; مجمع الفقه الإسلامي بالخرطوم يفند شطحات د. حسن الترابي حول: المسيح وشهادة المرأة وإمامتها للصلاة وزواجها من كتابي | مجلة المجتمع

العنوان مجمع الفقه الإسلامي بالخرطوم يفند شطحات د. حسن الترابي حول: المسيح وشهادة المرأة وإمامتها للصلاة وزواجها من كتابي

الكاتب حاتم حسن مبروك

تاريخ النشر السبت 06-مايو-2006

مشاهدات 99

نشر في العدد 1700

نشر في الصفحة 20

السبت 06-مايو-2006

▪ خالف الكتاب والسنة وما استقر عليه عمل أهل الإسلام.. والواجب عليه التوبة إلى الله تعالى

▪ إنكاره نزول المسيح وزعمه أن ذلك من الخرافات مردود عليه.. فالاعتقاد في نزول المسيح هو قول المسلمين أجمعين سلفاً وخلفاً وتثبته النصوص المتواترة

▪ لم تخل أمة الإسلام في عصر من العصور من نساء مؤمنات فقيهات عالمات.. فهل يملك الترابي نصًا صحيحًا صريحًا في أن امرأة مسلمة قد أمت الرجال وأقروها على ذلك

▪ قال القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة.. لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام

▪ قول الترابي بأن شهادة المرأة تعدل شهادة الرجل بل تفضلها يخالف أقوال أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾

أعلن مجمع الفقه الإسلاميِّ بالخرطوم في بيان له أن الدكتور حسن الترابي خالف الكتاب والسنة وما استقر عليه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا، وطالبه بالتوبة إلى الله تعالى من القول بغير علم وتضليل جماهير المسلمين.

وفصل المجمع في بيانه الوافي مستشهدًا بآيات من كتاب الله وأحاديث من سنة رسوله تفنيدًا لفتاوى الترابي حول إمامة المرأة وزواج المسلمة من الكتابي وشهادة المرأة التي تعدل شهادة الرجل وحجاب المرأة المسلمة ونزول المسيح.

وقد أصدر المجمع فتوى جامعة تفند آراء وفتاوى الدكتور حسن الترابي، وفيما يلي نص الفتوى:

وردت إلينا في مجمع الفقه الإسلامي أسئلة من عدد من الناس تتعلق بفتاوى وآراء صدرت عن الدكتور حسن الترابي فيما يتعلق بالقضايا التالية:

أولاً: قوله بجواز زواج غير المسلم (نصرانيًا كان أو يهوديًا) بالمرأة المسلمة.

ثانيًا: قوله بمساواة شهادة المرأة بشهادة الرجل مطلقًا في كل شيء.

ثالثًا: إنكاره نزول المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام آخر الزمان.

▪ وجوابًا على ذلك نقول:

إننا في مجمع الفقه الإسلامي قيامًا منا بأمانة التكليف، ورغبة في بيان الحق لطالبيه، وتحذيرًا للمسلمين من دعاة الفتنة وأهل الأهواء، ولئلا يفتن الناس بمثل هذه المقولات، نود بيان جملة من الحقائق عملاً بقول ربنا جل جلاله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: 187)، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَٰبِ أُولَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 160).

▪ مخالفة لإجماع المسلمين:

أولاً: مما خرج به قائل هذه الأقوال على إجماع الأمة قوله إن من حق المرأة أن تتزوج كتابيًا مسيحيًًا كان أو يهوديًا، ومثل هذا القول حقيق بأن يُذكر صاحبه بقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأُولَـٰٓئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل: 105).

وهو قول لم يسبقه إليه أحد من الأولين أو الآخرين، مخالف لآيات القرآن الناطقة بحرمة ذلك النكاح وفساده، كقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (البقرة: 221)، ومخالف لإجماع المسلمين الذي نقله غير واحد من أهل العلم، ففي جامع البيان قال الإمام الطبري: (والقول في تأويل قوله تعالي: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ (البقرة: 221) يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله قد حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً، كائناً من كان المشرك، فلا تنكحوهن أيها المؤمنون منهم، فإن ذلك حرام عليكم، ولأن تُزَوِّجُوهن من عبد مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك ولو شرف نسبه وكرم أصله وإن أعجبكم حسبه ونسبه).

وعن قتادة والزهري في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ قالا: (ولا يحل لك أن تنكح يهودياً أو نصرانياً ولا مشركاً من غير أهل دينك)، وقال القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الجامع لأحكام القرآن): (وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام).

ويقول الشيخ رشيد رضا يرحمه الله تعالى: (وإذا كان المنتقد لا يرضيه من الأدلة على حظر تزويج المسلمة للكتابي السنة المتبعة وإجماع الأمة والقياس الجلي المأخوذ من العلة المنصوصة في القرآن، وإن شئت قلت: وفحوى القرآن وبعض الظواهر العامة، بل يطلب عليه نصاً أصولياً لا يحتمل التأويل، فهذا التزام لم يلتزمه أحد من السلف ولا من الخلف في شيء من أحكام الدين العملية، فهذه هي هيئة الصلاة التي هي عماد الدين لم ترد في نصوص القرآن القطعية ولا غير القطعية، فأين النص فيه على أن الصلوات خمس واحدة منها ركعتان، وواحدة ثلاث ركعات، والبواقي رباعيات؟ وأين النص فيه على توحيد الركوع وتثنية السجود؟ وإنما ثبتت هذه الأركان بالسنة والإجماع...).

▪ خداع للعقول

نقول: إن العلماء مجمعون على تحريم تزويج المسلمة من الكتابي، بل إنهم أجمعوا على أن الكافر- كتابياً أو غيره- لا يكون ولياً في نكاح مسلمة، ففي (المغني) لابن قدامة الحنبلي رحمه الله قال: (أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم منهم مالك والشافعي وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم).

وأما زعم صاحب هذه المقولات بأن منع التزاوج بين المسلمات والكتابيين أقاويل لا أساس لها من الدين!! ولا تقوم على ساق من الشرع الحنيف!! إنما هي أوهام وتضليل وتجهيل وإغلاق وتحنيط وخداع للعقول والإسلام منها براء!!

فهو جدير بتلك الأوصاف التي رمى بها علماء الأمة سلفاً وخلفاً، وهو بهذا يقارن بين تزويج الكتابية من المسلم دون العكس.

وفي توضيح الفارق بين الأمرين نقول: إن الإسلام يجيز زواج المسلم من غير المسلمة (نصرانية أو يهودية) ولا يجيز زواج المسلمة من غير المسلم، لأن كل تشريعات الإسلام مبنية على حكمة معينة ومصلحة حقيقية لكل الأطراف.

قال الشيخ عطية محمد سالم: (لماذا حلت الكافرة من أهل الكتاب للمسلم ولم تحل المسلمة للكافر من أهل الكتاب؟) والجواب من جانبين:

الأول: أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والقوامة في الزواج قطعاً لجانب الرجولة، فقد يؤثر الرجل على امرأته فلا تستطيع القيام بدينها كما يجب، وقد تترك دينها بالكلية، وكذلك الأولاد سيكونون تابعين لأبيهم في الدين.

والجانب الثاني: شمول الإسلام وقصور غيره، وينبني عليه أمر اجتماعي له مساس كيانات الأسرة وحسن العشرة، وذلك أن المسلم إذا تزوج كتابية، فهو يؤمن بكتابها ورسولها، فسيكون معها على مبدأ من يحترم دينها لإيمانه به في الجملة، فسيكون هناك مجال للتفاهم، وقد يحصل التوصل إلى إسلامها بموجب كتابها، أما الكتابي فإذا تزوج مسلمة، فهو لا يؤمن بدينها، فلا يجد منها احتراماً لدينها، ولا مجال للتفاهم معه، وبالتالي فلا مجال للتفاهم ولا للوئام، وإذاً فلا جدوى من هذا الزواج بالكلية، فتم منعه ابتداء.

يقول سيد قطب- رحمه الله تعالى- في (الظلال): (زواج الكتابي من مسلمة محظور، لأنه يختلف في واقعة عن زواج المسلم بكتابية غير مشركة، وهنا يختلف في حكمه.. إن الأطفال يدعون لآبائهم بحكم الشريعة الإسلامية، كما أن الزوجة هي التي تنتقل إلى أسرة الزوج وقومه وأرضه بحكم الواقع، فإذا تزوج المسلم من الكتابية غير المشركة، انتقلت إلى دار قومه ودعي أبناؤه منها باسمه، فكان الإسلام هو الذي يهيمن ويظلل جو الحصن، ويقع العكس حين تتزوج المسلمة من كتابي، فتعيش بعيداً عن قومها، وقد يفتنها ضعفها ووحدتها هناك عن إسلامها، كما أن أبناءها يدعون إلى دين زوجها، ويدينون بدين غير دينها، والإسلام يجب أن يهيمن دائماً).

▪ كفر أهل الكتاب

وقد ذهب صاحب تلك الدعاوى الباطلة إلى أن اليهود والنصارى ليسوا مشركين أو كفاراً، فنقول جواباً على ذلك: قد دل القرآن والسنة والإجماع على أن من دان بغير الإسلام فهو كافر، ودينه مردود عليه وهو في الآخرة من الخاسرين. قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

وجاء النص القاطع بأن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- أو أشركوا مع الله غيره، أو جحدوا نبوة نبي من الأنبياء أنهم كفار، ولا يدفع عنهم الكفر إيمانهم أو التزامهم بكتبهم، فلو آمنوا حقاً بالنبي والكتاب لآمنوا بجميع الأنبياء والرسل.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ )النساء: 150-151(، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ )آل عمران: 70(، وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ )آل عمران: 98(.

وقد كان ذلك خطاباً لأهل الكتاب المعاصرين للنبي وهم يؤمنون بعيسى والإنجيل، وبموسى والتوراة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: 17)، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 31)، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة: 1).

فكونهم أهل كتاب لا يمنع من كونهم كفاراً، كما نطق بذلك كتاب الله، وأما إباحة طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم فإنه لا ينفي الحكم بكفرهم ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه جل وعلا.

ولو قال قائل: فما وجه وعد الله إياهم بالجنة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62).

نقول: إن هذا الوعد إنما هو للموحدين منهم الذين آمنوا بنبيهم ولم يشركوا بالله أحداً ولم يدركوا بعثة نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم، وهذا ما اتفق عليه أهل التفسير والعلم بكتاب الله عز وجل، ويؤيده أن من اعتقد ألوهية عيسى أو بنوته لله، أو اعتقد أن الله فقير أو يمسه اللغوب والتعب فليس مؤمناً بالله حقيقة.

وكذلك من اعتقد أن عيسى عليه السلام هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة ويجعل النار لمن لم يؤمن بألوهيته أو نبوته، من اعتقد ذلك لم يكن مؤمناً باليوم الآخر حقيقة، ولهذا وصف القرآن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29)، نقول: إن كفر اليهود والنصارى يعد من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى أو شك في ذلك فهو كافر.

قال القاضي عياض في كتابه (الشفاء) في سياق ذكره ما هو كفر بالإجماع: (ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو توقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك).

ولا يتنافى اعتقادنا بكفرهم مع برنا إياهم وعدلنا معهم وقيامنا بما أوجب الله في قوله سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).

▪ أوهام وأباطيل

ثانياً: وأما قول الدكتور الترابي بأن شهادة المرأة تعدل شهادة الرجل بل تفضلها، فيما نقل عنه في جريدة حزبه بالنص من قوله: (إن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل تماماً وتوازيه بل وأحياناً تكون أفضل منه وأعلم، وشهادتها أقوى منه، ونفيه أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد، وقوله: ليس ذلك من الدين أو الإسلام بل هي مجرد أوهام وأباطيل وتدليس أريد بها تغييب وسجن العقول في الأفكار الظلامية التي لا تمت للإسلام في شيء..)، نقول: يكفينا أن نذكر بأن كل مسلم يسمع قول ربنا عز وجل: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ﴾ (البقرة: 282)، يعلم ضلال قول الترابي وبطلانه وأنه يدعو إلى التشكيك في مُسَلَّمَاَتِ الدين.

وقد قال أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ﴾ (البقرة: 282): فيه دليل على أنَّ استشهاد امرأتين مكان رجل أي طلب شهادتي امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة وهو النسيان وعدم الضبط، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن على نصف رجل وما تقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا يُنسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معان معقولة ويطول العهد بها في الجملة.

▪ نزول المسيح

ثالثاً: إنكاره نزول المسيح ابن مريم عليه السلام وتهكمه بمن يعتقدون في نزوله، وزعمه أن ذلك من الخرافات، نقول: الاعتقاد في نزول المسيح ابن مريم هو قول المسلمين أجمعين سلفاً وخلفاً للنصوص المتواترة التي أثبتت ذلك، منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).

وقد نقل غير واحد من علماء الأمة تواتر النصوص القاضية بنزول المسيح عليه السلام، منهم الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (آل عمران: 55)، فقد قال- بعد أن ذكر الأقوال في معنى التوفي- وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك أني قابضك من الأرض ورافعك إليَّ لتواتر الأخبار عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال)، وقال العلامة السفاريني الحنبلي في شرح منظومته (لوامع الأنوار البهية): (قد أجمعت الأمة على نزول عيسى ابن مريم عليه السلام ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يُعتدُ بخلافهِ).

وأما استدلاله في ادعاءاته ومزاعمه بقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ على وفاة عيسى فهو جار على منهجه في ضرب النصوص الشرعية بعضها ببعض، ومعلوم أن القرآن يصدق بعضه بعضاً، ولا تتناقض أخباره، كما أن السنة مبينة للقرآن، وصنيع الراسخين في العلم أنهم يوفقون بين النصوص ولا يضربون بعضها ببعض.

وقد قال أهل العلم: إن الوفاة في الآية محمولة على النوم لأن القرآن الكريم قد جعل النوم وفاة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: 60)، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (الزمر: 42).

وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا استيقظ من نومه قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) ومن العلماء من حمل الوفاة في الآية على معنى القبض والحيازة كما تقول: توفى فلان دينه إذا قبضه إليه. فيكون معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على هذا قابضك منهم إلى حياً، وأما قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام: ﴿فَلَمَّا تُوَفِّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة: 117)، فلا خلاف بين أهل التأويل أن ذلك يكون يوم القيامة حين يقول جل جلاله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: 116).

وعلى ذلك فلا إشكال أصلاً، لأن المسلمين أجمعين متفقون على أن المسيح عليه السلام سيموت كما يموت سائر البشر لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185)، لكن موته- عند أهل الحق- سيكون بعد نزوله من السماء وقتله الدجال وحكمه بشريعة محمد- صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: 159).

▪ إمامة المرأة

رابعاً: من المسائل التي أثارها- خارجاً بها على السنة النبوية وما استقر عليه عمل المسلمين- القول بجواز إمامة المرأة للرجال بإطلاق! وجواباً على ذلك نقول: إن أمة الإسلام، والحمد لله، لم تخل في عصر من العصور من نساء مؤمنات فقيهات عالمات، فهل يملك الترابي نصاً صحيحاً صريحاً في أن امرأة مسلمة قد أمَّت الرجال وأقروها على ذلك؟

إن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: (لا تؤمَّن امرأةٌ رجلاً).

وقد علم المسلمون أجمعون من سنة نبيهم- عليه الصلاة والسلام- أن خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، وأن الجمعة والجماعة غير واجبة على النساء، فمن أين للترابي مثل هذا الإطلاق؟

وأما استدلاله بإذنه- عليه الصلاة والسلام- لأم ورقة بأن تؤم أهل دارها، فتفسره الرواية الأخرى: (نساء دارها)، لكن هذا الرجل في ادعاءاته يتعلق بما شاء من روايات يقضي بها وفقه ويحقق غايته من إشاعة البلبلة في صفوف المسلمين.

▪ الحجاب

خامساً: ومما صادم به في ادعاءاته نصوص القرآن والسنة دعواه أن الحجاب، بمعناه الشرعي المعروف- غير لازم للمرأة، بل يكفيها أن تغطي رأسها وصدرها!

وهذا من العجب العاجب، ويكفينا في رد تلك الدعوى قول ربنا سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النور: 31)، وما نطقت به نصوص السنة وما أجمعت عليه الأمة مما يعد مخالفة داخلاً- أيّ الترابيّ- في زمرة من قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115).

وبعد: فإن مجمع الفقه الإسلامي- بعد أن نظر في هذه القضايا في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها المستمدة من ثوابت الإسلام- الكتاب والسنة والإجماع- يرى أن الرجل قد خالف الكتاب والسنة وما استقر عليه عمل أهل الإسلام قديماً وحديثاً، والواجب عليه التوبة إلى الله تعالى من القول بغير علم وتضليل جماهير المسلمين، والواجب أن يتعامل مع هذا الرجل بما يقضي بالحق ويوقف الشر والضرر.

الرابط المختصر :