العنوان قضية للمناقشة .. النقد الذاتي أو النصح في الله
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990
مشاهدات 63
نشر في العدد 948
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 02-يناير-1990
ـ حلت كلمة النقد محل كلمة النصح، وفرق كبير
بين المصطلحين.
ـ
«الدين النصيحة» لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فعماد الدين وقوامه
النصيحة كقوله: الحج عرفة، أي: عماده ومعظمه.
ـ
النصيحة: من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في الكلام العربي كلمة مفردة يستوفي
بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.
ـ
النصيحة: كلمة يعبر بها عن جملة من المعاني، وهي إرادة الخير للمنصوح له.
لقد
تأثر المسلمون- ومن بينهم الدعاة- كما تأثر غيرهم بكثير من أفكار العصر الحديث
ومصطلحاته، مما جعل لبعض هذه التأثيرات مظاهر سيئة وسلبية، ومنها كلمة النقد.
لقد
حلت كلمة النقد محل كلمة النصح في المصطلح الإسلامي، وفرق كبير بين المصطلحين.
وللوهلة
الأولى لا نرى في كلمة النقد أي مظهر سلبي، ولا نراها عاملا من عوامل الضعف، خاصة أن
كلمة النقد أصبحت مصطلحا شائعا في كثير من الأمور والأعمار، وكلمة سائرة بين مختلف
الناس، وقد يضاف إليها بعض الصفات مثل (النقد البناء) و(النقد الإيجابي)... إلخ.
ولكن
إذا رجعنا إلى أصول الكلمتين في معاجمنا نرى الفرق الكبير بين معانيهما، ولنستعرض
باختصار ما ورد من معان لهاتين الكلمتين:
جاء
في معجم الوسيط عن معنى كلمة النقد ما يلي:
«نقد
الشيء، نقدا: نقره ليختبره، أو ليميز جيده من رديئه، يقال: نقد الطائر الفخ ونقدت
رأسه بإصبعي، ونقد الدراهم والدنانير نقدا: ميز جيدها من رديئها، نقد النثر، ونقد
الشعر أظهر ما فيها من عيب أو حسن.
وفلان ينقد الناس: يعيبهم ويغتابهم، نقدت
الحية فلانا: لدغته، نقد الشيء، انتقد الولد: شب، والدراهم قبضها»(١) انتهى.
والمعاني
التي أوردها هذا المعجم الحديث هي التي وردت في أكثر المعاجم القديمة ولكنه زاد
عليها: نقد الشعر، ونقد النثر، وهو مصطلح حديث، أما القاموس المحيط فلقد أورد من
معاني هذه الكلمة ما يلي:
والنقد:
خلاف النسيئة، وتمييز الدراهم وغيرها. كالتنقاد والانتقاد، والتنقيد، وإعطاء
النقد. والنقر بالأصبع في الجوز، وأن يضرب الطائر بمنقاره، أي: بمنقاره في الفخ،
والوازن من الدراهم، واختلاس النظر نحو الشيء، ولدغ الحية...» (٢).
وجاء
في مقاييس اللغة ما يلي:
«نقد:
النون والقاف والدال: أصل صحيح يدل على إبراز شيء وبروزه، من ذلك النقد في الحافر
وهو تقشره، حافز نقد: متقشر، والنقد في الضرس: تكسره، نقد الدرهم: وذلك أن يكشف عن
حاله في جودته وغير ذلك، ويقال للقنفذ الأنقد. ويقولون: إن الشيهم لا يرقد الليل
كله، وتقول العرب: مازال فلان ينقد الشيء إذا لم يزل ينظر إليه»(٣).
ووردت
هذه المعاني أيضا في مجمل للغة: «أنقد، نقد الدراهم معروف، ودرهم نقد: وازن جيد،
والنقد: صغار الغنم، والنقد في الحافر: تقشره، والنقد في الضرس: تكسره، والأنقد:
القنفذ، وبات فلان بليلة أنقد: إذا بات يسري ليله كله؛ لأن القنفذ لا يرقد الليل
كله، وما زال فلان ينقد بصره إلى الشيء: إذا لم يزل ينظر إليه، والنقد: القميء،
من الصبيان"(٤).
ومما
جاء في معجم الصحاح عن هذه الكلمة ما يلي:
ونقد:
نقدته الدراهم، وله: أعطيته، فتنقدها: أي قبضها، نقدت الدراهم وانتقدتها: إذا طرحت
منها الزيف، ناقدت فلانا: إذا ناقشته في الأمر...»(٥).
ونلاحظ
ورود معنى المناقشة في هذا التعريف بالكلمة.
وما
ورد في معجم أساس البلاغة للزمخشري عن هذه الكلمة ما يأتي: «نقد: نقده الثمن،
ونقده له فانتقده، ونقد النقاد الدراهم: ميز جيدها من رديئها، الطائر ينقد الفخ
ينقره. نقدته الحية: لدغته»(٦).
وأما
في لسان العرب، فلقد وردت كل المعاني السابقة مع شواهدها، وزاد عليها بعض الشيء،
وما ورد عن هذه الكلمة:
«نقد:
النقد: خلاف النسيئة. والنقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها. الليث:
تمييز الدراهم وإعطاؤها إنسانا. ناقدت فلانا: إذا ناقشته في الأمر، نقد الشيء
ينقده نقدا: إذا نقره بإصبعه، في حديث أبي ذر: كان في سفر فقرب أصحابه السفرة
ودعوه إليها، فقال: إني صائم، فلما فرغوا جعل ينقد شيئا من طعامهم، أي يأكل شيئا
يسيرا.
نقد
الرجل الشيء بنظره، ينقده نقدا ونقد إليه: اختلس النظر حوه، وما زال فلان ينقد
بصره إلى الشيء إذا لم يزل ينظر إليه، والإنسان ينقد الشيء بعينه: وهو مخالسة
النظر لئلا يفطن إليه، وفي حديث أبي الدرداء قال: «إن نقدت الناس نقدوك، وإن
تركتهم تركوك»، معنى نقدتهم: أي عبتهم واغتبتهم، قابلوك بمثله، والنقد: السفل من
الناس.
وقيل:
النقد بالتحريك: جنس من الغنم، فصار الأرجل.
قباح
الوجوه تكون في البحرين، يقال: هو أذل من النقد، وأنشد:
رب
عديم أعز من أسد
ورب مثر أذل من نقد
وقيل
النقد: غنم صغار حجازية.
وقيل:
النقد: البطيء الشباب، القليل الجسم، وربما قيل: القميء من الصبيان الذي لا يكاد
يشب نقد.
والأنقذ
والأنقد: القنفذ والسلحفاة (٧).
ومن
هذا الاستعراض لأهم معاني كلمة النقد في المعاجم المختلفة تستخلص بأنها تدل على
معاني بعيدة عن المودة، فهي تخص المادة أولا من خلال نقد الدراهم؛ لتمييز الجيد من
الرديء، أو لتعني إعطاءها إنسانا آخر، أو لتعني خلاف النسيئة، أي الدفع الفوري.
وهي
تدل أيضا من الناحية المعنوية على اختلاس النظر نحو شيء ما حتى لا يُفطن إلى
المختلس.
وهي
تدل على المناقشة في الأمر، والبحث عن عيوب الناس وغيبتهم.
وهي
تدل على: السفل من الناس، أو على جنس رديء من الغنم أو على شباب قمئ رديء النمو
والجسم، وهي تدل على صفة من صفات القنافذ.
وهي
تدل- كمصطلح حديث- على إظهار ما في الشعر والنثر من عيب أو حسن، وهذه المعاني كلها
لا تتناسب مع الأجواء الإيمانية. والحياة الإسلامية وعلاقات الإخوة والمحبة التي
تتسم بها الدعوة الإسلامية، ولذا فإن استعمال هذه الكلمة كمصطلح أمر يتنافى مع روح
الدعوة، وحياة المسلم الذي يتخلق بأخلاق القرآن.
وإذا
انتقلنا إلى استعراض كلمة النصيحة والنصيح ترى الفرق الواسع بين الكلمتين، فلقد
جاء في المعجم الوسيط ما يلي:
«نصح
الشيء نصحا ونصوحا ونصاحة: خلص. نصح المعدن: ونصحت توبته: خلصت من شوائب العزم
على الرجوع.
نصح
قلبه: خلا من الغش.
نصح
لفلان الود، ونصح له المشورة، وفلانا، وله: أرشده إلى ما فيه صلاحه، فهو ناصح (٨).
وجاء
في القاموس المحيط عن النصح ما يلي:
نصحه،
وله، كمنعه، نصحا، ونصاحة، وتصاحية، وهو ناصح ونصيح من نصح، ونصاح، والاسم:
النصيحة.
ونصح:
خلص، والثوب خاطه، والري: شرب حتى روي. ورجل ناصح الجيب: لا غش فيه. والناصح:
العسل الخالص (٩).
وفي
مقاييس اللغة جاء ما يلي:
«نصح،
النون والصاد والحاء: أصل يدل على ملاءمة بين شيئين، وإصلاح لهما، أصل ذلك الناصح:
الخياط، النصاح: الخيط يخيط به، ومنه النصح، والنصيحة: خلاف الغش، ونصحته وأنصحه
وهو ناصح الجيب لمثل إذا وصف بخلوص العمل، التوبة النصوح منه: كأنها صحيحة ليس
فيها خرق ولا ثلمة. ناصح العسل: ماذيه، كأنه الخالص الذي لا يتخلله ما يشوبه» (١٠).
ومما
ورد عن هذه الكلمة في كتاب مجمل اللغة ما يلي:
«يقال:
أنصحت الإبل: إذا سقيتها فنصحت، أي رديت، والنصاحات: السلوك التي يخاط بها» (١١).
ولم
يزد كتاب الصحاح على هذه المعاني، ولكنه قال أيضا:
وكل
شيء خلص فلقد نصح (١٢).
وأورد
الزمخشري في أساس البلاغة تصاريف هذه الكلمة ومعانيها، فقال:
«نصح:
نصحته ونصحت له نصحا، ونصيحة، وأنا له نصيح، وتنصحت له، وعن أكثم: يا بني، إياكم
وكثرة التنصح فإنه يورث التهمة، وناصحته مناصحة، وناصح نفسه في التوبة إذا أخلصها.
واستنصحته،
وانتصحته، وانتصح كتاب الله: اقبل نصحه، ومن المجاز: ناصح الجيب، ونصح الغيث
البلاد إذا جادها» (١٣).
ثم
أورد لسان العرب، وبشكل جامع كل ما سبق من معان الكلمة، والشواهد على ذلك من
القرآن والسنة وكلام العرب، ومن أهم ما ورد من معاني الكلمة ما يلي:
الناصح:
الخالص من العسل وغيره، وكل شيء، نصح فهو نصح.
والنصح:
نقيض الغش، ويقال: نصحت له نصيحتي نصوحا: أي أخلصت وصدقت، وفي الحديث: «الدين
النصيحة، لله ولرسوله ولكتاب ولأئمة المسلمين وعامتهم»، قال ابن الأثير: النصيحة
كلمة يُعبر عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة
واحدة تجمع معناها غيرها.
وأصل
النصح الخلوص، ثم أورد كلام ابن الأثير من الحديث السابق، قال أبو زيد: نصحته: أي
صدقته (١٤).
وواضح
من معاني كلمة نصح، والنصيحة أنها تدل على الإخلاص والخلوص من الغش، والخلوص من
الشوائب، والإرواء والنمو، وخياطة الثوب لإصلاحه، وخلوص العمل، والصدق، والإرشاد
إلى حقائق الأمور.
ومن
الطريف أن يورد أساس البلاغة كلمة أكثم بن صيفي، وهو ينصح بعدم الكثرة من النصح؛
حتى لا يورث التهمة، فيظن المنصوح أنه متهم، ويظن السامع به تهمة ما.
وكذلك
نتوقف عند كلمة ابن الأثير عند شرحه للحدي: «الدين النصيحة»؛ حيث يقول عن كلمة
النصيحة: إنها كلمة يعبر بها عن جملة من المعاني، وهي إرادة الخير للمنصوح له (١٥).
ولابد
لنا أن نتوقف عند هذا الحديث، الذي يوضح لنا أمرا في غاية الدقة والشمول والأهمية،
ويؤكد أن هذا المصطلح هو الذي يتناسب مع خلق المسلم، وينبع من إيمانه ودينه، عن
أبي رقية تميم بن أوس الداري- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:
«الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»
(١٦).
ولذا
قال العلماء عن هذا الحديث: إنه عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام، بل قال النووي
عنه: «وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام، أي أحد الأحاديث
الأربعة التي تجمع أمور الإسلام، فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده».
وقال
الإمام أبو سليمان الخطابي- رحمه الله: النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ
للمنصوح له.
قال
ويقال: هو من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي
بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح ليس في كلام العرب كلمة أجمع
لخير الدنيا والآخرة منه.
قال
وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتجرأه
من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب.
قال
وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش
بتخليص العسل من الخلط.
قال:
ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله: «الحج عرفة»، أي عماده، ومعظمه
عرفة.
ثم
يستطرد النووي في تفسير أنواع النصيحة، وشرح الحديث حتى إذا وصل إلى النصيحة لعامة
المسلمين، قال: وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من غير ولاة الأمر، فإرشادهم
لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم،
ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم، وجلب
المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم،
وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم، وحسدهم، وأن
يجب لهم يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه،
والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق
بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط همهم إلى الطاعات، وقد كان من السلف -
رضي الله عنهم - من تبلغ به النصيحة الإضرار بدنياه، والله أعلم.
قال
ابن بطال- رحمه الله- في هذا الحديث: إن النصيحة تسمى دينا وإسلاما، وإن الدين يقع
على العمل كما يقع على القول. قال: والنصيحة فرض يُجزى فيه من قام به، ويسقط عن
الباقين. قال: والنصيحة لازمة على قدر الطاقة، إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع
أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة، والله أعلم(17).
وهذا
يؤكد أن هذه الكلمة مصطلح إسلامي ينبع من الصدق والبراءة من الشوائب والتهمة،
والخلوص من كل ما يفسد النية والقصد والعمل، فهي تنبع من صدق الإيمان، وصدق النية،
وحب الخير، وحب الاستقامة، وهي شيء من لوازم الأخوة، وواجب الأخ نحو أخيه المسلم.
من
هذا الاستعراض تتبين أن لكلمة النقد كثيرا من الدلالات السلبية، والتي تشير إلى
سريان روح التجريح، وسلب فضائل الأخوة، ومثلها كثير من الكلمات والمصطلحات التي
دخلت في حياة المسلمين، ووردت علينا من المجتمعات العلمانية والمادية الغربية.
والمعروف
أن الرابطة التي تجمع الدعاة إلى الله هي رابطة الأخوة، وهي رابطة أسمى من الروابط
المادية، والأسرية، ويكفي دلالة على ذلك ما وصف به الله- سبحانه وتعالى- هذه
الرابطة، وما ورد عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيها من أحاديث، بل يكفي
دلالة على ذلك أن المجتمع الإسلامي الأول، وأفضل جيل إسلامي جيل الصحابة- رضوان
الله عليهم- قام على أساس رابطة الأخوة، حتى فاقت كل رابطة بقوتها، وبثمارها
وبضيائها، وبنتائجها التي بقيت آثارها حتى اليوم.
وما
دامت هذه هي الرابطة التي تجمع بين الدعاة، فمن العجيب أن تكون الأفعال نقيض ذلك
كله.
المؤمن
للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، المتحابون في الله تحت ظل العرش يوم القيامة(١٨). وغير ذلك من الصور
الوضيئة، التي وردت في النصوص. فلماذا لا يتمثل الدعاة بهذه المعاني وهذه الصور؟
إن من طبيعة الإنسان أن يخطئ «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، ولكن
الخطأ لا يبيح للأخ أن ينهش عرض أخيه ويجرحه ويسيء إليه، بله الكذب عليه، والكيد
له ورميه بكل نقيصة، والإيقاع به عند أعداء الله.
«كل
ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» ولكن الخطأ لا يبيح للأخ أن ينهش عرض أخيه،
ويخرجه ويسيء إليه، بله الذي عليه والكيد له ورميه بكل نقيصة، والإيقاع به عند
أعداء الله.
بل إن
هذا يضع على عاتق الإخوة واجبًا مهمًا، واجب نصرة المخطئ بالإرشاد، والتحبب، ونصحه
وإعانته ليتجاوز الخطأ، ويتخلص من الشوائب والعثرات، بروح الإخوة، والصدق والمحبة
والتعاون، والإيثار والإخلاص، والتضحية، والخلوص من الشوائب والغش والخديعة، أو
نية الإساءة.
هكذا
تكون صفة الدعاة إلى الله عز وجل، وصفة المجتمع الإسلامي الواعي.
ولكن
ما هو الواقع، وما هي الحقيقة؟
إننا
نجد أثر الروح المادية الحديثة التي تعبر عنها المصطلحات الدخيلة، الواردة من
المجتمع المادي، مجتمع الإباحية والجنس والتخلي عن الفضائل.
وبالأمس
الوضيء كان أسلوب التخاطب عند الخطأ يعبر على سفائن التناصح، والوعظ، والتعاون،
وسط أجواء الإخوة الصادقة واليوم أصبح أسلوب التخاطب عند الخطأ بركب أسلحة النقد
بكل أوصافه المخترعة الدخيلة، وأوصافه المبكرة (الذاتي، البناء، الإيجابي...) وكما
رأينا، فالنقد يحمل في طياته روح المادية، والعداء، والاتهام والتجريح.
وهو
مصطلح يتلاءم مع روح الغربيين، والحضارة المادية، والحياة العلمانية البعيدة عن
شرع الله؛ والتي تقوم على أساس المنفعة المادية الدنيوية، والمصالح المادية
الأنية، والولاءات البعيدة عن العقيدة.
لذلك
نرى الأحزاب في البلد الواحد، تتبادل التهم المختلفة وتتبع العورات، وتتسلط
الأخطاء حتى تبرزها، وتسلط الأضواء عليها، وتتخذ منها سبيلًا لأسقاط هذا، ورفع ذاك
عن طريق إثارة الضجة، وانتهاء الفرص بطريقة بعيدة عن أبسط معاني الود والإنسانية
والأخلاق.
بل
نرى ذلك في الحزب الواحد، يسعى الجديد بنقده القديم للصعود وأخذ مكانه في الحزب أو
السلطة، ويظهر العيوب، ويضخم الأخطاء؛ ليتعجل سقوط من سبقه، وليسرع في الصعود إلى
مكانه، وهم يتفاخرون بهذا الأسلوب، ويدعون بأنها الديمقراطية، وأنها الأسلوب
الأمثل للحياة، والتي تقوم على استرضاء أمزجة الناس، وكسب تأييدهم، وجمع أصواتهم
بأية وسيلة بالحق وبالباطل، بالصدق وبالكذب، بالمادة وبالرشوة وبالوعود الكاذبة
وبالدعاية إلخ، دون اهتمام بالقيم أو اكتراث للأخلاق؛ لأنهم- في الحقيقة- لا
يؤمنون بيوم الحساب ولا يؤمنون بالثواب وبالعقاب، بل هي الدنيا، هي المنافع
المادية الحاضرة وكفى، ولذلك فإن سريان هذه الروح بين المسلمين مرض من أمراض هذا
العصر، ووباء خطير من الأوبئة، التي سرت ين المسلمين، فهل نعي جميعا مثل هذه
الأمراض؛ لنبدأ في الصحوة الحقيقية، ونتخلص من أوبئة العصر القاتلة؟
وعسى
أن يكون ذلك قريبا بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.
___________
١. المعجم
الوسيط ج٢، ٩٤٤، المكتبة الإسلامية، إستانبول – تركيا.
٢. القاموس
المحيط، ص: ٤١٢، طبعة مؤسسة الرسالة ط١.
* الشيهم:
حيوان من القوارض له شوك طويل كأنه المال من فصيلة القنافذ، ويسمى الدلدل أيضا
والجمع: لشياهم.
٣. مقاييس
اللغة، ج ص: ٩٦٧، تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. دار الفكر للطباعة والنشر
والتوزيع.
٤. مجمل
اللغة، الأستاذ زهيري المحسن سلطان، نشر مؤسسة الرسالة ٢ ١٩٠٤، هـ ١٩٨٤م.
٥. مختار
الصحاح، بتحقيق الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار، ص٢، ج٢ – ٥٤٤.
6-
أساس البلاغة للزمخشري، ص٦٥١ – دار صادر، ودار بيروت ١٣٨٥ هـ، ١٩٦٥ م.
7-
لسان العرب: ج٣ ٤٢٥ – ٤٢٦ دار صادر.
٨. المعجم
الوسيط ٢، ص: ٩٢، المكتبة الإسلامية إستانبول- تركيا.
٩. القاموس
المحيط، ط ١٤٦، هـ ١٩٨٦ م مؤسسة الرسالة.
١٠. مقاييس
اللغة، تحقيق الأستاذ محمد عبد السلام هارون، ج٥ـ ٤٣٥ دار الفكر للطباعة والنشر
والتوزيع.
١١. مجمل
اللغة ٣- ٨٧، انظر الحاشية (٤).
• السلوك: جمع سلك.
١٢. كتاب
الصحاح ١- ٤١٠، انظر الحاشية رقم (٥).
١٣. كتاب
أساس البلاغة ٦٣٥.
١٤. لسان
العرب ٢- ٦١٥ – ٦١٦ – ٦١٧ دار صادر.
١٥. النهاية
في غريب الحديث لابن الأثير (١٢٨٥)، الناشر المكتبة الإسلامية.
١٦. رواه
مسلم في باب الإيمان- بيان أن الدين النصيحة.
١٧. صحيح
مسلم بشرح النووي (٢- ٣٧) ط دار الفكر بيروت- ولا بد من الإشارة إلى الحديث
الشريف: «بايعتُ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ
الزكاةِ، والنصحِ لكلِّ مسلمٍ». أخرجه مسلم، وهذا يدل على واجب المسلم نحو المسلم،
وعلى أسلوب المسلم في مخاطبة أخيه المسلم عند الخطأ.
١٨. هذه
العبارات تشير إلى أحاديث شريفة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل