الثلاثاء 03-ديسمبر-1974
الدعوة إلى الله
على ضوء سورة »طه»
بقلم: أبو مجاهد
إن كل دعوة لا بد أن يكون لها منهاج ومقومات، ولا بد أن تكون مستندة على أدلة عقلية واضحة جلية. ويمكــــن أن نستجمع هذه المقومات بمــــا يلي:
ا- المقوم العقلي أو الركن العقيدي.
٢- المقوم الذاتي
٣- القوة والمساندة
وبعد أن تستجمع هـــذه المقومات في الفرد الداعية أو القوم الدعاة تكون عندها صورة الدعوة واضحة والهدف مبينًا، ويبقى كيفية الوصول لهــــذا الهدف. ما هو الهدف؟
الهدف هو تبليغ هذه الدعــوة بتذليل كل الصعوبات التـــي تحول دون نشرها بين الناس.
إما إجبار الناس على أن يؤمنوا بها فهو ليس من خاصيـــــة الداعية لأن ذلـــــك هو من خاصية الله تعالى إن شـــــاء هداهم وإن شاء اضلهــم إن أعرضوا عن منهاجه وعن سبيله ولبيان الدعوة للناس هنــاك مراحل متتابعة هي كما يلي:
ا- الدعوة باللســـــان مبتدئين بالكلام اللين السهل.
وهدف هذه الدعوة هو بيان أن الله واحد لا شريك لـــه، وأن عبادة كل من سوى الله ضـــلال وكفر والحاد.
٢- إقامة الحجة العقلية على صحة هذه الدعوى.
وبعد أن ينجز الداعية هاتين المرحلتين فهو أمام اختيارين:
الأول: إن لم يكن باستطاعته أن ينشر دعوته وذلك بسبـب قلة أتباعه وكثرة معارضيــه فعليه بالهجرة إلى الدار التي يتمكن فيها من نشر دعوتــــه وتبيينها للناس.
الثاني: إن مكان هــــذا الداعية قد التف الناس من حوله بحيث أصبح في مركز قـــــوي وحصن منيع فلا يهاجر في هذه الحالة. وإنما عليه أن يثابر على نشر دعوته من موقعه .
× × ×
فعلى أساس ما تقدم سنرى كيف أن سيدنا موسى-على ضوء سورة طه- قد ســــلك ذلك المنهاج الذي ذكرنــاه والمقومات التي وضحناها.
- إن أولى المقومات التي ذكرناها هي المقومات العقلية التي هي الأركان العقيدية. إن هذه العقيدة يجب أن تكـــون راسخة قوية، واضحة مبينة، وهي الضوء الذي ينير الطريق والشعاع الذي يبدد الظلمات فلا بد إذن من أن تكون هي أول الكلام ومبدأ الخطاب:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ.. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى.وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي . إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰفَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾.
فاشتملت هذه الآيات علـــــى قضيتين.
الأولى: عقيدة الألوهية وهي أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. والثانية: عقيدة الإيمان باليوم الآخر. كمـــا بينت أن تبليغ هذه العقيــدة سيصطدم بعقبات وصعوبـات تابعة من اتباع الهوى وضعف الإيمان. فلا ينبغي أن توقفك- یا موسی- مثل هــــذه العقبات عن أن تبلغ دعوتــك وتعلن عقيدتك. فإذن ابتدأ كلام الله بتعريف نفسه لموسى ليستقر الإيمان في قلبه وترسخ العقيدة في عقله، فذلك هـــو المقوم العقلي والركن العقيدي.
إن هذا المقوم العقلي والركن العقيدي يجب أن يكون مستقرًا في قلب موسى في كل لحظـــة وعند تردد كل نفس وهذا لا يكون إلا بالاتصال المستمر مع الله سبحانه وتعالى، وذكره في كل حين. فعقب الله تعالى بقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (سورة طه: 14).
- وبعد أن استنار بهـــذه العقيدة وأشرق بالإیمان فؤاده جاءه التكليف ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. هنـــــا يشعر سيدنا موسى أنه بحاجة إلى مقومات ذاتية تؤهلـــه للقيام بهذا الأمر الخطير. ولكن من أين له أن يستجمع هـــذه المقومات الذاتية لنفسه.. أنه عبد ضعيف ولا بـــد أن ينشرح صدره لمثل هذا الأمـــر العظيم، وهو عبد قد أصبــح في موقف عسر يحتاج إلى تيسير.
وهذا الأمر لا بد من تبيانـــه باللسان الفصيح الواضـــــح ليفهمه النــــاس ويستوعبوه.
فماذا قال؟﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾
- بعد ذلك يأتي دور المقوم الثالث: القوة والمساندة. هذه القوة ضرورية وتلعب دورًا كبيرًا ومهمًا في جميع مراحــل الدعوة. ولكنها غالبًا ما تنوء بأعباء ثقيلة ومهمات جسيمة. وكلما كانت هذه القوة المساندة بكرة كلما كان تأثيرها أقـــوى ووزنها أثقل. وإذن فلتكن مـع سيدنا موسى منذ البداية. فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ هكذا طلب سيدنا موسى مــــن ربه. ولكنه علم أن فصــاحة اللسان والتغلب على العقبات ووجود الوزير ما هي إلا مصادر قوة ضعيفة وظاهرية ولا يمكن الاستناد عليها إلا إذا كانــت مرتبطة بمصدر القوة الحقيقي فتأخذ قوتها من قوته وتســلك سبيلها على ضوء شرعه. فهي بدون الله منقطعة مبتـــورة، فقال عندها سيدنا موســــى ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ فأجابه الله عز وجل بعد أن علم منــه استعداده لخوض عمل التبليغ حيث أنه قد طلب عدته واستجمع له قوته،﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾.
× × ×
الآن نبي الله موسى يستعد للقاء فرعون ليبلغه أمر ربه.
ولكنه لا يعلم كيف يبدأ وأي طريق يسلك فيعلمه ربه المرحلة الأولى. ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
إذن المرحلة الأولى تبدأ بالقول اللين السهل. وهذا القــول اللين يجب أن يوضــح أصـــــل العقيدة وجوهر الدعوة. فماذا يقولان؟ ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ﴾ فهمـــا إذن رسولان من رب الأرباب وملك الملوك، الله عز وجل، يطلبان أن يرسل معهــمـا بني إسرائيل ويوضحان له أنه ليس من حقه أن يعذبهم لأنه ليــس بربهم. فربه وربهم هو الله تعالی.
ولكن هذا الخصم اللدود الذي يعتقد أنه هو الإلـــه يستغرب هذا الكلام فيقطـــب جبينه ويستفحل غضبه، فكيف يتصرف معه النبي موسى، هل يتابع القول السهل اللين، كلا لا بد أن يدحض ادعاء هــــذا الكافر الضال ويبين له بالدليل العقلي والحسي أن الله عــــز وجل هو مالك الســــموات والأرض وهو الرازق وهو منزل المطر ومجري السحاب ومنبت النبات وخالق الأنعام، فقال بعد أن سأله فرعون سؤالـــه الاستنكاري ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ﴾ قال ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ. كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ. ۞ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾.. إذن بلغ نبي الله موسى دعـــوة ربـــه إلى فرعون. فما كان من فرعون إلا أن جمع له السحــرة ليدحـض معجزة عصـا موسى فانقلـــب كيده عليه وتبين الحــــق من الباطـــل ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾
وهنا بدأ فرعـــون يضيق الخناق على النبي موسى ومتبعيه ويؤلب المصريين على الإسرائيليين. ووقف هذا الكافر حائلًا دون تبليغ الدعوة ونشرها بين الناس، ولم يكن بد أذن من الهجرة والفرار بالدين من براثن الظالمين ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ فجمع موسى الإسرائيليــــين واتجه بهم صوب البحر الأحمر ولكن الطاغية كان لهم بالمرصاد ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ فكيف كانت النهاية ومن الذي فاز وانتصر وحاز على السبق والظفر. كانت النهاية هـــي نهاية الكفر والإلحاد حيـث أن جيش فرعون ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾.
وبعد.. فهـــذا قبس من سورة طه فليستلهم الدعـــاة دروسه وعبره والحمد لله رب العالمين.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل