم، ومن يتأمل ما يفعل بالمرأة الغربية اليوم يدرك أن هذه النظرة لم تندثر؛ فكل شيء من أجل تزييف المرأة – الدمية – المساحيق والأصباغ والمانكير والباديكير والحلاقة وقصات الشعر وموضات اللباس المتعاقبة من الطويل إلى القصير إلى الكاشف والمشقوق من فوق أو من تحت إلى الحاسر إلى غير ذلك...
وإذا تركنا هذا الجانب الشكلي -ولكن الخطير- إلى مجال الحقوق المدنية نجد أن قوانين غربية كثيرة فيما يخص الاستقلالية المالية والتصرف المالي تعامل المرأة معاملة الصبي أو حتى المجنون أحيانًا، وبالتالي فإنه حينما تكون حرية المرأة وحقوقها في خدمة الرجل ومتعته زجت في النهاية في مجال إشباع الغرائز الحيوانية وانتشار الفساد فإنها تعطاها بسخاء وعندما لا تكون كذلك تحرمها أو تبقى المسألة محل نظر، وعلى هذا الاساس نفهم لماذا يباح استعمال كل وسائل منع الحمل في أوروبا ولماذا يباح الإجهاض في كل الدول الأوروبية ما عدا ثلاث منها هي بلجيكا ومالطا وأيرلندا مهما كانت الظروف، أي حسب الرغبة، رغم أن هذه الدول تشكو تدنيا في نموها الديمغرافي.
إن وسائل منع الحمل التي هي في متناول الكبار والصغار العزاب والمتزوجين الأغنياء والفقراء هي منذ أن ظهرت أصبحت صمام الأمان بالنسبة للعلاقات الجنسية غير الشرعية وإنجاب الأطفال غير الشرعيين.
وحالات اللقاح التي تفلت بسبب الجموع أو السهو أو لأي سبب آخر فإن الإجهاض كفيل بها إذا لم يرغب في الجنين غير الشرعي. لقد أشارت دراسة قام بها باحثون أمريكيون إلى أن هنالك نحو 40 إلى 60 مليون حالة إجهاض تحدث سنويًّا في العالم و10 إلى 25 منها غير قانونية، وقال مدير قسم الأبحاث في معهد «ألان غوتماشر» نشر بنيويورك إن على رأس قائمة الدول التي تحرم الإجهاض إلا لإنقاذ حياة الأم الدول الإسلامية.
ما بين الفطرة والحضارة المادية
إن الحضارة المادية الغربية تسودها أيديولوجية الفردية والأنانية البحتة التي تناقض الروح الجماعية والتكافل الجماعي على أي اساس كان والتحرر من المسؤوليات؛ فكل يعيش لنفسه وكل يفكر في نفسه وحتى الأولاد بمجرد بلوغهم من الثامنة عشرة يطالبون بنين وبنات بالاعتماد على أنفسهم ويطالبون أحيانًا بدفع إيجار الغرفة أو يطردون خارج البيت، وضمن هذه الأيديولوجيا نفهم لماذا يقل الإقبال على الزواج الشرعي ويفضل عنه في الدول الغربية المعاشرة الحرة، وضمن هذه الأيديولوجية كذلك نفهم لماذا يرغب عن إنجاب الأطفال وحتى عندما يكون الزواج شرعيًّا يكتفى بطفل أو طفلين أو ثلاثة على الأكثر، ولكن أية أيديولوجيا وأية أوضاع وظروف اجتماعية يمكنها القضاء على الفطرة البشرية؟ إن الأبوة تظل شعورًا ملازمًا للرجال والأمومة كذلك تظل شعورًا ملازمًا للمرأة، وإذا لم تمكن ظروف صحية معينة أو ضغوط أيديولوجية ومفاهيم منحرفة معينة من إنجاب أطفال فإن باب التبني يبقى هو الملجأ لإشباع غريزتي الأبوة والأمومة، وهكذا فإن الأطفال غير الشرعيين لا سيما في أوروبا حيث تكثر العنوسة بين الرجال والنساء ويجدون دائما من يتبناهم، بل إن أطفال أوروبا غير الشرعيين لا يكفون لسداد حاجات التبني؛ فقد ذكرت تقارير صحفية أن ألمانيا تحتاج سنويًّا إلى عشرين ألف طفل رضيع، وإن أكثر الدول استيرادًا للأطفال غير الشرعيين هي دول الشمال.
مصير الأطفال غير الشرعيين
إذا كان قسم كبير من الأطفال غير الشرعيين يجد طريقه إلى التبني الرسمي المعقد في أوروبا فإن جانبًا آخر من الذين ليس لهم حظ في التبني يكبر في دور الرعاية الحكومية، وأغلب هؤلاء يجدون أنفسهم فيما بعد داخل ثكنات الجيش أو بوليس الشغب، غير أن الظاهرة الجديدة بالنسبة للأطفال غير الشرعيين هي نشوء أسواق النخاسة السرية التي ما فتئت تكبر وتتعدد هنا وهناك؛ فقد كشف أكثر من تقرير عن الطفولة اتساع تجارة الأطفال واللاشرعيين والمخطوفين ورواجها، وهذه التجارة ليست مقصورة على الدول الغربية بل قطبها تلك الدول وقطبها الثاني الدول الفقيرة الأسيوية أو الأمريكية اللاتينية وخاصة منها سيريلانكا والبرازيل؛ فقد أثبت تحقيق أجري حول تجارة الأطفال أنه تم بيع 1912 طفلاً سريلانكيًّا عام 1986 إلى مشترين أوروبيين منهم أطفال من دور الرعاية الحكومية، كما أثبت التحقيق ذاته أن هنالك خمسين (50) مركزًا لبيع الأطفال تعرف بمزارع الأطفال، وأننا تتملكنا الدهشة عندما نعلم حسب تقديرات المجلس الأوروبي الذي انعقد العام الماضي 1988 في لشبونة - أن المبالغ المالية لعمليات الاتجار في الأطفال غير الشرعيين والمخطوفين بلغت أرقامًا مخيفة حيث وصلت إلى حوالي خمسة مليارات دولار سنويا، وإذا كانت هذه التجارة تثير الاستنكار لأنها إهدار للكرامة الإنسانية واسترقاق جديد فإن غايتها أقبح منها وهي تثير الاشمئزاز والتقزز؛ لأن أغلب هؤلاء الأطفال موضوع الصفقات التجارية يباعون من أجل الاستغلال الجنسي والتصوير الخلاعي، ويعترف المجلس الأوروبي بأن السلطات الأوروبية لا تعرف جيدا حجم الاستغلال الجنسي للأطفال؛ فمثلا هنالك خمسة آلاف صبي وثلاثة آلاف فتاة مارسوا الدعارة في مدينة باريس وحدها حسب تقدير هذا المجلس.
تجارة الأطفال تحت شعار التبني
عصابات كثيرة في أوروبا يقف وراءها وجهاء وجهات رسمية على غرار المافيا صارت تتاجر في الأطفال غير الشرعيين تحت شعار التبني مثلما تتاجر في المخدرات؛ ففي أواخر عام 1987 أعلن في منطقة فیلا دريكا في إيطاليا عن محاكمة 22 شخصًا من تجار الأطفال بينهم طبيبان للأمراض النسوية وبعض الممرضين والمومسات وتقول الدكتورة كارميلا كافالو القاضية بمحكمة الأحداث بنابولي بإيطاليا «إن ما لا يقل عن 500 حالة بيع للأطفال غير القانوني تصل إلى المحاكم كل سنة وغالبا ما تتم عمليات البيع في أماكن سرية، وتجار الأطفال لا يعدمون الحيلة لتحقيق أرباح خيالية من هذه التجارة غير الشرعية ولهم محاموهم الذين يستعينون بهم لإنهاء الصفقات تحت اسم التبني؛ ففي كثير من الأحيان تتم عملية الشراء عن طريق أحد المحامين الذي ينشر إعلانا في الجرائد أو يبعث برسائل سرية إلى الفنادق التي تتواجد بها أمهات حوامل غير متزوجات ثم يقوم بنقل الطفل الرضيع من ذويه إلى من يرغب في تبنيه».
وتقول تقارير صحفية عن هذا الموضوع إن عملية ولادة طفل غير شرعي تتم في عيادة خاصة ولا يسجل المولود في سجل المواليد، وبعد بضعة أيام يختفي الطفل وكأنه لم يولد ويقوم رجل مجهول الهوية بدفع التكاليف ويعرض الطفل للبيع بعد ولادته ببضعة أسابيع ويحتاج الأمر أحيانا إلى إمضاء الام وعلى وثيقة «البيع» التبني في محكمة الأحداث وفي حالات أخرى يقوم المشتري بالحضور إلى العيادة فيسحب الطبيب الطفل من بطن أمه ويسجله على الفور باسم المشتري أما في خانة الأم فيكتب «سيدة لا ترغب في الكشف عن اسمها» أو يكتب اسم زوجة المشتري.
أين حقوق الطفل؟
إننا معشر المسلمين لا يسعنا إلا أن نحمد الله الذي جنبنا هذه الموبقات وهذه الآفات باتباعنا لأوامر شرعنا وابتعادنا عن نواهيه، ولكننا نسأل الغربيين والمستغربين الذين يتبجحون بوضع وثيقة حقوق الإنسان وبالدفاع عن حقوق المرأة وحقوق الطفل: أين تضعون هذه الممارسات اللاإنسانية وهذه الفواحش وهذه النخاسة الجديدة من تلك الحقوق؟ لقد جاء في إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الطفل أنه «يجب توفير الحماية للطفل ضد الأعمال والقسوة والاستغلال» فهل حققتم هذا لأطفالكم دون النظر إلى أطفال الآخرين؟ ثم إلى أين تقصدون على طريق الحرية الجنسية والفساد والانحلال الخلقي إن لم يكن قلب الموازين والقواعد والأعراف؛ حيث يصبح الأطفال غير الشرعيين هم الأغلبية والأطفال الشرعيون هم الأقلية؟ وماذا سيترتب على ذلك عندئذ؟