العنوان المساواة أول الأصول الشرعية الإسلامية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1382
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
- محاسن الشريعة في كتاب «التشريع الجنائي» «6»
- أساس المساواة بين البشر أن إلههم واحد وأباهم واحد
- النسائيون يريدون أن يكون عمل المرأة خارج البيت بديلًا عن دورها في بناء الأسرة، وأن يكون رئيسها في العمل بديلًا عن رئيس الأسرة
الذين يتهمون الإسلام بأنه لم ينظم الحريات وحقوق الإنسان عليهم ألا يحكموا على شريعتنا بما ينسبونه للحكام في خلال عصور تاريخنا المختلفة كما فعل غيرهم في بلاد أخرى وما زالوا يفعلون، بل يجب أن يدرسوا الأصول المتعلقة بنظام المجتمع والدولة وحقوق الإنسان وحرياته التي عرضها فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة في البنود ۲۱ إلى ۲۸ من كتابه «التشريع الجنائي»، حيث قدم لنا النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تقرر مبدأ المساواة «بما فيها مساواة الرجل والمرأة»، ثم الحريات المختلفة في التفكير والاعتقاد والقول، ونظرية الشورى وتقييد سلطة الحكام.
يكفي لبيان أهمية هذه المبادئ في أصول شريعتنا أنها أول النظريات التي عرضها وبين أن أساس تقريرها وحمايتها هي نصوص قرآنية وليست مجرد اجتهادات فقهية أو نظريات فلسفية.
إن نظرية المساواة قد عرفت في الشريعة الإسلامية منذ ثلاثة عشر قرنًا، لكن القوانين الوضعية لم تعرفها إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، وإذن فقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير المساواة بأحد عشر قرنًا، ولم تأت القوانين الوضعية بجديد حين قررت المساواة، وإنما سارت في أثر الشريعة واهتدت بهداها هذا فضلًا عن أن القوانين الوضعية تطبق نظرية المساواة تطبيقًا محدودًا ناقصًا في حين أن الشريعة قد توسعت في تطبيقها إلى أقصى حد.
وقد قلنا: إن الإسلام لم يكتف بتقرير المبدأ، بل إنه بين لنا أساس المساواة بين البشر وموجبها، وهو أن لهم جميعًا إلهًا واحدًا، وأبًا واحدًا، وقد أوضحت أحاديث نبوية عديدة هذا المبدأ، وأكده رسولنا الكريم في خطابه الدستوري التاريخي في حجة الوداع وأدان فكرة التمييز العنصري التي ما زالت كبريات الدول الديمقراطية تعاني منها وتسعى للتخلص من آثارها في عصرنا الحديث كما أن الصهيونية تعتبرها من عقائدها، زاعمين أن اليهود هم شعب الله المختار.
وفيما يخص مبدأ المساواة في علاقة الرجال بالنساء، فإنه قرر أننا نستطيع أن ندرك مدى السمو الذي وصلت إليه الشريعة بتقريرها مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في شؤونهم الشخصية، إذا علمنا أن القوانين الوضعية، لم تسمح بالتسوية بينهما في أوروبا إلا في القرن التاسع عشر، وأن بعضها ما زال يمنع النساء من التصرف في أموالهن وشؤونهن الخاصة إلى اليوم إلا بإذن أزواجهن.
وإذا كان للرجال درجة على النساء في شؤون الأسرة المشتركة- حفاظًا على وحدة الأسرة- فإن الرجل لا يتميز عن المرأة في شؤونها الخاصة، وليس له عليها أي سلطان ولا وصاية فهي تستطيع مثلًا أن تتملك الحقوق وتتصرف فيها دون أن يكون للرجل- ولو كان زوجًا أو أبًا- أن يشرف عليها أو يتدخل في أعمالها.
وقد سوت الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة على الوجه السابق من يوم نزولها، أي من ثلاثة عشر قرنًا تقريبًا في وقت لم يكن فيه العالم مهيأ للتسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.
وقد قلنا «في حاشيتنا» على كتاب التشريع الجنائي: إن المساواة بين أفراد المجتمع لا يمكن أن تعني أن يكون هناك تماثل في نوع العمل أو في المركز الاجتماعي أو تماثل في المسؤوليات والاختصاصات كذلك المساواة بين الرجل والمرأة في الأسرة لا تعني التماثل في الاختصاصات، بل هو التكامل الذي يستلزمه تنوع وظيفة كل منهما في إطار التوازن بحيث يكون للزوج الرئاسة مقابل تحمله مسؤولية القوامة، أي الكسب والإنفاق على الأسرة، في حين تقع على المرأة مسؤولية الحمل والولادة والرضاعة والحضانة للأولاد وبذلك يكون هناك قدر كاف من التوازن يستوجب التعاون والتكامل ويوفر للأسرة تضامنها وجميع احتياجاتها، ويمكنها من إنجاب الذرية وتنشئتها التنشئة الصالحة التي تضمن للأمة البقاء، وللإنسانية النمو والتجدد في إطار من التكافل والتضامن، مع تنوع الاختصاصات وتفاوت المسؤوليات
وقد بينا أيضًا أن من يسمون أنفسهم نسائيين، أو يرفعون شعارات تحرير المرأة نجدهم يطالبون المرأة بالعمل ويريدون أن تكون المرأة العاملة خاضعة لمن يرأسها أو يستخدمها في العمل، ويكون له عليها حق المحاسبة والتأديب المترتب على هذه الرئاسة، ويفضلون هذه الرئاسة- التي يمارسها رجل أجنبي على المرأة العاملة- على رئاسة الزوج للأسرة، بما فيها الزوجة والأطفال.. إنهم يريدون أن يكون عمل الزوجة خارج البيت بديلًا عن مشاركتها في بناء الأسرة وإنجاب الأطفال ورعاية الجيل الناشئ، وأن يكون رئيسها في العمل بديلًا لرئيس الأسرة وهو الزوج، في حين أننا نرى أن العمل خارج المنزل مجرد أمر ثانوي مكمل لوظيفتها ومسؤوليتها الأساسية في الأسرة لا متعارض معها ولا بديل لها.
وما دام لكل كيان رئيسه، فلماذا لا يكون للأسرة رئيسها ولمن تكون الرئاسة فيها إذا لم تكن لمن تلزمه شريعتنا بالعمل للإنفاق على جميع أفرادها بمن فيهم الزوجة، حتى ولو كانت تعمل وتكسب ولها ثروة ومال خاص بها؟ وينسون أن هذا التنوع والتكامل مقرر لصالح الأطفال، لكي تتفرغ الأم لإنجابهم، وإرضاعهم وحضانتهم، وليست لصالح الزوج أو الزوجة.
إنهم يريدون أن يلزموا المرأة بالعمل خارج نطاق الأسرة، ولو اقتضي ذلك هدم الأسرة وضياع الأولاد ويعتبرون ذلك تحريرًا لها من الزواج والأمومة وانفلاتها من مسؤوليات الزواج والأمومة، ومن الارتباط برجل يصاحبها في مسيرة حياتها كزوج يلتزم بالإنفاق عليها، ويفضلون أن تعاشر جنسيًا من تجد من الرجال دون زواج أو ذرية، وتخضع لرئاسة من يدفع لها أجرها من أصحاب العمل، وتقبل رئاسته بدلًا من رئاسة الزوج ولو أدى ذلك إلى أن تعيش في المجتمع منفردة بدون رجل يشاركها في بناء الأسرة وتربية الأولاد تأنس له وتتعاون معه على مواجهة مشكلات العيش وتنشئة الأطفال وهم مستقبل الأمة.